الإخلاص لله تعالى في العمل هو الركن الأساس لكل عمل صالح، وهو الأصل الذي يبنى عليه صحة العمل وقبوله عند الله تعالى، كما أن المتابعة في العمل هي الركن الثاني لكل عمل صالح مقبول عند الله.
وقد دل على هذين الأصلين قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. (^١)
قال الإمام ابن كثير في تفسير الآية: «﴿فمن كان يرجو لقاء ربه﴾ أي ثوابه وجزاءه الصالح، ﴿فليعمل عملًا صالحًا﴾ أي ما كان موافقا للشرع. ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له. وهذان ركنا العمل المتقبل، لابد أن يكون خالصا، صوابا على شريعة رسول الله ﷺ». (^٢)
والنصوص في تقرير هذه المسألة وأقوال أهل العلم كثيرة جدًا، وهي مبسوطة في مواضعها من كتب الاعتقاد والسنة والآداب، ومقصد البحث هنا هو بيان أثر قوة الإخلاص في تفاضل الأعمال عند الله تعالى وإنما عبرت (بقوة الإخلاص)، ولم أقل (الإخلاص)، لأن الإخلاص، هو ركن العمل، الذي لا يقبل إلا به، فالحديث عن الإخلاص من عدمه هو من باب الحديث عن قبول العمل ورده، وحديثنا هنا هو من باب التفاضل بين الأعمال بحسب قوة الإخلاص فيها، ففي هذا الباب قد تحقق ركن الإخلاص في كل الأعمال المفاضل بينها، وإن كان متفاوتا قوة وضعفا.
_________________
(١) سورة الكهف: من الآية ١١٠.
(٢) تفسير ابن كثير (٥/ ٢٠٥).
[ ٤٩ ]
وقد دلت النصوص الشرعية وكلام أهل العلم على تفاضل الأعمال بهذا الاعتبار.
قال الله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. (^١)
قال الفضيل بن عياض ﵀ في تفسير أحسن العمل: «أخلصه وأصوبه؛ فإنه إذا كان العمل خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا. والخالص: إذا كان لله، والصواب: إذا كان على السنة». (^٢)
فقوله ﵀ «أخلصه»: صيغة تفضيل، تدل على التفاضل في الإخلاص، وفي تفسير أحسن العمل بالأخلص والأصوب، دليل على تفاضل الأعمال، باعتبار قوة الإخلاص والمتابعة فيها.
ومما استدل به لمضاعفة الحسنات بحسب الإخلاص وقوته قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. (^٣)
فقد ذكر بعض المفسرين أن المضاعفة المذكورة هنا بحسب قوة الإخلاص في العمل:
قال ابن كثير ﵀: «﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي بحسب إخلاصه في عمله». (^٤)
وقال السعدي ﵀: «وذلك بحسب ما يقوم بقلب المنفق من الإيمان، والإخلاص التام، وفي ثمرات نفقته ونفعها». (^٥)
_________________
(١) سورة الملك: من الآية ٢.
(٢) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٩٥)، وذكره البغوي في تفسيره (٤/ ٣٦٩).
(٣) سورة البقرة: ٢٦١
(٤) تفسير ابن كثير (١/ ٦٩٣).
(٥) تفسير السعدي (١/ ١٥٧).
[ ٥٠ ]
ويشهد لهذا ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة يعملها، تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها». (^١)
قال ابن رجب معلقا: «فالمضاعفة للحسنة بعشر أمثالها لابد منه؛ والزيادة على ذلك تكون بحسب إحسان الإسلام، وإخلاص النية، والحاجة إلى ذلك العمل وفضله». (^٢)
ومما يدل على تفاضل الأعمال بحسب قوة الإخلاص فيها، ما جاءت به النصوص من تفضيل أعمال السر على العلانية، وذلك لما يصحب الأعمال السرية من قوة الإخلاص، والبعد عن الرياء والسمعة، ومصانعة المخلوقين.
قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. (^٣)
قال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: «فيه دلالة على أن إسرار الصدقة، أفضل من إظهارها؛ لأنه أبعد عن الرياء إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة». (^٤)
وقال ابن القيم ﵀ مبينًا الفوائد من إخفاء الصدقة: «وأما إيتاؤها الفقراء، ففي إخفائها من الفوائد: الستر عليه، وعدم تخجيله بين الناس، وإقامتِه مقام الفضيحة، وأن يرى الناس أن هذه هي اليد السفلى، وأنه لا شيء له فيزهدون في معاملته ومعاوضته، وهذا قدر زائد عن الإحسان إليه بمجرد الصدقة، مع تضمنه الإخلاص، وعدم المراءاة، وطلب المحمدة من الناس». (^٥)
ومما جاء في فضل إخفاء الصدقة من السنة حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح (١/ ١٠٠) ح (٤٢)، وصحيح مسلم (١/ ١١٨) ح (١٢٩).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٢١٣).
(٣) سورة البقرة: من الآية ٢٧١.
(٤) تفسير ابن كثير (١/ ٧٠١).
(٥) طريق الهجرتين ص: (٣٧٦).
[ ٥١ ]
قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله» وذكر منهم: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». (^١)
قال أبو العباس القرطبي في شرحه: «هذه صدقة التطوع في قول ابن عباس، وأكثر العلماء، وهو حض على الإخلاص في الأعمال، والتستر بها، ويستوي في ذلك جميع أعمال البر التطوعية». (^٢)
وقال النووي ﵀: «وفي هذا الحديث فضل صدقة السر، قال العلماء: وهذا في صدقة التطوع؛ فالسر فيها أفضل؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء، وأما الزكاة الواجبة فإعلانها أفضل». (^٣)
فدلت النصوص على فضل إخفاء الصدقة، وذلك لما في إخفائها من قوة الإخلاص والبعد عن الرياء كما نص على ذلك العلماء، فتضمن ذلك تفاضل الأعمال بحسب شدة الإخلاص وقوته.
والترغيب في إخفاء الصدقة في النصوص محمول على صدقة التطوع، أما الزكاة فإظهارها أفضل، كما تقدم في كلام الإمامين القرطبي والنووي، وهو قول ابن عباس وعليه أكثر أهل العلم بل نقل الطبري وغيره الإجماع على ذلك. (^٤)
وقد ذهب بعض العلماء إلى طرد هذا الحكم في كل أعمال البر، وأن الأفضل في
_________________
(١) أخرجه البخاري. الصحيح مع الفتح (٢/ ١٤٣) ح (٦٦٠)، ومسلم (٢/ ٧١٥) ح (١٠٣١)، وفي رواية مسلم: «حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله»، وذكر القاضي عياض أنه وهم جاء من الناقلين عن مسلم، ونقله النووي على سبيل المقرر له. وقطع ابن حجر أن الوهم ليس من مسلم ولا ممن دونه بل من شيخه أو شيخ شيخه يحيى القطان. انظر إكمال المعلم (٣/ ٥٦٣)، وشرح النووي لصحيح مسلم (٧/ ١٢٢)، وفتح الباري (٢/ ١٤٦).
(٢) المفهم (٣/ ٧٦).
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم (٧/ ١٢٢).
(٤) انظر تفسير الطبري (٣/ ٩٣)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣١٥)، وفتح الباري لابن حجر (٣/ ٢٨٩).
[ ٥٢ ]
واجباتها الإظهار، وفي نوافلها الإسرار، كما قرر هذا كل من القاضي عياض والقرطبي والنووي (^١) رحمهم الله تعالى.
قلت: ويشهد لهذا فعل السلف؛ فإنهم كانوا يجتهدون في إخفاء أعمالهم ما أمكنهم ذلك، وذلك لما تقرر عندهما في إخفائها من كمال الإخلاص وعظم الأجر.
عن إبراهيم النخعي قال: «إن كانوا ليكرهون إذا اجتمعوا أن يخرج الرجل أحسن حديثه، أو أحسن ما عنده». (^٢)
وعن الحسن البصري أنه قال: «إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواما ما كان على ظهر الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في سر فيكون علانية أبدا ..». (^٣)
وعن الأعمش قال: «بكى حذيفة في صلاته فلما فرغ التفت، فإذا رجل خلفه فقال: لا تعلمن بهذا أحدا». (^٤)
وعن محمد بن واسع قال: «كان الرجل ليبكي عشرين سنة، ومعه امرأته لا تعلم به». (^٥)
وعن بسطام بن حريث (^٦) قال: «كان أيوب يرق، فيستدمع فيحب أن يخفي ذلك
_________________
(١) انظر إكمال المعلم (٣/ ٥٦٤)، والمفهم (٣/ ٧٦)، وشرح النووي على صحيح مسلم (٧/ ١٢٢).
(٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١/ ١٩٥) رقم (١٢٨).
(٣) المصدر نفسه (١/ ١٩٥) رقم (١٢٩).
(٤) أخرجه الحسن الضراب في ذم الرياء ص: (١٧٥) رقم (٩٢).
(٥) المصدر نفسه ص: (١٧٦) رقم (٩٤).
(٦) بسطام بن حريث الأصفر أبو يحيى البصري ثقة من السابعة. تقريب التهذيب ص: (١٢٢).
[ ٥٣ ]
على أصحابه فيمسك على أنفه، كأنه رجل مزكوم، فإذا خشي أن تغلب عبرته قام». (^١)
والآثار في هذا المعنى كثيرة جدا عن السلف.
ومما يدل على تفاضل الأعمال بالإخلاص والنية الصالحة، أن العامل إن نوى الخير ثم عجز عنه، أو عن إكماله، لموت أو عذر، كُتِب له أجر العامل، وهذا أصل عظيم من أصول الدين وقد دلت عليه كثير من النصوص.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. (^٢)
قال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: «أي ومن خرج من منزله بنية الهجرة، فمات في أثناء الطريق فقد حصل له عند الله ثواب من هاجر». (^٣)
وذكر الطبري أن هذه الآية نزلت في ضمرة بن العيص الخزاعي لما أُمروا بالهجرة كان مريضا، فأمر أهله أن يفرشوا له على سريره ويحملوه إلى رسول الله ﷺ، ففعلوا فأتاه الموت وهو بالتنعيم، فنزلت هذه الآية. (^٤)
وفي معنى هذه الآية ما أخرجه البخاري من حديث أنس أن النبي ﷺ قال في رجوعه من غزوة تبوك: «إن أقواما بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعبا، ولا واديا، إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر». (^٥)
قال ابن بطال: «هذا يدل أن من حبسه العذر من أعمال البر مع نيته فيها أنه
_________________
(١) أخرجه الضراب في ذم الرياء ص: (١٨٠) رقم (٩٩).
(٢) سورة النساء: من الآية ١٠٠.
(٣) تفسير ابن كثير (١/ ٣٩١).
(٤) انظر تفسير الطبري (٤/ ٢٤٠).
(٥) أخرجه البخاري. الصحيح مع الفتح (٦/ ٤٦) ح (٢٨٣٩)، وأخرجه مسلم (٣/ ١٥١٨) ح (١٩١١) من حديث جابر بن عبد الله ﵁ بلفظ: «إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض».
[ ٥٤ ]
يكتب له أجر العامل فيها». (^١)
وقال النووي: «وفي هذا الحديث فضيلة النية في الخير، وأن من نوى الغزو وغيره من الطاعات، فعرض له عذر منعه حصل له ثواب نيته، وأنه كلما أكثر التأسف على فوات ذلك وتمنى كونه مع الغزاة ونحوهم كثر ثوابه». (^٢)
قلت: ولا شك أن هؤلاء القاعدين بسبب العذر، ما بلغوا ما بلغوا من الأجر ومشاركة المجاهدين في جهادهم إلا لقوة الإخلاص، وعظم النية في قلوبهم، ومما يدل على هذا وصف الله تعالى لبعض هؤلاء عند تأخرهم عن الخروج مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك بسبب عدم النفقة بقوله: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾. (^٣)
فوصفهم بدمع العين، وحزن القلب على التخلف عن رسول الله، ﷺ وهذا لا يحصل إلا مع قوة الإخلاص، وصدق النية في الخروج للجهاد، وفيه دلالة ظاهرة على تفاضل الأعمال بحسب الإخلاص وصدق النية.
وبهذا العرض للنصوص المفسرة بكلام أهل العلم، يتم تقرير هذه المسألة وهو أثر قوة الإخلاص في تفضيل العمل عند الله وزيادة أجره. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٥/ ٤٨).
(٢) شرح صحيح مسلم (١٣/ ٥٧).
(٣) سورة التوبة: ٩٢.
[ ٥٥ ]