الله وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (١).
١١ - وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٢).
١٢ - وقال تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (٣).
وأما الأدلة من السنة المطهرة، فقد زهَّد النبي - ﷺ - النَّاس في الدنيا، ورغَّبهم في الآخرة، بفعله وقوله - ﷺ -، على النحو الآتي.
١ - أما فعله فمنه حديث عائشة ﵂ قالت: «خرج النبي - ﷺ - ولم يشبع من خبز الشعير» (٤).
٢ - وقالت: «ما أكل آل محمد أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر» (٥).
٣ - وقالت: «إنا كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله - ﷺ - نار، فقال عروة: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء» (٦).
٤ - وقال - ﷺ -: «لو كان لي مثل أُحد ذهبًا ما يسرني أن لا يمر عليَّ ثلاثٌ وعندي منه شيء إلا شيء أرصُدُهُ لدَيْن» (٧).
_________________
(١) سورة الحديد، الآية: ٢٠.
(٢) سورة الرحمن، الآيتان: ٣٦ - ٣٧.
(٣) سورة غافر، الآية: ٣٩.
(٤) البخاري، كتاب الأطعمة، باب ما كان النبي - ﷺ - وأصحابه يأكلون، برقم ٥٤١٤.
(٥) البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه، وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٥٥.
(٦) البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه، وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٥٩.
(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب الاستقراض وأداء الديون، والحجر والتفليس، باب أداء الديون، برقم ٢٣٨٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة، برقم ٩٩١.
[ ٣٤ ]
٥ - وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه اضطجع على حصير فأثَّر في جنبه، فدخل عليه عمر بن الخطاب - ﵁ -، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه فقال:
يا رسول الله لو أخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال - ﷺ -: «ما لي وللدنيا،
ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكبٍ سار في يومٍ صائفٍ فاستظلّ تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها» (١).
٦ - وقال أبو هريرة - ﵁ -: «ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض» (٢). والمقصود أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيام متوالية، والظاهر أن سبب عدم شبعهم غالبًا كان بسبب قلة الشيء عندهم، على أنهم قد يجدون ولكن يؤثرون على أنفسهم (٣).
٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: «كان فراش رسول الله - ﷺ - من أدَم وحشوُهُ ليف» (٤).
٨ - ومع هذا كان يقول - ﷺ -: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا» (٥).
٩ - وقال - ﷺ -: «قد أفلح من أسلم، ورُزِق كفافًا، وقنَّعَهُ الله بما آتاه» (٦).
_________________
(١) أحمد في المسند، ١/ ٣٠١ بلفظه، والترمذي بنحوه، في كتاب الزهد، باب ٤٤، برقم ١٣٧٧، وقال: «حديث حسن صحيح»، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، برقم ٤١٠٩، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٢٨٠، وصحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٩٤.
(٢) البخاري، كتاب الأطعمة، باب قول الله تعالى: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الآية، برقم ٥٣٧٤.
(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٩/ ٥١٧، ٥٤٩.
(٤) البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٥٦.
(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٦٠، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الكفاف والقناعة، واللفظ له، برقم ١٠٥٥.
(٦) مسلم، كتاب الزكاة، باب الكفاف والقناعة، برقم ١٠٥٤.
[ ٣٥ ]
وأما قوله في التزهيد في الدنيا والتحذير من الاغترار بها، فكثير، ومنه:
١٠ - حديث مطرف عن أبيه - ﵁ - قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو يقرأ:
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: «يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مالك
يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت» (١).
١١ - وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «يقول العبد: مالي مالي، إنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، [و] ما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه الناس» (٢).
١٢ - وقال النبي - ﷺ - مرة لأصحابه: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله»؟ قالوا: يا رسول الله ما منا أحدٌ إلا ماله أحب إليه. قال: «فإن ماله ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر» (٣).
١٣ - ودخل النبي - ﷺ - السوق يومًا فمرَّ بجدي صغير الأذنين ميت، فأخذه بأذنه ثم قال: «أيكم يحب أن هذا له بدرهم»؟ قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: «أتحبون أنه لكم»؟ قالوا: والله لو كان حيًّا كان عيبًا فيه؛ لأنه أسكٌّ (٤)، فكيف وهو ميت؟ فقال: «فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم» (٥).
_________________
(١) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٥٨.
(٢) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٥٩.
(٣) البخاري، كتاب الرقاق، باب ما قدم من ماله فهو له، برقم ٦٤٤٢.
(٤) الأسك: مصطلم الأذنين مقطوعهما.
(٥) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٥٧.
[ ٣٦ ]
١٤ - وعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء» (١).
والدنيا مذمومة إذا لم تستخدم في طاعة الله - ﷿ -:
١٥ - فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ألا إن الدنيا ملعونةٌ، ملعون ما فيها إلا ذكرُ الله، وما والاهُ، وعالمٌ، أو متعلم» (٢)، وهذا يؤكد أن الدنيا مذمومة، مبغوضة من الله وما فيها، مبعدة من رحمة الله إلا ما كان طاعة لله - ﷿ -؛ ولهوانها على الله - ﷿ - لم يبلِّغ رسوله - ﷺ - فيها وهو أحب الخلق إليه.
١٦ - فقد مات ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعير (٣).
وقوله: «وما والاه» أي ما يحبه الله من أعمال البر، وأفعال القُرَب، وهذا يحتوي على جميع الخيرات، والفاضلات، ومستحسنات الشرع، وقوله: «وعالم أو متعلم» العالم والمتعلم: العلماء بالله، الجامعون بين العلم والعمل، فيخرج منه الجهلاء، والعالم الذي لم يعمل بعلمه، ومن يعلم علم الفضول، وما لا يتعلق بالدين. والرفع في «عالم أو متعلم» على التأويل: كأنه قيل: الدنيا مذمومة لا يحمدُ مما فيها «إلا ذكر الله وما والاه،
_________________
(١) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، برقم ٤١١٠، والترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله - ﷿ -، وقال: «هذا حديث صحيح»، برقم ٢٣٢٠، وابن المبارك في الزهد والرقائق، عن رجال من أصحاب النبي - ﷺ -، برقم ٤٧٠، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٤٣، وفي صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣٢٤٠.
(٢) الترمذي، بلفظه، كتاب الزهد، بابٌ: حدثنا محمد بن حاتم، برقم ٢٣٢٢،وحسنه، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، برقم ٤١١٢،وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣٢٤٤.
(٣) انظر: البخاري، كتاب البيوع، باب شراء الطعام إلى أجل، برقم ٢٢٠٠، ومسلم، كتاب المساقاة، باب الرهن وجوازه في الحضر والسفر، برقم ١٦٠٣.
[ ٣٧ ]
وعالم أو متعلم» (١)،فإذا رأى العاقل من ينافسه في الدنيا فعليه أن ينصحه ويحذّره وينافسه في الآخرة (٢).
١٧ - وفي قصة أبي عبيدة - ﵁ - عندما قدم بمال من البحرين فجاءت الأنصار وحضروا مع رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح، فلمَّا صلى بهم الفجر، تعرَّضوا له، فتبسَّم حين رآهم وقال: «أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء»؟ قالوا: أجل يا رسول الله، قال: «فأبشروا، وأمِّلوا
ما يسركم، فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم»، وفي رواية: «وتلهيكم كما ألهتهم» (٣).
١٨ - وفي حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «إن أكثر
ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض»، قيل: وما بركات الأرض؟ قال: «زهرة الدنيا»، ثم قال: «إن هذا المال خَضِرَة حلوة، من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع [ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة]» (٤).
_________________
(١) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ١٠/ ٣٢٨٤ - ٣٢٨٥، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا علي القاري، ٩/ ٣١، وتحفة الأحوذي للمباركفوري، ٦/ ٦١٣.
(٢) فقه الدعوة للمؤلف، ٢/ ١٠٠٧.
(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجزية والموادعة، باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب، برقم ٣١٥٨، ٤٠١٥، ٦٤٢٥، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٦١.
(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، برقم ٦٤٢٧، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، برقم ١٠٥٢، وما بين المعقوفين من رواية مسلم.
[ ٣٨ ]
١٩ - وقال خَبَّابٌ - ﵁ -: «إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب» (١).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «أي الذي يوضع في البنيان وهو محمول على ما زاد على الحاجة» (٢).
وذكر ﵀ آثارًا كثيرة في ذمّ البنيان ثم قال: «وهذا كله محمول على ما لا تمسُّ الحاجة إليه مما لا بدَّ منه للتوطّن، وما يقي البرد والحرّ» (٣).
والمسلم إذا لم يجعل الدنيا أكبر همه وفقه الله وأعانه.
٢٠ - فعن معقل بن يسار - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يقول ربكم ﵎: يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ قلبك غنىً، وأملأ يديك رزقًا، يا ابن آدم لا تباعد عني فأملأ قلبك فقرًا، وأملأ يديك شغلًا» (٤).
٢١ - وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً، وأسدّ فقرك، وإن لم تفعل ملأت يديك شغلًا، ولم أسدَّ فقرك» (٥). قال ذلك عندما تلا: ﴿مَن كَانَ
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، برقم ٥٦٧٢، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب كراهة تمني الموت لضر نزل به، برقم ٢٦٨١.
(٢) فتح الباري، بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ١٢٩.
(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ١١/ ٩٣، و١٠/ ١٢٩.
(٤) الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٤/ ٣٢٦، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: «وهو كما قالا»، وصححه في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣١٦٥.
(٥) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب حدثنا قتيبة، برقم ٢٤٦٦، وحسنه، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا، برقم ٤١٠٨، وأحمد، ٢/ ٣٥٨، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ٢/ ٤٤٣، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣١٦٦، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٣٤٦، وفي صحيح الترمذي، ٢/ ٥٩٣.
[ ٣٩ ]
يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ (١).
ولا شك أن كل عمل صالح يُبتغى به وجه الله فهو عبادة، بل وحتى الأعمال المباحة.
٢٢ - وعن زيد بن ثابت - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من كانت الدنيا همّه فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِبَ له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» (٢).
٢٣ - وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كانت الآخرة همّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همّه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له» (٣).
٢٤ - وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أحب دنياه أضرَّ بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى» (٤).
_________________
(١) سورة الشورى، الآية: ٢٠.
(٢) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا، برقم ٤١٠٥، وصحح الألباني إسناده في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٥٠، وصحيح الجامع، ٥/ ٣٥١.
(٣) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب: حدثنا سويد، برقم ٢٤٦٥، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٥٩٣، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٩٤٩ - ٩٥٠.
(٤) أحمد، ٤/ ٤١٢، وابن حبان، برقم ٧٠٩، والحاكم، ٤/ ٣١٩، قال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، برقم ٤٧٤٤: «رواه أحمد ورواته ثقات». وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب على الحديث رقم ٣٢٤٧: «صحيح لغيره»، وذكر له شاهدًا في الأحاديث الصحيحة، برقم ٣٢٨٧.
[ ٤٠ ]