التفاضل بين الأوقات والأزمان من الأصول المقررة في الشرع وعلى ذلك تظافرت أقوال أهل العلم:
قال قتادة: «إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلًا ومن الناس رسلًا واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر» (^١).
وقال ابن عبد البر في شرح حديث: (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة): «وفي فضل يوم عرفة دليل أن للأيام بعضها فضلًا على بعض؛ إلا أن ذلك لا يدرك إلا بالتوقيف» (^٢).
وقال ابن القيم: «والله سبحانه لا يخصص شيئًا ولا يفضله ويرجحه إلا لمعنى يقتضي تخصيصه وتفضيله … ومن هذا تفضيله بعض الأيام والشهور على بعض …» (^٣).
وقال ابن رجب: «وجعل الله سبحانه لبعض الشهور فضلًا على بعض كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٤) كما جعل بعض الأيام والليالي أفضل من بعض، وجعل ليلة القدر خيرا من ألف شهر» (^٥).
_________________
(١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٤٩، ١٤٨.
(٢) التمهيد ٦/ ٤١.
(٣) زاد المعاد ١/ ٥٤.
(٤) سورة التوبة: ٣٦.
(٥) لطائف المعارف ص ٤٠.
[ ١١٥ ]
وقد دلت النصوص الشرعية على تفضيل بعض الأعمال باعتبار زمانها، وإن لم تكن من حيث الأصل أفضلَ من غيرها، وإنما اكتسبت الفضل من شرف الزمان الذي وقعت فيه.
ويمكن تقسيم الأزمان والأوقات التي دلت النصوص على تفضيل العمل فيها إلى قسمين رئيسين:
القسم الأول:
أزمان وأوقات دلت النصوص على تفضيل الأعمال فيها مطلقا. ويدخل تحت هذا القسم أنواع منها:
١ - الأشهر الحرم:
وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب. (^١)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. (^٢)
روى الطبري وغيره عن ابن عباس ﵄ وقد ذكر الآية إلى قوله: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: «لا تظلموا أنفسكم في كلهن، ثم خص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حرما وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم». (^٣)
وقال الطبري: «الله عظم حرمة هؤلاء الأشهر، وشرفهن على سائر شهور
_________________
(١) صح الحديث بذكرهن كما أخرجه البخاري في صحيحه. انظر صحيح البخاري مع الفتح (١٠/ ٧).
(٢) سورة التوبة: (٣٦).
(٣) تفسير الطبري (٦/ ٣٦٦)، وأخرجه البيهقي في فضائل الأوقات (ص: ٨٠٨١).
[ ١١٦ ]
السنة، فخص الذنب فيهن بالتعظيم، كما خصهن بالتشريف». (^١)
فظهر بهذا تفضيل الأعمال في هذه الأشهر لفضلها عند الله تعالى.
قال ابن رجب ﵀: «فأما التطوع المطلق فأفضله صيام الأشهر الحرم … وأفضل صيام الأشهر الحرم صيام شهر الله المحرم». (^٢)
وجاء في فضيلة صيام محرم على وجه الخصوص ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل». (^٣)
وقد اختلف العلماء في أي الأشهر الحرم أفضل.
فقال الحسن البصري وغيره: أفضلها شهر الله المحرم، قال ابن رجب: ورجحه طائفة من المتأخرين.
وقال سعيد بن جبير: أفضل الأشهر الحرم ذو القعدة، وذو الحجة.
وذهب بعض الشافعية أن أفضل الأشهر الحرم رجب.
قال ابن رجب: وهو قول مردود. (^٤)
٢ - شهر رمضان:
قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. (^٥)
قال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: «يمدح الله تعالى شهر الصيام من بين سائر
_________________
(١) تفسير الطبري (٦/ ٣٦٧).
(٢) لطائف المعارف (ص: ٧٨).
(٣) أخرجه مسلم (٢/ ٨٢١) ح: (١١٦٣).
(٤) انظر لطائف المعارف (ص: ٧٩).
(٥) سورة البقرة: (١٨٥).
[ ١١٧ ]
الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم فيه». (^١)
وقد أوجب الله صيام شهر رمضان، وهو ركن من أركان الإسلام، وهو أفضل ما تقرب إلى الله به في هذا الشهر إذ أن صيامه واجب وتأدية الواجبات مقدم على النوافل كما تقدم تقريره. (^٢)
وقد ورد الترغيب في قيامه؛ فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». (^٣)
كما ثبت في السنة الترغيب في سائر أعمال البر في هذا الشهر على ما أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفِّدَت الشياطين ومردة الجن، وغُلِّقَت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفُتِّحَت أبواب الجنة فلم يُغْلَق منها باب، وينادي منادي: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر اقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة». (^٤)
وهذا مما يدل على تفضيل كل أعمال البر في هذا الشهر، ويتأكد منها القيام بعد فرض الصيام كما ثبت من حديث أبي هريرة السابق في فضل قيام رمضان.
٣ - العشر الأواخر من رمضان:
ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله». هذا لفظ البخاري. (^٥)
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٥٠١).
(٢) انظر الفصل الثاني من هذا الكتاب.
(٣) أخرجه البخاري. الصحيح مع الفتح (٤/ ٢٥٠) ح: (٢٠٠٩)، ومسلم (١/ ٥٢٣) ح: (٧٥٩).
(٤) سنن الترمذي (٣/ ٥٧) ح: (٦٨٢). وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٥٨٢ ح (١٥٣٢) وقال: «صحيح ولم يخرجاه بهذه السياقة». وقد صحح الحديث العلامة الألباني في صحيح الترغيب (ص: ٤٨٩).
(٥) صحيح البخاري مع الفتح (٤/ ٢٦٩) ح: (٢٠٢٤).
[ ١١٨ ]
ولفظ مسلم: «أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر». (^١)
وفي رواية أخرى عن عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره». (^٢)
فدلت الأحاديث على فضل هذه الليالي، وتفضيل العمل فيها على باقي ليالي الشهر لمزيد عناية النبي ﷺ بها وتخصيصها بما لم يكن في غيرها من الأعمال.
ويتأكد فيها القيام على غيره من الأعمال كما هو ظاهر من النصوص.
٤ - عشر ذي الحجة:
وقد ورد في فضلها قول الله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. (^٣) وقال ابن عباس ﵄: «إن الليالي العشر التي أقسم الله بها هي الليالي العشر الأول من ذي الحجة». (^٤)
وبه قال عبد الله بن الزبير، ومسروق، وعكرمة، ومجاهد وقتادة، والظحاك، والسدي، ومقاتل وغيرهم. (^٥)
قال الطبري: «والصواب من القول في ذلك عندنا أنها عشر الأضحى لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه». (^٦)
وقال ابن رجب: «وأما الليالي العشر فهي عشر ذي الحجة، هذا الصحيح الذي عليه جمهور والمفسرين من السلف، وغيرهم، وهو الصحيح عن ابن
_________________
(١) صحيح مسلم (٢/ ٨٣٢) ح: (١١٧٤).
(٢) أخرجها مسلم (٢/ ٨٣٢) ح: (١١٧٥).
(٣) سورة الفجر (١، ٢).
(٤) تفسير الطبري ١٢/ ٥٦٠.
(٥) انظر تفسير الطبري (١٢/ ٥٦٠)، وزاد المسير لابن الجوزي، (٩/ ١٠٣) وتفسير ابن كثير (٨/ ٣٩٠).
(٦) تفسير الطبري (١٢/ ٥٦١).
[ ١١٩ ]
عباس روى عنه من غير وجه». (^١)
وروى البخاري من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه. قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء». (^٢)
قال الإمام ابن رجب في سياق الحديث عن فضائل عشر ذي الحجة: «وقد دل الحديث على أن العمل في أيامه أحبُّ إلى الله العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها، وإذا كان أحب إلى الله، فهو أفضل عنده … وإذا كان العمل في أيام العشر أفضل وأحب إلى الله في غيره من أيام السنة كلها، صار العمل فيه وإن كان مفضولا أفضل من العمل في غيره وإن كان فاضلا ولذا قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد. ثم استثنى جهادا واحدا هو أفضل الجهاد؛ فإنه ﷺ سئل أي الجهاد أفضل؟ قال: من عُقِرَ جواده، وأُهْرِيق دَمُهُ. (^٣) وصاحبه أفضل الناس درجة عند الله … وأما بقية أنواع الجهاد فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل وأحب إلى الله ﷿ منها، وكذلك سائر الأعمال. وهذا يدل على أن العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره، ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره». (^٤)
_________________
(١) لطائف المعارف (٤٧٠).
(٢) صحيح البخاري مع الفتح (٢/ ٤٥٧) ح: (٦٦٩).
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (٢/ ١٤٦) ح: (١٤٤٩). وقد ذكره الشيخ بمعناه. ونصه أن النبي ﷺ سئل:» أي الجهاد أفضل؟ قال: من جاهد المشركين بماله ونفسه، قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: من أهريق دمه وعُقِر جواده «.
(٤) لطائف المعارف (ص: ٤٥٨٤٥٩).
[ ١٢٠ ]
وقد اختلف أهل العلم في المفاضلة بين ليالي عشر ذي الحجة، وليالي العشر الأواخر من رمضان.
قال ابن رجب ﵀: «فأما لياليه فمن المتأخرين من زعم أن ليالي عشر رمضان أفضل من لياليه لاشتمالها على ليلة القدر، (^١) وهذا بعيد جدا … والتحقيق ما قاله بعض أعيان المتأخرين من العلماء أن يقال: مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا يفضل عليها غيرها. والله أعلم». (^٢)
٥ - أيام التشريق:
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. (^٣)
قال ابن عباس ﵄:» يعني بالأيام المعدودات أيام التشريق وهي ثلاثة أيام بعد النحر «. (^٤)
وبه قال أجلة المفسرين كعطاء، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والضحاك، وغيرهم (^٥) وأفضلها اليوم الأول لقول النبي ﷺ: «أعظم الأيام عند الله ﵎ يوم النحر ثم يوم القرِّ». (^٦)
ويوم القرِّ: هو اليوم الحادي عشر سمي بذلك لأن أهل منى يستقرون فيه. (^٧)
_________________
(١) ممن ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ونصره كذلك ابن القيم. انظر الفتاوى الكبرى (٢/ ٤٧٧)، وزاد المعاد (١/ ٥٧).
(٢) لطائف المعارف (ص: ٤٦٨٤٦٩).
(٣) سورة البقرة (٢٠٣).
(٤) أخرجه الطبري في التفسير (٢/ ٣١٤).
(٥) انظر المصدر السابق.
(٦) أخرجه أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن قُرط ﵁ (٢/ ٣٦٩) ح (١٧٦٥) وأحمد في المسند (٤/ ٣٥٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (١٠٦٤).
(٧) انظر النهاية لابن الأثير ٤/ ٣٧.
[ ١٢١ ]
قال ابن رجب: وأفضلها أولها، ولا يجوز فيه النفر، ثم يوم النفر الأول، وهو أوسطها، ثم يوم النفر الثاني، وهو آخرها (^١)، ويشرع فيها للحاج تأدية المناسك المشروعة فيها من رمي ومبيت، وتشرع فيها الأضحية لمن لم يذبح يوم النحر، كما يشرع للحاج وغيره فيها التكبير المطلق، والمقيد، والجهر به، ويستحب الإكثار فيه في هذه الأيام (^٢)، لقول النبي ﷺ: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله»، وأما والصيام فلا صيام فيها (^٣) كما دل عليه الحديث وذلك للتقوي على الذكر والطاعة قال ابن رجب ﵀: «وفي قول النبي ﷺ إنها أيام أكل وشرب وذكر الله ﷿ إشارة إلى أن الأكل في أيام الأعياد والشرب إنما يستعان به على ذكر الله تعالى وطاعته». (^٤)
٦ - ليلة القدر:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. (^٥)
روى الطبري عن مجاهد ﵀ في قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قال: عملها وصيامها، وقيامها خير من ألف شهر». (^٦)
وعن عمرو بن قيس الملائي قال: «عمل فيها خير من عمل ألف شهر». (^٧)
وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من
_________________
(١) انظر لطائف المعارف (٥٠١).
(٢) انظر كتاب فضائل الأوقات للبيهقي ص (٤١٣ - ٤٢٥).
(٣) المقصود صيام التطوع، أما صيام القضاء: الفرض، أو نذر، أو صيام من لم يجد الهدي، ففيه خلاف مشهور بين العلماء، انظر لطائف المعارف ص (٥٠٦).
(٤) لطائف ص (٥٠٤).
(٥) سورة القدر: (١٣).
(٦) تفسير الطبري (١٢/ ٦٥٣).
(٧) المصدر نفسه (١٢/ ٦٥٢).
[ ١٢٢ ]
قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه». (^١)
فدلت هذه النصوص على تفضيل ليلة القدر على غيرها من ليالي السنة وتفضيل العمل فيها مطلقا، على سائر الأعمال، ويتأكد من ذلك القيام لورود النص الخاص به والله أعلم.
٧ - يوم عرفة:
أخرج الإمام مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء». (^٢) وأخرج الترمذي عن عمر بن شعيب عن جده عن النبي ﷺ قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة …» (^٣) الحديث.
قال ابن عبد البر في شرحه: «وفيه من الفقه أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره وفي ذلك دليل على فضل يوم عرفة على غيره». (^٤)
فدل الحديثان على تفضيل هذا اليوم، وتفضيل العمل فيه خصوصًا الدعاء كما دل على ذلك الحديث، كما جاءت السنة بمشروعية صيامه على ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة عن النبي ﷺ أنه قال: «… صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله». (^٥)
وقد اختلف أهل العلم في صيامه للحاج بعد اتفاقهم على مشروعية صيامه
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح (٤/ ٢٥٠) (٢/ ٢٠١٤) وصحيح مسلم (١/ ٥٢٤).
(٢) صحيح مسلم (٢/ ٨٩٢) ح: (١٣٤٨).
(٣) تقدم تخريجه ص: ٨٩.
(٤) التمهيد (٦/ ٤١)
(٥) صحيح مسلم (٢/ ٨١٨) ح: (١١٦٢).
[ ١٢٣ ]
لغير الحاج.
قال ابن قدامة: «أكثر أهل العلم يستحبون الفطر يوم عرفة بعرفة، وكانت عائشة وابن الزبير يصومانه، وقال قتادة: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء. وقال عطاء: أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف؛ لأن كراهة صومه إنما هي معللة». (^١)
ثم رجح ابن قدامة عدم صيامه للحاج محتجا بفعل النبي ﷺ في ذلك اليوم. (^٢)
٨ - يوما العيدين:
أخرج أبو داود من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يوما يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال رسول الله ﷺ: إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى، يوم الفطر». (^٣)
قال البيهقي: «فزاد الحسن فيه فقال: أما يوم الفطر فصلاة وصدقة، قال يعني الصاع وأما يوم الأضحى فصلاة ونسك يعني ذبائحكم». (^٤)
عن عبد الله بن قرط ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القرِّ (^٥)». (^٦)
_________________
(١) المغني (٤/ ٤٤٤).
(٢) انظر المغني (٤/ ٤٤٤).
(٣) سنن أبي داود (١/ ٦٧٥) ح (١١٣٤) ومسند أحمد (١٩/ ٦٥) ح (١٢٠٠٦) والمستدرك للحاكم (١/ ٤٣٤) ح (١٠٩١) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٤) كتاب فضائل الأوقات ص: (٣٠٣، ٣٠٤).
(٥) تقدم بيان معناه ص: ١٤٨.
(٦) تقدم تخريجه ص: ١٤٨.
[ ١٢٤ ]
ويشرع فيهما تأدية صلاة العيد وخروج الناس إليها، ويسن الاغتسال والتطيب فيهما، وإظهار الزينة، ويشرع في عيد الفطر إخراج زكاة الفطر، قبل الخروج للصلاة وهي واجبة، ويستحب في عيد النحر ذبح الأضاحي، والأكل منها والإهداء والتصدق وهي سنة مؤكدة.
ويشرع في العيدين التكبير، والتهليل، في يوميهما وليلتيهما، وقد كان النبي ﷺ يخرج للعيدين مع طائفة من أصحابه رافعًا صوته بالتهليل والتكبير، وكان أصحابه يفعلونه من بعده، ويخرجون للأسواق والطرقات مكبرين. (^١)
قال عبد الرحمن السلمي:» كانوا في التكبير في الفطر أشد منهم في الأضحى «. (^٢)
ويوما العيدين يوما أكل وشرب وزينة ويحرم صيامهما، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نهى النبي ﷺ عن صوم يوم الفطر والنحر …» (^٣)
٩ - يوم الجمعة:
روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها». (^٤)
فدل الحديث على تفضيل يوم الجمعة على سائر الأيام.
وبه استدل بعض أهل العلم على تفضيل يوم الجمعة على يوم عرفة، وفي
_________________
(١) انظر السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٣٩٣ - ٤٠٢)، وخلاصة الأحكام للنووي ٢/ ٨١٩ - ٨٤٩، وكتاب الأزمنة المفصلة في الإسلام للدكتور على بن عباس الحكمي (٨٨ - ١٠١).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٩٥).
(٣) أخرجه البخاري، الصحيح مع الفتح ٤/ ٢٣٩ ح (١١٩١) ومسلم في صحيحه (٢/ ٨٠٠).
(٤) صحيح مسلم (٢/ ٥٨٥) ح: (٨٥٤).
[ ١٢٥ ]
المفاضلة بينهما نزاع مشهور بين أهل العلم، فمن قائل بتفضيل بوم الجمعة، ومن قائل بتفضيل يوم عرفة، وأعدل الأقوال في هذا ما قرره الإمام ابن القيم حيث قال: «والصواب أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة، ويوم النحر أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر، وليلة الجمعة». (^١)
وقد دلت النصوص على تفضيل العمل يوم الجمعة، وأفضل أعماله تأدية صلاة الجمعة، والعناية بها من التهيأ لها قبلها، والمحافظة على إكمالها.
وروى الإمام البخاري عن سلمان الفارسي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى». (^٢)
والأحاديث في فضائل يوم الجمعة، وتفضيل الأعمال فيه كثيرة وهي مبسوطة في مواضعها من كتب السنة، وإنما ذكرت هنا ما يستدل به لفضل هذا اليوم.
وكل ما ذكرته تحت هذا القسم مما تقدم عرضه من الأزمان قد جاءت النصوص بتفضيلها، وتفضيل العمل فيها على الإطلاق، من غير أن تُخَصَّ بعد تأدية الواجب فيها بعمل دون آخر، وإن كانت بعض الأعمال قد تتأكد فيها على غيرها كما تقدم التنبيه على شيء من هذا في موطنه. والله أعلم.
القسم الثاني:
أزمان وأوقات دلت النصوص على تفضيل بعض الأعمال فيها على الخصوص، ومنها:
_________________
(١) زاد المعاد (١/ ٦٠) وحكى هذا القول الإمام الشوكاني عن الحافظ العراقي، انظر نيل الأوطار (٣/ ٢٤٠)، وانظر الأزمنة الفاضلة في الإسلام للدكتور علي الحكمي ص (١٩٩ - ٢٠٠).
(٢) صحيح البخاري مع الفتح (٢/ ٣٧٠) ح: (٨٨٣).
[ ١٢٦ ]
١ - شهر شعبان:
ثبت في السنة أن النبي ﷺ كان يكثر من الصيام فيه فيصوم أكثره.
أخرج الشيخان من حديث عائشة ﵂ أنا قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان». (^١)
وفي رواية عنها ﵂ قالت: «لم يكن النبي ﷺ يصوم شهرًا أكثر من شعبان وكان يصوم شعبان كله …». (^٢)
وفي رواية: «لم أره صائمًا من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلًا». (^٣)
نقل الترمذي عن ابن المبارك قال: «جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال صامه كله». قال الترمذي: «كأن ابن المبارك رأى كلا الحديثين متفقين». (^٤)
وقال النووي: «قولها كان يصوم شعبان كله كان يصومه إلا قليلًا الثاني تفسير للأول وبيان أن قولها كله أي غالبه». (^٥) وإليه ذهب ابن حجر. (^٦)
وفي توجيه للفظين أقوال أُخر (^٧) وهذا أصحها والله أعلم.
وقد دلت الأحاديث على تخصيص شعبان بكثرة الصيام، دون غيره فدل على فضل صيامه على هذه الصفة على صيام غيره من الأشهر.
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح (٤/ ٢١٣) ح (١٩٦٩) وصحيح مسلم (٢/ ٨١٠).
(٢) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح (٤/ ٢١٣) ح (١٩٧٠).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٢/ ٨١١)
(٤) سنن الترمذي (٣/ ١٠٥).
(٥) شرح صحيح مسلم (٨/ ٣٧).
(٦) فتح الباري (٤/ ٢١٤).
(٧) انظر شرح صحيح مسلم للنووي (٨/ ٣٧) وفتح الباري لابن حجر (٤/ ٢١٤، ٢١٥).
[ ١٢٧ ]
وقد اختلف في الحكمة في تخصيص شعبان بكثرة الصيام تبعًا لاختلاف الروايات في ذلك، وأصح ما جاء فيه (^١) ما أخرجه أحمد من حديث أسامة بن زيد وفيه قال قلت: «يا رسول الله ولم أرك تصوم من شهر من شهور ما تصوم من شعبان، قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». (^٢)
٢ - يوم عاشوراء:
فقد دلت السنة على تفضيل الصيام فيه خاصة دون غيره من الأعمال.
أخرج الشيخان من حديث ابن عباس ﵄ قال: «… ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان». (^٣)
وفي حديث أبي قتادة المتقدم عن النبي ﷺ قال: «… صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» (^٤)
ومراتب صومه ثلاثة: أكملها: أن يصام قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم، ذكره ابن القيم ﵀. (^٥)
_________________
(١) انظر فتح الباري (٤/ ٢١٥).
(٢) أخرجه أحمد (٣٦/ ٨٥) والنسائي (٤/ ١٧١) وقد حسن إسناده محققو المسند.
(٣) صحيح البخاري مع الفتح (٤/ ٢٤٥) ح: (٢٠٠٦)، ومسلم (٢/ ٧٩٧) ح: (١١٣٢).
(٤) تقدم تخريجه (ص: ١٥١)
(٥) انظر زاد المعاد (٢/ ٧٦).
[ ١٢٨ ]
ولا يشرع في يوم عاشوراء إظهار شيء من شعائر الفرح، كالاكتحال والاختضاب، وتوسيع النفقة على العيال، مما أحدثه النواصب، ولا شيئ من مظاهر الحزن من شق الجيوب، ولطم الخدود، والنياحة، والبكاء، مما أحدثه الرافضة.
قال شيخ الإسلام في وصف حال الطائفتين: «فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسما كمواسم الأعياد والأفراح، وأولئك يتخذونه مأتما يقيمون فيه الأحزان والأتراح وكلا الطائفتين مخطئة خارجة عن السنة». (^١)
وقال ﵀: «ولم يسن رسول الله ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون في يوم عاشوراء شيئا من هذه الأمور، لا شعائر الحزن والترح، ولا شعائر السرور والفرح، ولكنه ﷺ لما قدم المدينة وجد اليهود تصوم عاشوراء فقال: «ما هذا»؟ فقالوا: هذا يوم نجَّى الله فيه موسى من الغرق فنحن نصومه. فقال: «نحن أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه». (^٢)
٣ - الأيام البيض من كل شهر:
وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر.
وقد وردت الأحاديث بمشروعية صيامها، وأنها تعدل صيام الشهر.
عن قتادة بن ملحان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام أيام البيض، ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، قال: وقال: «هو كهيئة الدهر». (^٣)
وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا صمت من الشهر ثلاثا فصم
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٥/ ٣١٠).
(٢) المصدر نفسه (٢٥/ ٣١٠).
(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ٨٢١) ح: (٢٤٤٩)، والنسائي (٤/ ١٩٤)، وقد حسن الحديث الألباني في صحيح الترغيب (ص: ٥٠٥) ح: (١٠٢٥).
[ ١٢٩ ]
ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة». (^١)
وقد ذهب بعض أهل العلم أن الأيام البيض هي: الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر.
والصحيح المشهور هو القول الأول ذكر هذا النووي (^٢) وهو الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة.
وقد جاءت النصوص في الصحيحين وغيرها بصيام ثلاثة من كل شهر من غير تحديد بالأيام البيض، كما في حديث أبي هريرة قال: «أوصاني خليلي: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام». (^٣)
وقد ترجم البخاري للحديث بقوله: «باب صيام البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة». (^٤)
٤ - ستة أيام من شوال:
وقد ثبتت السنة بمشروعية صيامها لما أخرجه مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر». (^٥)
قال النووي في شرح الحديث: «فيه دلالة صريحة لمذهب الشافعي، وأحمد، وداود وموافقيهم في استحباب صوم هذه الستة، وقال مالك، وأبو حنيفة: يكره ذلك، قال مالك في الموطأ: ما رأيت أحدا من أهل العلم يصومها، قالوا:
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٦٢)، والترمذي (٣/ ١٢٥) ح: (٧٦١) وقال: «حديث حسن»، وحسن الحديث الألباني في صحيح الترغيب (ص: ٥٠٤) ح: (١٠٢٤).
(٢) رياض الصالحين (ص: ٤٣٧).
(٣) صحيح البخاري مع الفتح (٤/ ٢٢٦) ح: (١٩٨١)، وصحيح مسلم (١/ ٤٩٩) ح: (٧٢١).
(٤) صحيح البخاري مع الفتح (٤/ ٢٦٦).
(٥) صحيح مسلم (٢/ ٨٢٢) ح: (١١٦٤).
[ ١٣٠ ]
فيكره لئلا يظن وجوبه. ودليل الشافعي وموافقيه هذا الحديث الصحيح الصريح، وإذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس، أو أكثرهم، أو كلهم لها». (^١)
وقال ابن رجب: «استحب صيام ستة أيام من شوال أكثر العلماء، روى ذلك عن ابن عباس ﵄، وطاووس، والشعبي، وميمون بن مهران، وهو قول ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأنكر ذلك آخرون». (^٢)
قال أبو العباس القرطبي مجيبا ومعتذرا لخلاف من خالف: «ويظهر من كلام مالك هذا: أن الذي كرهه هو وأهل العلم الذين أشار إليهم، إنما هو أن توصل الأيام الستة بيوم الفطر لئلا يظن أهل الجهالة والجفاء أنها بقية من صوم رمضان، وأما إذا باعد بينها وبين يوم الفطر فيبعد ذلك التوهم، وينقطع ذلك التخيل». (^٣)
وقد اختلف أهل العلم في تحديد هذه الستة.
فذهب بعضهم إلى استحباب صيامها متتابعة من أول الشهر، وهو قول ابن المبارك والشافعي.
وذهب آخرون إلى عدم اشتراط التتابع وأنه يستوي أن تتابع أو تفرق في الشهر كله فهما سواء، وهو قول وكيع وأحمد.
وذهب فريق ثالث إلى أنها لا تصام عقيب الفطر، ولكن تصام ثلاثة أيام قبل أيام البيض أو بعدها، وهو قول معمر وعبد الرزاق. (^٤)
وظاهر كلام النووي الانتصار للقول الأول، (^٥) كما انتصر أبو العباس القرطبي للقول الثاني. (^٦)
_________________
(١) شرح صحيح مسلم (٨/ ٥٦).
(٢) لطائف المعارف ص ٣٨٩.
(٣) المفهم (٣/ ٢٣٧).
(٤) انظر لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٣٩٠٣٩١).
(٥) انظر شرح صحيح مسلم (٨/ ٥٦).
(٦) انظر المفهم (٣/ ٢٣٨).
[ ١٣١ ]
٥ - الاثنين والخميس من كل أسبوع:
على ما ثبت في السنة من استحباب صيامهما فعن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم الاثنين فقال: «فيه وُلِدتُ، وفيه أُنْزِل عليّ». (^١)
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس؛ فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم». (^٢)
٦ - ثلث الليل الآخر:
ويشرع فيه القيام، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، على ما جاءت بذلك النصوص قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. (^٣)
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ينزل ربنا ﵎، كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له». (^٤)
وهذا مما يدل على عظيم فضل هذا الوقت؛ لنزول الرب فيه ﵎ إلى السماء الدنيا؛ ومناداته عباده، ولهذا شرع قيام هذا الوقت وورد الترغيب فيه.
أخرج مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهوده وذلك أفضل». (^٥)
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢/ ٨٢٠).
(٢) أخرجه الترمذي (٣/ ١١٣) ح: (٧٤٧)، وقال:» حديث حسن غريب «. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (ص: ٥٠٦) ح: (١٠٢٧).
(٣) سورة الذاريات (١٧ - ١٨).
(٤) صحيح البخاري مع الفتح (١٣/ ٤٦٤ ح: (٧٤٩٣) وصحيح مسلم ١/ ٥٢١ ح (٧٥٨).
(٥) صحيح مسلم (١/ ٥٢٠) ح (٧٥٥).
[ ١٣٢ ]
وقد وردت النصوص بالتقرب إلى الله في هذا الوقت بالصلاة، والدعاء، والاستغفار، كما هو ظاهر من النصوص المتقدمة. وأضاف بعض أهل العلم قراءة القرآن (^١) وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن الأفضل من ذلك فأجاب: (الصلاة أفضل من القراءة في غير الصلاة، نص على ذلك أئمة العلماء وقد قال: (^٢) «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن». لكن من حصل له نشاط وتدبر وفهم للقراءة دون الصلاة فالأفضل في حقه ما كان أنفع له) (^٣).
٧ - أول النهار وآخره:
وقد وردت النصوص بالترغيب في الذكر في هذين الوقتين:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. (^٤)
وقال تعلى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾. (^٥) وقال ﷿: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. (^٦) وقال تعالى في ذكر زكريا ﵇ ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. (^٧)
ومن السنة حديث جابر بن سمرة في وصف هدي النبي ﷺ قال: «كان لا
_________________
(١) انظر: قيام الليل للمروزي (باب ثواب القراءة بالليل) ص (١٦٤)
(٢) أي النبي ﷺ وقد أخرج الحديث من طريق ثوبان ﵁ ابن ماجه (١/ ١٠٠١) ح (٢٧٧) وأحمد في المسند (٥/ ٢٧٧، ٢٨٢) وصحح الحديث الألباني انظر إرواء الغليل (٢/ ١٣٥) ح (٤١٢) وصحيح الترغيب ص (١٥٨) ح (١٩٠).
(٣) الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٣٦).
(٤) سورة الأحزاب (٤١ - ٤٢).
(٥) سورة غافر (٥٥).
(٦) سورة الأنعام (٥٢).
(٧) سورة مريم (١١).
[ ١٣٣ ]
يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام …». (^١)
وقد ثبت الترغيب في بعض الأذكار المخصوصة في هذين الوقتين، ومن ذلك:
ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد». (^٢)
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو بكر: يا رسول الله مرني بشيء أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت. قال: «قل اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشِرْكِه» قال: «قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك». (^٣)
والأذكار المشروعة في الصباح والمساء كثيرة، وهي مبسوطة في كتب الأذكار والسنن، وإنما ذكرت هنا ما يستدل به على فضل هذين الوقتين.
قال الإمام ابن رجب ﵀: «فهذه الأوقات الثلاثة، منها وقتان وهما أول النهار وآخره، يجتمع في كل من هذين الوقتين عمل واجب، وعمل تطوع: فأما العمل الواجب فهو صلاة الصبح وصلاة العصر، وهما أفضل الصلوات الخمس، وهما البردان اللذان من حافظ عليهما دخل الجنة، وقد قيل في كل منهما أنهما الصلاة الوسطى، وأما التطوع فهو ذكر الله بعد صلاة الصبح حتى
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ٤٦٣) ح (٦٧٠).
(٢) صحيح مسلم (٤/ ٢٠٧١) ح: (٢٦٩٢).
(٣) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٦٧) ح: (٣٣٩٢)، وقال:» حديث حسن صحيح «. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٢٧٨).
[ ١٣٤ ]
تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وقد وردت في فضله نصوص كثيرة، وكذلك وردت النصوص الكثيرة في أذكار الصباح والمساء، وفي فضل الذكر حين يصبح وحين يمسي». (^١)
فظهر بهذا التقرير المفصل تفاضل الأزمان، والأوقات، وتفاضل العمل باعتبار فضل الزمان الواقع فيه، كما تبين من خلال النصوص اختصاص بعض الأوقات والأزمان بوظائف مخصوصة من العبادات، وهذه العبادات المخصوصة بتلك الأوقات هي أفضل ما يتقرب به إلى الله في ذلك الوقت، وإن كان هذا العمل مفضولا من حيث جنسه.
قال الإمام ابن القيم في سياق ذكره اختلاف الناس في أفضل الأعمال: «الصنف الرابع: قالوا: إن أفضل العبادة: العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد وإن آل الأمر إلى ترك الأوراد من صلاة الليل، وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض، كما في حالة الأمن.
والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا: القيام بحقه، والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك أداء حق الزوجة والأهل.
والأفضل في أوقات السحر: الاشتغال بالصلاة، والقرآن، والدعاء، والذكر، والاستغفار». إلى أن قال بعد أن ذكر أنواعا كثيرة من العبادات المخصوصة بأوقات أو أحوال: «فالأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت وظيفته ومقتضاه.
_________________
(١) المحجة في سير الدلجة (ص ٦١٦٢).
[ ١٣٥ ]
وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق، والأصناف قبلهم هم أهل التعبد المقيد». (^١)
وهذا التقرير الذي ذكره الإمام ابن القيم هو أفضل ما ذكر في هذا الباب، وهو مقتضى النصوص. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٨٨٨٩).
[ ١٣٦ ]