دلت النصوص على تفاضل الأعمال باعتبار جنسها، وتفضيل أجناس بعض الأعمال على بعض.
فقد ثبت في السنة أن النبي ﷺ سئل عن أفضل العمل في أكثر من مناسبة فتنوعت إجابته.
ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة على ميقاتها». قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين». قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». فسكت عن رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني. (^١)
وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور». (^٢)
وعن أبي ذر ﵁ قال: سألت النبي ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله، وجهاد في سبيله». قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها …». الحديث. (^٣)
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح (٦/ ٣) رقم: (٢٧٨٢)، وصحيح مسلم (١/ ٨٩) رقم: (٨٥).
(٢) صحيح البخاري مع الفتح (٣/ ٣٨١) رقم: (١٥١٩)، وصحيح مسلم (١/ ٨٨) رقم: (٨٣).
(٣) متفق عليه. صحيح البخاري مع الفتح (٥/ ١٤٨) رقم: (٢٥١٨)، وصحيح مسلم (١/ ٨٩) رقم: (٨٤).
[ ١٥ ]
وقد اختلفت أقوال أهل العلم في توجيه تنوع إجابة النبي ﷺ للسائلين، وتباينت أجوبتهم عن ذلك.
فأجاب بعضهم بأن المراد «بأفضل العمل»: «من أفضل العمل «؛ فتكون الأعمال المذكورة من أفضل الأعمال لا أن كل واحد منه يقصد به أنه أفضل العمل، وحينئذ ينتفي التعارض.
قال الإمام ابن خزيمة: «إن العرب قد تقول: إن أفضل العمل كذا، وإنما تريد: من أفضل. وخير العمل كذا، وإنما تريد: من خير العمل». (^١)
وقد نقل هذا القول الحليمي عن شيخه أبي بكر القفال، (^٢) وارتضاه، (^٣) ونقله عنهما النووي في شرحه لصحيح مسلم. (^٤)
وقد ضعف هذا القول الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي؛ قال بعد نقله: «وهذا في غاية البعد» (^٥)
قلت: وظواهر النصوص لا تعضد هذا القول؛ فإن السائلين كانوا يسألون عن أفضل العمل على الإطلاق، فيذكر النبي ﷺ عملا ثم يستفصل السائل قائلا: ثم ماذا؟ ثم أي؟ فيجيب النبي ﷺ. و«ثم» تفيد الترتيب في لغة العرب لا يفهم منها غير هذا. (^٦)
_________________
(١) صحيح ابن خزيمة (٤/ ١٧٤).
(٢) هو أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي القفال الكبير، المتوفى سنة خمس وستين وثلاث مائة بالشاش، وهو غير القفال الصغير المشهور في كتب الفقه. قال الذهبي نقلا عن النووي: إذا ذكر القفال الشاشي فالمراد هو، وإذا قيل القفال المروزي، فهو القفال الصغير. انظر سير إعلام النبلاء (١٦/ ٢٨٣، ٢٨٤).
(٣) المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ٤٦٩).
(٤) شرح صحيح مسلم (٢/ ٧٧، ٧٨).
(٥) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب (٤/ ٢١١).
(٦) انظر كتاب معاني الحروف لأبي الحسن علي بن عيسى الرمَّاني ص: (١٠٥).
[ ١٦ ]
وقد أجاب بعض العلماء بأن أجوبة النبي ﷺ اختلفت بحسب أحوال السائلين، وأنه كان يجيب كل سائل بالأفضل في حقه، وهذا القول هو المشهور عند أكثر العلماء.
وقد تتابع على نقله كثير من شراح الحديث.
وإليه ذهب القفال في أحد جوابيه مع القول الأول كما نقله الحليمي عنه. (^١) ونقله عنهما جميعا النووي كما تقدم. (^٢)
وذكره القاضي عياض ضمن أجوبة أهل العلم عن الأحاديث في شرحه لصحيح مسلم (^٣) وكذا أبو العباس القرطبي (^٤) في المفهم منتصرا له ومستدلا. (^٥)
كما نقله عن بعض أهل العلم ابن حجر في الفتح ولم يتعرض له بنقد. (^٦)
وقد ضعف هذا القول ابن رجب في شرحه لحديث عبد الله بن مسعود حيث قال: «هذا مما أشكل فهمه على كثير من الناس، وذكروا في توجيهه والجمع بين النصوص الواردة به وجوها غير مرضية». (^٧) ثم ذكره مع الجواب السابق، وذهب إلى توجيه آخر في الجمع بين النصوص على ما يأتي.
ويشكل على هذا القول أمران:
الأمر الأول: أن الأصل في جواب النبي ﷺ أنه محمول على العموم حيث
_________________
(١) انظر المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ٤٧١٤٧٢).
(٢) انظر شرح صحيح مسلم للنووي (٢/ ٧٧).
(٣) إكمال المعلم (١/ ٣٤٧).
(٤) هو أبو العباس أند بن عمر بن إبراهيم الأنصاري القرطبي المالكي نزيل الاسكندرية كان من كبار الأئمة ولد سنة ٥٧٨ هـ وسمع بالمغرب من جماعة وتوفي في ذي القعدة سنة ٦٥٦ هـ. شذرات الذهب لابن العماد (٥/ ٢٧٣ - ٢٧٤).
(٥) المفهم (١/ ٢٧٥٢٧٦).
(٦) فتح الباري لابن حجر (٢/ ٩).
(٧) فتح الباري لابن رجب (٤/ ٢١١).
[ ١٧ ]
لم يستفصل عند الإجابة عن أحوال السائلين، وهذا أمر مقرر في باب الأصول؛ أن عدم استفصال النبي ﷺ عند السؤال عن الحال يُنزّل منزلة العموم القولي؛ إذ لو كان الحكم يتنزل على التفصيل لاستفصل عن الحال للحاجة إليه.
قال الإمام الشافعي: «ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال، ينزله منزلة العموم في المقال». (^١)
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: «وقد تقرر في الأصول أن عدم الاستفصال من النبي ﷺ أي طلب التفصيل في أحوال الواقعة ينزل منزلة العموم القولي، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:
ونزلن ترك الاستفصال منزلة العموم من الأقوال» (^٢)
فتخصيص إجابة النبي ﷺ عن أفضل العمل بالسائلين، وأن الإجابة اختلفت باختلاف أحوالهم، تخصيص لعموم النص من غير دليل على التخصيص.
يقول الإمام الشافعي مقررا عدم جواز تخصيص النصوص إلا بدليل: «ولا يقال بخاص في كتاب الله ولا سنة إلا بدلالة فيهما، أو في واحد منهما. ولا يقال بخاص حتى تكون الآية تحتمل أن يكون أريد بها ذلك الخاص، فأما ما لم تكن محتملة، له فلا يقال فيها بما لم تحتمل الآية». (^٣)
الأمر الثاني: أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه أخبر ابتداء، من غير سؤال عن تفضيل بعض الأعمال، فتنوعت الأحاديث في ذلك على نحو ما جاء في إجابة السائلين، كما جاء في حديث ثوبان عن النبي ﷺ أنه قال: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن». (^٤)
_________________
(١) المحصول لمحمد بن عمر الرازي (٢/ ٦٣١)، والمسودة في أصول الفقه لآل تيمية ص: ٩٨
(٢) أضواء البيان (٥/ ١٠٠).
(٣) الرسالة للإمام الشافعي (ص: ٢٠٧).
(٤) أخرجه ابن ماجه (١/ ١٠١) ح: (٢٧٧)، والدارمي (١/ ١٧٥) ح: (٦٥٦)، وأحمد (٥/ ٢٧٧، ٢٨٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٦٧٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٢١) ح: (٤٤٩). وقد صححه الألباني، ونقل تصحيحه عن جمع من أهل العلم. انظر إرواء الغليل (١/ ١٣٥) ح: (٤١٢)، وحاشية مشكاة المصابيح (١/ ٩٦).
[ ١٨ ]
وفي حديث أبي الدرداء أيضا عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة، والصلاة»؟ قال: قلنا: بلى. قال: «إصلاح ذات البين؛ وفساد ذات البين هي الحالقة». (^١)
وعن أبي الدرداء أيضا عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم؛ فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم». قالوا: بلى. قال: «ذكر الله». (^٢)
فهذا لا يستقيم مع قول من حمل تنوع إجابة النبي ﷺ عن أفضل العمل، أنها تتنزل على أحوال السائلين، إذ النصوص ليست محصورة في إجابة السائلين، كما هو ظاهر هنا.
ومن الأجوبة التي ذكرها أهل العلم في الجمع بين الأحاديث: أن الأجوبة اختلفت باختلاف الأوقات، بأن يكون العمل في ذلك الوقت، أفضل منه في غيره، وحملوا على هذا تقديم الجهاد على الحج في حديث أبي هريرة. قالوا: كان هذا في أول الإسلام لعظم الحاجة إلى الجهاد في إظهار الدين. أو أنه محمول على الجهاد الواجب، وقت النفير إليه. (^٣)
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥/ ٢١٨) ح: (٤٩١٩)، والترمذي (٤/ ٦٦٣) ح: (٢٥٠٩) وقال: «هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه «، وأحمد (٤٥/ ٥٠٠) ح (٢٧٥٠٨).
(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٥٩) ح: (٣٣٧٧)، وابن ماجه (٢/ ١٢٤٥) ح: (٣٧٩٠)، والحاكم (١/ ٦٧٣) ح: (١٨٢٥)، وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني. انظر حاشية مشكاة المصابيح (٢/ ٧٠٢)، وصحيح الكلم الطيب (ص: ٢٤).
(٣) انظر إكمال المعلم للقاضي عياض (١/ ٣٤٧)، وشرح صحيح مسلم للنووي (٢/ ٧٨)، وفتح الباري لابن حجر (٢/ ٩).
[ ١٩ ]
ومن أوسع ما وقفت عليه من التحقيقات لهذه المسألة وأدقها، ما ذكره الإمام الحافظ ابن رجب ﵀ في شرحه لحديث ابن مسعود ﵁ في فتح الباري، وملخص ما ذكره في الجمع بين النصوص: أن إجابة النبي ﷺ في حديث أبي هريرة بأن أفضل العمل الإيمان بالله ورسوله، هذا وجه ظاهر لا إشكال فيه؛ فإن أفضل العمل ما افترضه الله على عباده، والإيمان بالله ورسوله أفضل الأعمال مطلقا. وأما إجابته ﵊ في حديث ابن مسعود بأن أفضل العمل الصلاة على وقتها؛ فلأن الصلاة أفضل أعمال الجوارح، فتارة يذكر النبي ﷺ الإيمان بالله ورسوله؛ لأنه أفضل أعمال القلوب، وتارة يذكر الصلاة؛ لأنها أفضل أعمال الجوارح.
وحيث أجاب بأحدهما فمقصوده التمثيل بأفضل مباني الإسلام، ومراده في كلا الجوابين سائر المباني، فكأنه قال: الشهادتان وتوابعهما، والصلاة وتوابعها، وهو بقية المباني الخمس. ثم ذكره ﵀ أن ذكر النبي ﷺ للجهاد بعد الإيمان في حديث أبي هريرة، وعطفه على الإيمان في حديث أبي ذر يحتمل معنيين:
أحدهما: أن ذلك حيث كان الجهاد فرض عين، فكان أفضل الأعمال بعد الإيمان، فلما نزلت الرخصة، وصار الجهاد فرض كفاية تأخر عن فرض الأعيان.
الثاني: وهو أشبه، أن التعبير بالإيمان بالله ورسوله، يندرج تحته بقية أركان الإسلام، على ما سبق تقريره فيكون الجهاد متأخرا عنها في الفضل.
وأجاب عن تقديم الجهاد على الحج في حديث أبي هريرة بأن ذلك يحتمل أربعة وجوه:
الأول: كان ذلك في زمان كان الجهاد فيه فرض عين، فكان مقدما على الحج.
الثاني: أنه قد فُهم دخول الحج في ذكر الإيمان بالله ورسوله؛ لأن ذلك يتبعه
[ ٢٠ ]
بقية مباني الإسلام ومنها الحج، ويكون المراد بالجهاد التطوع وهو أشبه بقواعد الشريعة.
الثالث: أن ذلك عندما كان الحج تطوعا؛ فإن الصحيح أن فرضه تأخر إلى عام الوفود. (^١)
الرابع: قد يقال: دل حديث أبي هريرة على أن جنس الجهاد أشرف من جنس الحج؛ فإن عرض للحج وصف يمتاز به على الجهاد وهو كونه فرض عين كان ذلك الحج المخصوص أفضل من الجهاد، وإلا فالجهاد أفضل منه.
وأما تقديم الذكر في النصوص على سائر الأعمال فقال في توجيهه: إن المراد بذلك الذكر الكثير المستدام في أغلب الأوقات، وليس الذكر مما يقطع من الأعمال، فمن عمل عملا صالحا، وكان أكثر ذكرا فيه من غيره، فهو أفضل من عمل مثل ذلك العمل من غير أن يذكر الله فيه.
فتكون النصوص محمولة على من أدى الفرائض مع ذكر الله فهو أفضل ممن أداها بغير ذكر. (^٢)
ثم خلص ﵀ من هذا التحقيق إلى أن قال: «فتبين بهذا التقرير أن الأحاديث كلها دالة على أن أفضل الأعمال: الشهادتان مع توابعهما: وهي بقية مباني الإسلام، أو الصلاة مع توابعها أيضا من فرائض الأعيان التي هي من حقوق الله ﷿، ثم يلي ذلك في الفضل حقوق العباد التي هي فروض الأعيان كبر الوالدين، ثم بعد ذلك [أعمال] (^٣) التطوع المقربة إلى الله، وأفضلها الجهاد». (^٤)
_________________
(١) عام الوفود هو عام تسعة من الهجرة. وسمي بذلك لقدوم وفود العرب على النبي ﷺ معلنين دخولهم في الإسلام. انظر البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ٢٣٢).
(٢) انظر فتح الباري لابن رجب (٤/ ٢١١٢١٩).
(٣) ليست في المصدر والسياق يقتضيها، فلعلها سقطت والله أعلم.
(٤) فتح الباري لابن رجب (٤/ ٢١٧).
[ ٢١ ]
وهذا التوجيه مع التوجيه السابق له من أقوى ما ذكر في الجمع بين النصوص، ويمكن أن يستخلص منهما أن هناك ثلاثة طرق للجمع بين النصوص لا يكاد يستشكل شيء بعدها في هذا الباب.
الطريق الأول: حمل الألفاظ المجملة على ما يفسرها من النصوص الأخرى بما يتناسب مع أصول الشرع وقواعد الدين، كإجابة النبي ﷺ وقد سئل عن أفضل العمل في حديث أبي هريرة بقوله: «إيمان بالله ورسوله». وفي حديث ابن مسعود بقوله: «الصلاة على وقتها» فيحمل هذا على إرادة أركان الإسلام كلها على سبيل الإشارة إليها بذكر أعظمها على ما جرت بذلك طريقة النصوص كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين﴾ (^١) وقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (^٢) فالمقصود هنا هو التزام الكفار بسائر شعائر الدين، والتعبير بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة هو إشارة لما عداهما من باقي المباني والشعائر كما فهم ذلك السلف، قال ابن كثير في تفسير الآية الثانية: «ولهذا اعتمد الصديق ﵁ في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها، حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال، وهو الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها». (^٣)
وكذلك قول النبي ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله؛ فمن قالها فقد عصم مني ماله، ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله». (^٤)
فقد فهم أبو بكر الصديق دخول الزكاة في حصول العصمة المذكورة في
_________________
(١) التوبة: (١١).
(٢) التوبة: (٥).
(٣) تفسير ابن كثير (٤/ ١١١).
(٤) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة الصحيح مع الفتح (٣/ ٢٦٢) ح: (١٣٩٩)، ومسلم (١/ ٥) ح: (٢٠).
[ ٢٢ ]
الحديث مع أنها لم تذكر صراحة، لكنها كانت داخلة تحت ذكر الشهادة، والأمثلة على هذا كثيرة من النصوص.
الطريق الثاني: أن تفضيل بعض الأعمال في النصوص لا يرجع إلى فضل جنسها مجردا، وإنما لما يصاحبها من الأحوال الخاصة وحينئذ فلا يعارض بهذه النصوص ما جاء في النصوص الأخرى من تفضيل بعض الأعمال باعتبار جنسها، بل تحمل هذه على التفضيل باعتبار، وتلك على التفضيل باعتبار آخر؛ فإن التفاضل بين الأعمال يحصل باعتبارات كثيرة على ما سيأتي تفصيله في أثناء هذا البحث، وبهذا يمكن الجمع بين النصوص.
ومن الأمثلة لهذا الوجه تفضيل الذكر في حديث أبي الدرداء على سائر الأعمال، فقد ذكر ابن رجب على ما تقدم أن الذكر المفضل هنا هو الذكر الكثير المستدام، وهذا التفضيل هنا ليس باعتبار الجنس، بل باعتبار ما صاحب العمل من المداومة والكثرة وسيأتي مزيد تفصيل لهذا قريبا في فصل مستقل إن شاء الله. (^١)
الطريق الثالث: أن تفضيل بعض الأعمال في النصوص كان يتنزل على بعض الأوقات دون بعض ويرجع هذا إلى سببين:
السبب الأول: أن بعض النصوص كانت قبل أن يستقر التشريع على ما هو عليه. ومن أمثلة هذا: تقديم الجهاد على الحج في حديث أبي هريرة على ما ذكره ابن رجب ضمن الأوجه المحتملة لتوجيه الحديث وأن ذلك حيث كان الجهاد فرض عين، والحج تطوعا، قال: فإن الصحيح أن فرض الجهاد تأخر إلى عام الوفود. (^٢)
وبهذا وُجِّه أيضا ذكر الجهاد مقترنا بالإيمان في حديث أبي ذر، وأن ذلك قبل
_________________
(١) انظر الفصل الخامس ص: ١٠١ وما بعدها.
(٢) تقدم نقله ص: (٢٢).
[ ٢٣ ]
اكتمال دعائم الإسلام، وتعين الجهاد، على ما أشار إلى هذا القاضي عياض، وابن حجر رحمهما الله. (^١)
السبب الثاني: أن تفضيل بعض الأعمال كان بحسب حاجة المسلمين، وما تقتضيه المصلحة في ذلك الوقت الذي تكلم فيه النبي ﷺ بالحديث.
وقد نص على هذا بعض العلماء في توجيه تقديم الجهاد على الحج في حديث أبي ذر، وأنه محمول على أول الإسلام، ومحاربة أعائه، والجد في إظاهره. (^٢)
فبهذا يمكن الجمع بين النصوص؛ فإن ما يظن بينها من التعارض يتنزل على أحد هذه الأوجه الثلاثة؛ فإنها ثمرة أقوال أهل العلم، وزبدة كلام المحققين في هذا الباب، ويكون توجيه النصوص بها بحسب ترتيبها في الذكر، فإن أمكن الجمع عن طريق الوجه الأول فهو الأولى، ولا يعدل عنه لغيره، فإن لم يكن فالوجه الثاني، فإن تعذر الجمع ينتقل إلى الوجه الثالث، وهذا التدرج في الجمع بين النصوص، هو الذي تقتضيه أصول الشرع وقواعد الدين، والله أعلم.
والمقصود في هذا المقام معرفة أفضل الأعمال باعتبار جنسها على ضوء مدلولات النصوص وفهم العلماء لها.
والذي يظهر بعد هذا العرض المفصل للنصوص وتوجيهها في هذا الباب أن أفضل الأعمال الواجبات، وأفضلها أركان الإسلام الخمسة؛ فإن النصوص دلت دلالة ظاهرة أن أفضل العمل الإيمان بالله ورسوله، والصلاة على وقتها، فدخلت بقية أركان الإسلام تحت ما ذُكر على ما تقدم تقريره في الطريق الأول من طرق الجمع بين النصوص.
كما يفهم من النصوص تفضيل الإيمان بالله ورسوله الذي هو مقتضى
_________________
(١) انظر إكمال المعلم (١/ ٣٤٧)، وفتح الباري لابن حجر (٥/ ١٤٩).
(٢) انظر إكمال المعلم (١/ ٣٤٧)، والمفهم لأبي العباس القرطبي (١/ ٢٧٦)، وشرح صحيح مسلم للنووي (٢/ ٧٨).
[ ٢٤ ]
الشهادتين، والصلاة، على بقية الأركان؛ للتصريح بذكرهما في النصوص، والتعبير بهما عن غيرهما من بقية المباني.
والشهادتان وتحقيقهما تلفظا واعتقادا وامتثالا للعمل بمقتضاهما، أفضل الأعمال على الإطلاق، فبهما يدخل الرجل في الإسلام، وهي الأصل العظيم الذي يندرج تحته بقية الأركان، وسائر خصال الدين، وقد أجمع العلماء على تكفير من ترك التلفظ بالشهادتين وإن اعتقدهما بقلبه، واختلفوا في التكفير بترك شيء من الأركان بعدها مع اعتقاد وجوبها اختلافا كبيرا مشهورا. (^١)
فأفضل الأعمال على هذا الشهادتان، ثم الصلاة، ثم الزكاة؛ إذ هي قرينة الصلاة في كتاب الله وفي عامة النصوص، ثم بقية الأركان، ثم سائر الواجبات، وأفضلها بر الوالدين على ما هو ظاهر حديث أبي هريرة فقد ذكر بر الوالدين بعد الصلاة، فدل على أنه آكد الواجبات بعد أركان الإسلام.
ثم يأتي بعد الواجبات نوافل العبادات، وأفضلها طلب العلم النفل، والجهاد، والذكر، فهذه الأعمال الثلاثة أفضل الأعمال بعد الفرائض، وقد جاء في كل واحد منها من النصوص، وكلام أهل العلم ما ظاهره أنه أفضل الأعمال بعد الواجبات.
فمما جاء في تفضيل العلم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾. (^٢)
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: ذُكِر لرسول الله ﷺ رجلان: أحدهما عابد، والآخر عالم، فقال رسول الله ﷺ: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم». (^٣)
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ٦١٠٦١١)، وجامع العلوم والحكم لابن رجب (١/ ٥٤).
(٢) الزمر: (٩).
(٣) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٠) ح: (٢٦٨٥). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٢١٣).
[ ٢٥ ]
وفي حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب …» الحديث. (^١)
وأما ما جاء عن السلف في تفضيل العلم على العبادة، وعلى سائر أعمال البر بعد الواجبات، فعن أبي هريرة، وأبي ذر ﵄ قالا: «باب من العلم تتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوع». (^٢)
وعن ابن عباس ﵄ قال: «تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها». (^٣)
وعن مطرف بن الشخير ﵀ قال: «فضل العلم خير من فضل العمل وخير دينكم الورع». (^٤)
وعن الحسن البصري ﵀ قال: «العالم خير من الزاهد في الدنيا المجتهد في العبادة». (^٥)
وعن سفيان الثوري ﵀ قال: «ما من عمل أفضل من طلب العلم إذا صحت النية». (^٦)
وعن قتادة ﵀ قال: «باب من العلم يحفظه الرجل لصلاح نفسه، وصلاح من بعده أفضل من عبادة حول». (^٧)
وعن الزهري ﵀ قال: «ما عبد الله بمثل الفقه». (^٨)
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ١٩٦)، وأبو داود (٤/ ٥٨) ح: (٣٦٤١)، وابن ماجه (١/ ٨١) ح: (٢٢٣)، والدارمي (١/ ١١٠) ح: (٣٤٢). قال ابن حجر: «له شواهد يتقوى بها «. فتح الباري (١/ ١٦٠)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١/ ١٠٥).
(٢) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٢١).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٢٥٣) ح: (٢٠٤٦٩).
(٤) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/ ١٤٢)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١١٣).
(٥) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٢٠).
(٦) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٢٤).
(٧) المصدر نفسه (١/ ١١١).
(٨) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٢٥٦) ح: (٢٠٤٧٩).
[ ٢٦ ]
وعن وكيع بن الجراح قال: «ما عبد الله بشيء أفضل من الحديث». (^١)
وعنه قال: «لولا الحديث أفضل عندي من التسبيح ما حدثت». (^٢)
وعن الإمام الشافعي أنه قال: «طلب العلم أفضل من الصلاة النافلة». (^٣)
وعن بشر بن الحارث قال: «لا أعلم على وجه الأرض عملا أفضل من طلب العلم والحديث لمن اتقى الله وحسنت نيته». (^٤)
والآثار في هذا المعنى كثيرة جدا عن السلف، وإنما هذا طرف منها. (^٥)
ومما جاء في تفضيل الجهاد من النصوص على غيره من الأعمال:
حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد. قال: «لا أجده» قال: «تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟» قال: ومن يستطيع ذلك؟ (^٦)
ومن أقوال السلف في هذا المعنى:
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «لسفرة في سبيل الله أفضل من خمسين حجة». (^٧)
_________________
(١) رواه الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث (ص: ١٥٠).
(٢) المصدر نفسه (ص: ١٥١).
(٣) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٩/ ١١٩)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٢٣).
(٤) رواه الخطيب في شرف أصحاب الحديث (ص: ١٥٠).
(٥) انظر جامع بيان العلم وفضله (١/ ٩٩١٣١)، وشرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي (ص: ١٤٨١٥٧)، وشرح السنة للبغوي (١/ ٢٢٥٢٢٦)، وورثة الأنبياء لابن رجب (ص: ٩٦١٠٣).
(٦) أخرجه البخاري واللفظ له، صحيح البخاري مع الفتح (٦/ ٤) ح: (٢٧٨٥)، ومسلم (٣/ ١٤٩٨) ح: (١٨٧٨).
(٧) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥/ ٢٦٠).
[ ٢٧ ]
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: «لأن أغزو في البحر غزوة أحب إلي من أن أنفق قنطارا متقبلا في سبيل الله». (^١)
وعن النعمان بن بشير ﵄ قال: «مثل الغازي مثل الذي يصوم الدهر، ويقوم الليل». (^٢)
وعن يعلى بن أمية ﵁ قال: «غزوت مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك فحملت على بكر فهو أوثق أعمالي في نفسي». (^٣)
وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي سئل عن أعمال البر فقال: «ما من عمل أفضل من الغزو بعد حجة الإسلام، ثم الرباط في الموضع المخوف». (^٤)
ومما ورد في تفضيل الذكر من النصوص:
حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: ذكر الله». (^٥)
ومما جاء عن السلف في هذا:
عن أبي الدرداء ﵁ أنه ذكر له أن أبا سعد بن منبه جعل في ماله مائة محرَّر (^٦)
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٢١٩)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢/ ٦٥٩).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥/ ٢٥٦).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه. الصحيح مع الفتح (٦/ ١٢٥).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (٢/ ٨١٩)، وانظر المغني لابن قدامة (١٣/ ١٠).
(٥) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٥٩) ح: (٣٣٧٧)، وابن ماجه (٢/ ١٢٤٥) ح: (٣٧٩٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ٦٧٣) ح: (١٨٢٥) وصححه، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في حاشية مشكاة المصابيح (٢/ ٧٠٢)، وصحيح الكلم الطيب (ص: ٢٤).
(٦) المحرَّر: الذي جعل من العبيد حرا فأعتق. النهاية لابن الأثير (١/ ٦٢).
[ ٢٨ ]
قال: «أما إن مائة محرر في مال رجل لكثير. ألا أخبركم بأفضل من ذلك؟ إيمان ملزوم بالليل والنهار، ولا يزال لسانك رطبا من ذكر الله».
وعن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال: «لو أن رجلين أحدهما يحمل على الجياد في سبيل الله، والآخر يذكر الله لكان هذا أعظم، أو أفضل أجرا يعني الذاكر».
وعنه ﵁ أنه قال: «لأن أذكر من غدوة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أحمل على الجياد في سبيل الله من غدوة حتى تطلع الشمس».
وعن سلمان ﵁ قال: «لو بات رجل يعطي القيان (^١) البيض، وبات آخر يقرأ القرآن ويذكر الله رأيت أن ذاكر الله أفضل».
وعن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: «لو أن رجلين أحدهما في حجرة دنانير يعطيها والآخر يذكر الله كان ذاكر الله أفضل».
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: «لأن أكون في قوم يذكرون الله من حين يصلون الغداة إلى أن تطلع الشمس، أحب إليّ من أن أكون على متون الخيل أجاهد في سبيل الله إلى أن تطلع الشمس، ولأن أكون في قوم يذكرون الله من حين يصلون العصر حتى تقرب الشمس، أحب إليّ من أن أكون على متون الخيل أجاهد في سبيل الله حتى تغرب الشمس».
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «لو أن رجلين أقبل أحدهما من المشرق، والآخر من المغرب مع أحدهما ذهب لا يضع منه شيئا إلا في حق، والآخر يذكر الله حتى يلتقيا في طريق، لكان الذي يذكر الله أفضلهما». (^٢)
والآثار في هذا كثيرة عن السلف من الصحابة والتابعين، قال ابن رجب:
_________________
(١) القيان: هو العبيد والإماء. انظر النهاية لابن الأثير (٤/ ١٣٥).
(٢) أخرج هذه الآثار عن الصحابة في فضل الذكر ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٧٩١٨١).
[ ٢٩ ]
«وكذلك قال سلمان الفارسي وغيره من الصحابة والتابعين: إن الذكر أفضل من الصدقة بعدده من المال». (^١)
فتبين بهذه النقول أن أفضل الأعمال بعد أداء الفرائض هي هذه الأعمال الثلاثة: العلم، والجهاد، والذكر. كما دلت على ذلك النصوص وأقوال أهل العلم.
وأما المفاضلة بين هذه الأعمال فمحل نزاع بين أهل العلم المتقدمين، بحسب فهمهم للنصوص الواردة في ذلك، على ما تقدم نقل أقوالهم مفصلة.
والذي عليه الأكثر منهم هو تقديم العلم، ثم الجهاد، ثم الذكر، وإلى هذا ذهب المحققون من أهل العلم بعدهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «أما تعليم القرآن والعلم بغير أجرة فهو أفضل الأعمال، وأحبها إلى الله، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام ليس هذا يخفى على أحد ممن نشأ بديار الإسلام». (^٢)
وقال ﵀ في شرحه لقول عمر ﵁: «لو لا ثلاث لأحببت أن أكون قد لحقت بالله، لو لا أن أسير في سبيل الله، أو أضع جبهتي في التراب ساجدا، أو أجالس قوما يلتقطون طيب الكلام كما يُلْتَقط طيب الثمر»: «وكلام عمر ﵁ من أجمع الكلام وأكمله؛ فإنه ملهم محدث … فإنه ذكر الصلاة، والجهاد، والعلم، وهذه الثلاثة هي أفضل الأعمال بإجماع الأمة». (^٣)
فظاهر من كلام شيخ الإسلام تفضيل العلم كما في النقل الأول عنه، وذكر هنا انعقاد الإجماع على الصلاة، والجهاد، والعلم فدل ذلك على أن الجهاد أفضل
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٦٦).
(٢) مجموع الفتاوى (٣٠/ ٢٠٤).
(٣) منهاج السنة (٦/ ٧٥).
[ ٣٠ ]
النوافل بعد العلم، وأما الصلاة فهي أفضل من الجميع؛ لأنها واجبة، ولم يشر شيخ الإسلام هنا للذكر فدل على أنه يلي العلم والجهاد في المرتبة.
وقال الحافظ ابن رجب مقررا تفضيل العلم على الجهاد والذكر وعلى سائر النوافل: «ومما يدل على تفضيل العلم على جميع النوافل، أن العلم يجمع جميع فضائل الأعمال المتفرقة؛ فإن العلم أفضل أنواع الذكر كما سبق تقريره وهو أيضا أفضل أنواع الجهاد». (^١)
والحاصل من كل هذا هو تفضيل العلم، ثم الجهاد، ثم الذكر في عامة أقوال أهل العلم والتحقيق.
وقد أجاب بعض أهل العلم عن حديث أبي الدرداء في تفضيل الذكر على سائر الأعمال وغيره من النصوص في هذا المعنى.
فقال ابن رجب: «النصوص التي جاءت بتفضيل الذكر على الجهاد وغيره من الأعمال، وأن الذاكرين لله هم أفضل الناس عند الله، فالمراد بذلك أهل الذكر الكثير، المستدام في أغلب الأوقات، وليس الذكر مما يقطع عن غيره من الأعمال كبقية الأعمال، بل يمكن اجتماع الذكر مع سائر الأعمال فمن عمل عملا صالحا، وكان أكثر لله ذكرًا فيه من غيره، فهو أفضل ممن عمل مثل ذلك العمل من غير أن يذكر الله معه». (^٢)
وقال ابن حجر: «إن المراد بذكر الله في حديث أبي الدرداء الذكر الكامل، وهو ما يجتمع فيه ذكر اللسان، والقلب بالتفكر والمعنى واستحضار عظمة الله تعالى، وأن الذي يحصل له ذلك يكون أفضل ممن يقاتل الكفار مثلا من غير استحضار لذلك، وأن أفضلية الجهاد إنما هي بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد، فمن اتفق له أنه جمع ذلك، كمن يذكر الله بلسانه، وقلبه، واستحضاره، وكل
_________________
(١) ورثة الأنبياء (ص: ١٠٣).
(٢) فتح الباري لابن رجب (٤/ ٢١٨).
[ ٣١ ]
ذلك حال صلاته، أو في صيامه، أو تصدقه، أو قتاله الكفار مثلا، فهو الذي بلغ الغاية القصوى، والعلم عند الله تعالى». (^١)
وبهذا يتبين أن الذكر المفضل على سائر الأعمال في حديث أبي الدرداء، وما جاء في معناه من النصوص، هو ما كان مصاحبا للاستدامة، ومقارنة الأعمال الصالحة الأخرى، وتفضيل الذكر بهذا الاعتبار لا يقتضي تفضيل جنسه على جنس الجهاد، والعلم، وغيرهما من الأعمال؛ إذ المداومة على العمل أو اقترانه بالأعمال الصالحة من الأحوال المؤثرة في تفضيل العمل عند مصاحبتها له فيفضل بها ويشرف على غيره من الأعمال التي خلت منها وإن كان هذا العمل مفضولا باعتبار جنسه.
وهذا مما يدل على عدم معارضة حديث أبي الدرداء، وما في معناه من النصوص، للنصوص الأخرى في تفضيل العلم، والجهاد باعتبار جنس العمل، فتفضيل الذكر في حديث أبي الدرداء باعتبار، وهو ما يصحب العمل من الأحوال المؤثرة، والتفضيل للعلم، والجهاد، باعتبار آخر وهو التفضيل باعتبار الجنس.
وكذلك ما قيل في الذكر هنا مقارنا بالعلم والجهاد، يقال في الجهاد مقارنا بالعلم وأن ما جاء من النصوص مما ظاهره تفضيل الجهاد على العلم محمول على ذلك.
كحديث أبي هريرة السابق في تفضيل الجهاد أن رجلا سأل النبي ﷺ أن يدله على عمل يعدل الجهاد فقال النبي ﷺ: «لا أجده». (^٢) فإن هذا محمول على الجهاد الدائم غير المنقطع. يدل على هذا قوله ﷺ بعد ذلك: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك … إلى آخر الحديث. فدل هذا على أن الجهاد الذي لا يعدله عمل وهو الجهاد الدائم الذي لا يرجع صاحبه من الغزو،
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر (١١/ ٢١٠).
(٢) تقدم تخريجه ص: ٣١
[ ٣٢ ]
أما إذا انتهى الجهاد وانقطعت المداومة فلا يفهم من الحديث تفضيل جنس الجهاد على غيره من الأعمال، ومن ذلك العلم الذي تقدم تفضيل جنسه على جنس الجهاد.
والمقصود هنا أن مقتضى النصوص والله أعلم، وكلام أهل العلم هو تقديم جنس العلم، ثم الجهاد، ثم الذكر، وما جاء من النصوص مما ظاهره خلاف هذا فمحمول على التفضيل باعتبارات أخرى. وموضوع البحث هنا هو التفاضل بين الأعمال باعتبار جنسها، لا ما يحصل به التفاضل بين الأعمال من اعتبارات أخرى هي خارجة عن جنس العمل مما سيأتي تفصيله في ثنايا هذا البحث إن شاء الله تعالى.
[ ٣٣ ]