لقد كان من لطف الله وتوفيقه، وإعانته وتسديده، أن يسر لي إتمام هذا البحث.
فجاء بحمد الله مشتملًا على فوائد عظيمة، وقواعد شريفة، ولطائف منيفة، في باب التفاضل في العبادة، وهي ظاهرة إن شاء الله لمن قرأ هذا البحث وتدبره.
وإنما أشير في هذا المقام إلى شيء منها تمشيًّا مع منهجية البحث، وتيسيرًا لمطالعتها في موطن واحد.
١ - ومن هذه الفوائد غزارة المادة العلمية في موضوع التفاضل في العبادة، لكثرة النصوص الواردة فيه وتنوع دلالتها عليه، مما يدل على تأصّله في العلم، وعراقته في الشرع، وهذا مما يشحذ الهمم إلى مزيد العناية ببحثه والتفقه فيه، ثم امتثال ذلك في العمل، والترقي في مراتب الفضل.
٢ - عناية السلف من الصحابة، ومن بعدهم من التابعين، وأئمة الهدى، بهذا الباب يتمثل هذا في تعدد الأسئلة من الصحابة للنبي ﷺ عنه، وكثرة الآثار عن السلف في تقريره، ووضع الأئمة المحققين لكثير من القواعد والضوابط في تأصيله وتقريب مسائله.
٣ - تفاضل الأعمال باعتبار أجناسها كما دلت على ذلك إجابات النبي ﷺ للسائلين عن أفضل العمل، وغيرها من النصوص الأخرى الدالة على تفاضل الأعمال بهذا الاعتبار.
٤ - بيان أن أفضل الأعمال على الإطلاق والله أعلم أركان الإسلام الخمسة، وأفضلها الشهادتان تلفظًا واعتقادًا وامتثالا للعمل بمقتضاهما، ثم الصلاة ثم الزكاة ثم بقية الأركان، ثم سائر الواجبات بعدها، وأفضلها بر
[ ١٩٥ ]
الوالدين، ثم بعد الواجبات نوافل العبادات، وأفضلها طلب العلم النفل، والجهاد، والذكر على اختلافٍ بين العلماء في المفاضلة بين هذه الثلاثة الأخيرة، والمشهور عنهم هو تفضيل العلم ثم الجهاد ثم الذكر، على ما تم تقرير ذلك مفصلًا.
٥ - تفاضل الأعمال باعتبار انقسامها إلى واجبات ونوافل، وتقديم الواجبات على النوافل، وبيان أن هذه القاعدة على أصلها من غير استثناء على ما دلت على ذلك النصوص وقواعد الشريعة، خلافًا لما زعمه بعض العلماء المتأخرين من استثناء بعض المسائل من هذه القاعدة فهو قولٌ مرجوح عند التأمل كما تقدم نقد ذلك مفصلًا.
٦ - تفاضل الواجبات في نفسها وتقديم فروض الأعيان منها، على فروض الكفايات، وحقوق الخالق على سائر حقوق المخلوقات، وكذلك تفاضل النوافل في نفسها، وتقديم السنن الراتبة منها على المطلقة، والمؤكدة على ما سواها.
٧ - تفاضل الأعمال باعتبار النية وقوة الإخلاص على ما دلت على ذلك النصوص الشرعية وأقوال الأئمة.
٨ - تفاضل الأعمال باعتبار حسن المتابعة فيها، على ما دلت على ذلك النصوص من الكتاب والسنة.
٩ - بيان انقسام المتابعة في العمل إلى قسمين خاصة وعامة. فالعامة هي المتابعة للنبي ﷺ في كامل هديه وكل أحواله، والخاصة هي المتابعة له في عمل مخصوص وهي على درجتين واجبة: مؤثرة في قبول العمل، وكاملة: مؤثرة في كماله.
١٠ - تفاضل الأعمال باعتبار المداومة عليها على ما دلت على ذلك
[ ١٩٦ ]
النصوص وأقوال أهل العلم.
١١ - بيان انقسام الأعمال باعتبار المداومة وعدمها إلى ثلاث مراتب، الأولى: ما كان النبي ﷺ يدوام عليه في السفر والحضر. والثانية: ما كان يداوم عليه في الحضر دون السفر. والثالثة: ما كان يفعله في وقت دون وقت من غير مداومة. وأن الفضل في كل مرتبة هو الإقتداء بفعل النبي ﷺ فيها.
١٢ - تفاضل الأعمال باعتبار تأديتها على وجه الاقتصاد والتسير، على ما دلت على ذلك النصوص وأقوال السلف، وأقوال الأئمة المحققين في هذا الباب.
١٣ - أنه لا تعارض بين ما جاء في النصوص من الترغيب في الاقتصاد في العمل وسلوك مسلك الرفق فيه، وبين ما جاء في النصوص الأخرى من أن الأجر في العمل على قدر المشقة. فالمشقة المذكورة هنا هي التي يستلزمها العمل دون أن تكون مقصودة للشارع ولا للعامل، وبهذا تتفق النصوص على أنه ليس للعامل أن يسعى في جلب المشقة لنفسه في العمل، فإن حصلت من غير اختيار أُجر عليها.
١٤ - تفاضل الأعمال باعتبار فضل العامل ومنزلته عند الله، وأن العمل يشرف بشرف العامل وعلو قدره في الدين على ما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة.
١٥ - استنباط بعض أهل العلم للعلة في تفضيل العمل باعتبار العامل، وأن مرجع ذلك إما لما عليه العامل من عملٍ باطن يغلب به غيره. وإما لما يكون عليه العامل من فقهٍ في الدين مؤثر في كمال عبادته من حيث الإتقان وقوة الإخلاص فيها.
١٦ - تفاضل الأعمال باعتبار الأوقات والأزمان على ما دلت على ذلك
[ ١٩٧ ]
النصوص وتظافرت عليه أقوال أهل العلم.
١٧ - بيان انقسام الأوقات التي دلت النصوص على تفضيل العمل فيها إلى قسمين، قسم دلت النصوص على تفضيل الأعمال فيه مطلقًا، كالأشهر الحرم، ورمضان، والعشر الأواخر من رمضان، وعشر ذي الحجة. وقسم دلت النصوص على تفضيل بعض الأعمال فيه على وجه الخصوص، كالصيام في يوم عاشوراء، والأيام البيض، والاثنين والخميس، وكالقيام، والقراءة، والذكر في ثلث الليل الآخر، والذكر في طرفي النهار.
١٨ - تفاضل الأعمال باعتبار الأماكن والبقاع على ما دلت على ذلك النصوص الشرعية.
١٩ - انقسام الأماكن باعتبار تأثيرها في تفاضل الأعمال إلى قسمين:
أ/ بلدان دلت النصوص على شرفها وفضل سكناها وهي مكة والمدينة والشام.
ب/ أماكن دلت النصوص على فضلها وفضل العمل فيها ومضاعفته وهي عموم المساجد وهي على نوعين:
النوع الأول: ما جاءت النصوص بتفضيل إقامة الصلوات المكتوبة فيها على إقامتها في البيوت والأسواق في حق الرجال وهي عامة المساجد.
والنوع الثاني: ما جاءت النصوص بتفضيل إقامة الصلوات فيها، على إقامتها في غيرها من المساجد، وهي المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، ومسجد قباء.
٢٠ - تفاضل الأعمال باعتبار تعدِّيها للخلق على الأعمال القاصرة ودلالة النصوص وأقوال العلماء المحققين على ذلك.
٢١ - تفاضل الأعمال باعتبار اقترانها ببعض الأحوال المؤثرة في زيادة
[ ١٩٨ ]
أجرها، أو مضاعفته، على ما دلت على ذلك النصوص.
٢٢ - انقسام الأحوال المؤثرة في تفاضل الأعمال إلى قسمين:
أ/ عامة وهي متعلقة بعامة الناس في عصر من العصور، أو مصر من الأمصار، كحال فساد الناس وظهور الفتن، وأحوال غفلة الناس، والأحوال التي تشتد فيها حاجة المسلمين إلى بعض الأعمال الخاصة فتفضل بهذا الاعتبار.
ب/ خاصة وهي التي تتعلق ببعض الأفراد دون بعض، كالأحوال التي تَضْعُفُ فيها دواعي الاستقامة وتقوى أسباب المخالفة في حق العامل، وكحال قدرة العامل على عمل دون غيره، فيفضل المقدور عليه بهذا الاعتبار.
٢٣ - عظمة التشريع في هذا الدين حيث تنوعت فيه الأعمال الصالحة، وتعددت أسباب الفضل، لتتماشى مع فطر الناس وقدراتهم وأحوالهم، فيُسهم كل فردٍ من المسلمين بما يقدر عليه في بدنه، ويكون أنفع له في دينه، فسبحان الحكيم العليم ما أعظم إحسانه لخلقه ولطفه بهم.
وبه ختام هذا البحث فلله الحمد على ما يسّر من جمع مادته وصياغته، واستنباط أحكامه ومسائله. حتى جاء بهذه الصورة، فما كان فيه من إصابة وهدى فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ وزلل فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان. فاللهم تقبله مني واجبر تقصيري فيه، واجعله خالصًا لوجهك الكريم مقربًا لمرضاتك. ثم الدعاء موصول لكل من وقف من طلاب العلم فيه على خطأ فنبهني له، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
[ ١٩٩ ]