تتفاضل الأعمال في الإسلام باعتبار انقسامها إلى واجبات ونوافل:
فالواجبات أفضل من النوافل، وأداء الواجبات أحب إلى الله من أداء النوافل، وهذا أصل عظيم من أصول الدين، قد دلت عليه النصوص الشرعية وأقول السلف.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه …» الحديث. (^١)
فدل الحديث دلالة ظاهرة على أن الواجبات أفضل عند الله، وأحب إليه من النوافل.
قال ابن حجر في شرحه: «يستفاد منه، أن أداء الفرائض أحب الأعمال إلى الله». (^٢)
ومن أقوال السلف في تقرير هذا الأصل:
قول أبي بكر ﵁ في وصيته لعمر: «واعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملا بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة …» (^٣)
فقوله لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة من أوجز الكلام، وأبلغه وفيه دلالة على تفضيل الفرائض على النوافل، وأن قبول النوافل مرهون بتأدية الواجبات؛ إذ
_________________
(١) أخرجه البخاري. صحيح البخاري مع الفتح (١١/ ٣٤٠) ح: (٦٥٠٢).
(٢) فتح الباري (١١/ ٣٤٣).
(٣) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٣٦).
[ ٣٤ ]
الواجبات هي الأصل، والنوافل فرع، ولا استقرار للفرع بدون الأصل.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرم الله، وصدق النية فيما عند الله تعالى». (^١)
وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: «أفضل العبادات أداء الفرائض، واجتناب المحارم …». (^٢)
وكذلك أقوال العلماء المحققين جاءت مقررة لهذا الأمر:
قال ابن هبيرة في شرحه للحديث السابق: «يؤخذ من قوله: «ما تقرب» إلخ أن النافلة لا تقدم على الفريضة؛ لأن النافلة إنما سميت نافلة لأنها تأتي زائدة على الفريضة». (^٣)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولهذا وجب التقرب بالفرائض قبل النوافل، والتقرب بالنوافل إنما يكون تقربا إذا فعلت الفرائض، لا كما ظنه بعض الاتحادية كصاحب (الفتوحات المكية) ونحوه من أن قرب الفرائض تكون بعد قرب النوافل». (^٤)
إلى أن قال بعد ذكره الحديث القدسي المتقدم في معرض رده على الاتحادية: «وقد بين في هذا الحديث أن المتقرِب ليس هو المتقرَب إليه، بل هو غيره، وأنه ما تقرب إليه عبده بمثل أداء المفروض، وأنه لا يزال بعد ذلك يتقرب إليه بالنوافل حتى يصير محبوبا لله فيسمع به، ويبصر به، ويبطش به، ويمشي به». (^٥)
_________________
(١) أورده ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٢٢).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٨٢) رقم: (٣٥٠٧٠).
(٣) الإفصاج عن معاني الصحاح (٧/ ٣٠٣).
(٤) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٣٣).
(٥) المصدر نفسه (١٧/ ١٣٤).
[ ٣٥ ]
وقال ﵀ في جواب سؤال: «أيما طلب القرآن أو العلم أفضل»؟
«الجواب: أما العلم الذي يجب على الإنسان عينا كعلم ما أمر الله به، وما نهى الله عنه فهو مقدم على حفظ ما لا يجب من القرآن؛ فإن طلب العلم الأول واجب، وطلب الثاني مستحب، والواجب مقدم على المستحب». (^١)
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: «أداء الواجبات كلها أفضل من التنفل بالحج والعمرة، وغيرها؛ فإنه ما تقرب العباد إلى الله تعالى بأحب إليه من أداء ما افترض عليهم». (^٢)
وأقوال العلماء في هذا كثيرة مشهورة، ومن هذا الباب شدة إنكار السلف على من اشتغل بالنوافل عن الفرائض، أو أدى اشتغاله بالنوافل إلى ضعفه عن أداء الفرائض، على ما جاء في قصة رجل في زمن التابعين كان يصوم، ويواصل حتى يعجز عن القيام، فكان يصلي الفرض جالسا فأنكروا ذلك عليه حتى قال عمرو بن ميمون: «لو أدرك هذا أصحاب محمد ﷺ لرجموه». (^٣)
وقال ابن حجر: قال بعض الأكابر: «من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور». (^٤)
فتقرر بهذا تفضيل الفرائض على النوافل، وأن النوافل مهما بلغت لا تبلغ درجة الفرائض في الأجر والثواب عند الله، بل صرح السلف أن النوافل لا تكون مقبولة عند الله حتى تؤدى الفرائض.
وهذا التقرير هو مقتضى النصوص والله أعلم، وهو الذي تظافرت عليه أقوال السلف، والأئمة المتقدمين، وعليه عامة أهل العلم من بعدهم.
_________________
(١) الفتاوي الكبرى (٢/ ٢٣٤)، ومجموع الفتاوى (٢٣/ ٥٤).
(٢) لطائف المعارف (ص: ٤٤٢).
(٣) أورده ابن رجب في لطائف المعارف (ص: ٤٤٧).
(٤) فتح الباري (١١/ ٣٤٣).
[ ٣٦ ]
وقد ذهب بعض العلماء المتأخرين إلى أن الفرائض أفضل من النوافل إلا في أربع مسائل، دلت النصوص على أن السنة فيها أفضل من الفرض، وهذه المسائل هي:
١ - ابتداء السلام أفضل من رده، مع أن ابتداء السلام سنة، ورده واجب.
٢ - إبراء المعسر سنة، وهو أفضل من إنظاره مع أن إنظاره واجب.
٣ - التطهر قبل الوقت سنة، وبعد الوقت واجب. وهو قبل الوقت أفضل.
٤ - الختان قبل البلوغ سنة، وهو أفضل منه بعد البلوغ وهو واجب.
ذكر هذه المسائل السفاريني، ونقل بعضها عن السيوطي. (^١) وهي محل نظر:
أما السلام فقد اختلف العلماء في ابتدائه هل هو سنة أم أنه فرض كالرد. (^٢)
فعلى القول بوجوبه، فالمفاضلة بينه وبين الرد من مسائل التفاضل بين الفرائض، ولا نزاع في هذا على ما سيأتي تقريره.
وأما على القول بأن ابتداء السلام سنة، وهو المشهور فلا يسلم أنه أفضل من رده، وذلك لمخالفة هذا للنصوص الصريحة في تفضيل الفرائض على النوافل، ومن أظهرها الحديث القدسي السابق الذكر، وفيه يقول الله تعالى: «ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». (^٣) وهذا نص عام يقتضي تفضيل كل الفرائض على كل النوافل.
وإنما تمسك من قال بتفضيل ابتداء السلام على رده بقول النبي ﷺ: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». (^٤)
_________________
(١) انظر غذاء الألباب شرح منظومة الآداب للسفاريني (١/ ٢٨٦).
(٢) انظر أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٥٩٢)، ومدارج السالكين لابن القيم (١/ ١١٤).
(٣) تقدم تخريجه (ص: ٣٩)
(٤) أخرجه مسلم. صحيح مسلم (٤/ ١٩٨٤) ح: (٢٥٦٠).
[ ٣٧ ]
وبقوله ﷺ: «إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام». (^١)
وليس في الحديثين ما يدل على تفضيل ابتداء السلام على رده.
أما الحديث الأول ففيه تفضيل المبادر بالسلام من المتهاجرين على الآخر، ووجه التفضيل هنا لكونه هو المبادر للصلح، ولا شك أن المبادر للصلح أفضل من المعرض، ويظهر من هذا أن تفضيل المبتدئ بالسلام هنا ليس لمرد إلقائه السلام فقط، بل لمعنى آخر كامن في مبادرته بالسلام، وهو الشروع في الصلح، فلا حجة في هذا عندئذ على المسألة، هذا مع مراعاة أن السلام هنا قد يكون واجبا، وهذا بناء على ما قرره بعض أهل العلم من أن الهجر لا يزول إلا بالسلام، وقال آخرون لا يزول إلا بالسلام والكلام.
روى ابن وهب عن مالك أنه قال: «إذا سلم عليه فقد قطع الهجرة». (^٢)
وقال أبو بكر الأثرم: «قلت لأحمد بن حنبل: إذا سلم عليه هل يجزيه ذلك من كلامه إياه؟ فقال: ينظر في ذلك إلى ما كان عليه قبل أن يهجره، فإن كان قد علم منه مكالمته والإقبال عليه، فلا يخرجه من الهجرة إلا سلام ليس معه إعراض ولا إدبار». (^٣)
وقال ابن مفلح: «والهجر المحرم يزول بالسلام، ذكره في الرعاية والمستوعب». (^٤)
فالسلام مشترط على كل حال في زوال الهجر المحرم فدل على وجوبه، وبهذا يتبين أن السلام الممدوح في الحديث واجب، فلا حجة فيه لتفضيل السلام
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥/ ٣٨٠)، والترمذي (٥/ ٢٦٩٤)، وقال: «حديث حسن «. وقال الألباني: «سنده صحيح «. انظر حاشية مشكاة المصابيح (٣/ ١٣١٨)، وصحيح الكلم الطيب (ص: ١٠٥).
(٢) ذكره ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ١٢٧).
(٣) ذكره ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ١٢٧١٢٨).
(٤) الآداب الشرعية لابن مفلح (١/ ٢٤٤).
[ ٣٨ ]
مطلقا على الرد والله أعلم.
وأما الحديث الثاني ففي فضل إلقاء السلام، وليس فيه ما يدل على أنه أفضل من الرد. كما أنه لا يفهم من لفظ الحديث أن السلام أفضل من بقية الواجبات، وأن المسلم هو أولى الناس بالله على الإطلاق، وأنه أفضل ممن تقرب إلى الله بسائر الواجبات، بل من المقرر في الشرع أن الرجل لا يمدح بالنفل إلا بعد أداء الواجب فيكون هذا الثناء في حق من أدى واجب الرد عند السلام عليه، وبادر المسلمين بالسلام فهو أولى الناس بالله.
ومما تتجلى به صورة هذه المسألة في أن ابتداء السلام ليس بأفضل من رده أن هذا يعرف عند تزاحم الأمرين، وذلك في حق رجل مر في طريق فقابله رجلان يخالفانه في السير، أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، فسلم عليه أحدهما ولم يسلم عليه الآخر فما الأفضل في حقه، الرد على من سلم عليه، أو مبادرة الآخر بالسلام، مع أنه لا يمكن الجمع بين الأمرين لضيق الوقت عن ذلك؟ كأن يكون مستقلا سيارة أو غيرها من وسائل النقل السريعة.
فإن قلنا بتفضيل الابتداء على الرد، قلنا: الأولى في حقه فعل الأفضل، ونحن مع هذا ندرك أنه لا يسلم من الإثم بترك الواجب وهذا تناقض.
وإن قلنا بتفضيل الرد زال هذا التعارض، وانتظم في اشتغاله بالرد تحقيق الواجب، وفعل الأفضل، وهو معذور في ترك النفل؛ لاشتغاله بالواجب كما قال أهل العلم: «من شغله الفرض عن النفل فهو معذور». (^١)
وأما مسألة إبراء المعسر وإنظاره، فلا يُسَلَّم أن الإبراء نفل محض، بل قد تضمن الإبراء معنى الواجب وزيادة، فَفَضُل من هذا الوجه، وذلك أنه قد تحقق في الإبراء مقصود الإنظار وهو: رفع الحرج بالسداد في ذلك الوقت وهذا
_________________
(١) تقدم عزوه (ص: ٤٢)
[ ٣٩ ]
واجب وإسقاط الحق بالكلية وهذا نفل
ولهذه المسألة نظائر كثيرة في الشرع، كمسألة الإنفاق على الأهل بالمعروف واجب، والإحسان في ذلك والتوسعة في النفقة من غير إسراف أفضل، لتضمنه الواجب وزيادة، وكالإسباغ في الوضوء أفضل من غسل الأعضاء من غير إسباغ، وذلك لاشتمال الإسباغ على الغسل الواجب وزيادة، وكذلك الحلق في التحلل من الإحرام أفضل من التقصير لهذا المعنى، إلى غير ذلك من المسائل التي يتضمن نفلها واجبها وزيادة.
وكذلك المسألتان الأخيرتان، وهي مسألة التطهر قبل الوقت، والختان قبل البلوغ، قد تحقق بهما تأدية الواجب، وإنما حصل التنفل فيهما في المبادرة إلى الواجب قبل حلول وقته، يدل على هذا ارتفاع الحدث بالتطهر قبل دخول الوقت، وسقوط الوجوب في الاختتان بفعله قبل البلوغ، وبالتالي فإن دعوى أن كل واحد من هذين العملين نفل محض لا يسلم، وإنما هما في الحقيقة تأدية للواجب في كل منهما لكن على سبيل التعجل وبهذا حصل التفضيل.
ومثل هاتين المسألتين سائر الأعمال التي يرغب فيها إلى المبادرة إلى العمل قبل وقت الوجوب، كالسعي إلى الجمعة قبل وقت الوجوب من أول النهار، فإنه أفضل عند كثير من أهل العلم، (^١) وكذلك قضاء الدين قبل حلول أجله أفضل لما فيه من براءة الذمة، وغير ذلك من المسائل.
وبهذا يتبين أنه ليس هناك ما يستثنى من قاعدة تفضيل الواجبات على النوافل، بل القاعدة على أصلها من غير استثناء على ما دلت عليه النصوص وقواعد الشريعة، وما هو مقرر عند سلف الأمة، ومن جاء بعدهم من المحققين الذين استفاضت أقوالهم بذكر هذه القاعدة، وتأصيلها في كتبهم، من غير تقييد أو تخصيص.
_________________
(١) انظر المغني لابن قدامة (٣/ ١٦٤)
[ ٤٠ ]
وقد اجتهد بعض العلماء المحققين في استنباط الحكمة من تفضيل الواجبات على النوافل فذكروا في ذلك عدة أوجه:
١ - أن الأمر بالفرائض جازم بخلاف النوافل.
٢ - أن الفرائض يقع بتركها المعاقبة بخلاف النوافل.
٣ - أن الفرض كالأصل والأس، والنفل كالفرع والبناء.
٤ - أن في الإتيان بالفرائض امتثال الأمر، واحترام الآمر، وإظهار عظمة الربوبية، وذل العبودية، وهذه المعاني وإن تحققت في النوافل لكنها ليس بمقدار تحققها في الفرائض، وذلك لأن الامتثال في الفرائض على سبيل الإلزام، وفي النوافل على سبيل التخيير.
٥ - أن الذي يؤدي الفرض قد يفعله خوفا من العقوبة، ومؤدي النفل لا يفعله إلا إيثارا للخدمة. (^١)
وإذا تقرر تفضيل الفرائض على النوافل فينبغي أن يعلم أن الواجبات في نفسها تتفاضل، فهي ليست على درجة واحدة.
ففروض الأعيان أفضل من فروض الكفايات؛ لتعين وجوب فروض الأعيان على كل أحد، ولحصول الإثم بتركها لا محالة، بخلاف فروض الكفايات، فوجوبها كفائي على الأمة قاطبة، لا يلحق الأفراد إثم بتركها ما دام في الأمة من يقوم بها.
قال الإمام ابن رجب في توجيه تفضيل النبي ﷺ للجهاد في حديث أبي هريرة، وذكره له بعد الإيمان بالله: «إنما كان ذلك حيث كان الجهاد فرض عين فكان حينئذ أفضل الأعمال بعد الإيمان وقرينا له، فلما نزلت الرخصة، وصار الجهاد فرض كفاية تأخر عن فرض الأعيان». (^٢)
وقال أيضا: «وقد يقال: حديث أبي هريرة دل أن جنس الجهاد أشرف من
_________________
(١) انظر فتح الباري لابن حجر (١١/ ٣٤٣).
(٢) فتح الباري لابن رجب (٤/ ٢١٣).
[ ٤١ ]
جنس الحج، فإن عرض للحج وصف يمتاز به على الجهاد وهو كونه فرض عين كان ذلك الحج المخصوص أفضل من الجهاد، وإلا فالجهاد أفضل منه». (^١)
وهذا مما يدل على تفضيل فروض الأعيان على فروض الكفايات عند أهل العلم والتحقيق.
وكلام العلماء في هذا مشهور ومواضع بسطه في كتب الأصول والفقه.
وفروض الأعيان في نفسها تتفاضل من حيث تعلقها بحقوق الله، وحقوق المخلوقين، فتقدم في الفضل حقوق الله على حقوق الخلق، كما أن بين أفراد كل قسم من هذين القسمين تفاضل فيما بينها فليست حقوق الله على درجة واحدة في الفضل، وكذا حقوق المخلوقين.
فدل على تقدم حقوق الخالق على حقوق المخلوقين عمومُ النصوص كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (^٢) وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ …﴾ (^٣) وقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ (^٤)
فقدم الله حقه على حقوق المخلوقين، والآيات في هذا كثيرة جدا.
ومن السنة ما جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵄ أن امرأة جاءت للنبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء». (^٥)
فأخبر أن حق الله أحق بالوفاء من حق المخلوق.
وجاء عن سلمان أنه قال لأبي الدرداء ﵄: «إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك
_________________
(١) فتح الباري لابن رجب (٤/ ٢١٧).
(٢) سورة الإسراء: (٢٣).
(٣) سورة النساء: (٣٦).
(٤) سورة لقمان: (١٤).
(٥) أخرجه البخاري من الصحيح مع الفتح (٤/ ٦٤) ح (١٨٥٢).
[ ٤٢ ]
عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه. قال النبي ﷺ: «صدق سلمان». (^١) فقدم حق الله على حق النفس، وحق الأهل، مما يدل على تفضيل حق الله على سائر حقوق المخلوقين.
قال الإمام ابن رجب في سياق دراسته للأحاديث في تفاضل الأعمال: «فتبين بهذا التقرير أن الأحاديث كلها دالة على أن أفضل الأعمال: الشهادتان مع توابعهما وهي بقية مباني الإسلام، أو الصلاة مع توابعهما أيضا من فرائض الأعيان التي هي من حقوق الله ﷿ ثم يلي ذلك في الفضل حقوق العباد التي هي من فروض الأعيان كبر الوالدين». (^٢)
ودل على تفاضل حقوق الله فيما بينها نصوص كثيرة منها حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». (^٣)
فأخبر النبي ﷺ أن أفضل شعب الإيمان لا إله إلا الله، وقدمها على غيرها من الشعب المتعلقة بحقوق الخالق كالصلاة، والصيام، والحج.
كما دل على هذه المسألة أيضا قول النبي ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم، وتوق كرائم أموال الناس». (^٤)
_________________
(١) أخرجه البخاري. الصحيح مع الفتح (١٠/ ٥٣٤) ح: (٦١٣٩).
(٢) فتح الباري لابن رجب (٤/ ٢١٧).
(٣) أخرجه مسلم (١/ ٦٣) ح: (٣٥)، وأخرجه البخاري بلفظ: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان». صحيح البخاري مع الفتح (١/ ٥١) ح: (٩).
(٤) أخرجه البخاري. صحيح البخاري مع الفتح (١٣/ ٣٤٧) ح: (٧٣٧٢)، (٣/ ٢٦١) ح: (١٣٩٥)، و(ص: ٣٢٢) ح: (١٤٥٨)، ومسلم (١/ ٥٠) ح: (١٩).
[ ٤٣ ]
فدل الحديث على تفضيل التوحيد على سائر أعمال البر المتعلقة بحقوق الله، وحقوق المخلوقين، وأنه أول ما يُبدأ به في الدعوة لفضله وشرفه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية مقررا هذا الأصل: «وكذلك ليس الأمر بالتوحيد، والإيمان بالله ورسوله، وغير ذلك من أصول الدين الذي أمرت به الشرائع كلها، وغير ذلك مما يتضمن الأمر بالمأمورات العظيمة، والنهي عن الشرك، وقتل النفس، والزنا، ونحو ذلك مما حرمته الشرائع كلها، وما يحصل معه فساد عظيم، كالأمر بلعق الأصابع، وإماطة الأذى، عن اللقمة الساقطة، والنهي عن القران في التمر، ولو كان الأمران واجبين». (^١)
كما دلت النصوص أيضا على التفاضل بين حقوق المخلوقين فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك». (^٢)
فقدم النبي ﷺ النفقة على الأهل على غيرها من النفقات لتأكد حقهم على حقوق غيرهم من الناس.
قال أبو العباس القرطبي: «هذا محمول على ما إذا استوت الحالة في الأهل والأجنبي، فلو كان أحدهما أحوج أو أوكد، لكان المنفق في الأوكد أعظم أجرا، فإذا استوت المراتب فترتيب الأعظم كما وقع في الحديث». (^٣)
كما دل أيضا على التفاضل في حقوق الخلق حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال لرجل من بني عذرة: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٥٩).
(٢) أخرجه مسلم (٢/ ٦٩٢) ح: (٩٩٥).
(٣) المفهم (٣/ ٤٠).
[ ٤٤ ]
فهكذا، وهكذا»، يقول: فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك. (^١)
قال القاضي عياض في شرح الحديث: «وفي قوله: «فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك فلذي قرابتك» فيه حجة في ترتيب الحقوق، وتقديم الآكد فالآكد، وأن الواجبات تتأكد في نفسها، لأن حق النفس واجب، وحق الأهل ومن تلزمه النفقة واجب، لكنه يقدم حق النفس عليها». (^٢)
وقال النووي: «في هذا الحديث فوائد منها الإبتداء في النفقة بالمذكور على هذا الترتيب، ومنها أن الحقوق والفضائل إذا تزاحمت قدم الأوكد فالأوكد». (^٣)
فتقرر بهذا تفاضل الواجبات فيما بينها فيقدم منها الأوكد فالأوكد بحسب قوة الوجوب، ومرجع هذا التفاضل هنا هو قوة الوجوب، فكلما كان العمل أوجب كلما كان أفضل. (^٤)
كما أن التفاضل بين الواجبات والنوافل، يرجع إلى (قوة المشروعية) فتكون هذه المسألة فرعا عن تلك، بناء على أن التفاضل باعتبار (قوة الوجوب) فرع عن التفاضل باعتبار قوة المشروعية.
ولهذا ناسب تقرير مسألة التفاضل بين الواجبات، بعد تقرير التفاضل بين الواجبات والمستحبات، استكمالا لموضوع البحث، وتنبيها على هذا المعنى.
والمقصود هنا بيان أن المنهج الصحيح في التعبد يرجع إلى هذا التأصيل، وهو أن يكون التقرب إلى الله بالواجبات أولا بدأً بالأوكد فالأوكد، ثم بالنوافل أخذا بالأهم فالأهم، فبذلك يحصل السبق إلى الفضل عند الله، وتتحقق المتابعة للنبي ﷺ في العبادة، وعلى قدر التفريط في هذا المنهج يحصل الخلل في العبادة
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٦٩٢) ح: (٩٩٧).
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (٣/ ٥١٤٥١٥).
(٣) شرح صحيح مسلم (٧/ ٨٣).
(٤) انظر مجموع الفتاوى (١١/ ٣٨١).
[ ٤٥ ]
والانقطاع في السير إلى الله.
وقد نبه الأئمة المحققون على خطورة الإنحراف في هذا الباب فكان مما اشتهر عنهم هذه المقولة: «من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور».
كما نبه بعضهم على أن الإنحراف في هذا الباب من كيد الشيطان وتلبيسه على العباد، وذلك أنه لماّ لم يظفر منهم بالتثبيط عن العمل شغلهم بالمفضول منه عن الفاضل.
قال الإمام ابن الجوزي في سياق ذكره تلبيس الشيطان على العباد: «فأول تلبيسه عليهم إيثارهم التعبد على العلم، والعلم أفضل من النوافل» (^١)
وقال أيضا: «ومن الموسوسين من تصح له التكبيرة خلف الإمام وقد بقي من الركعة يسير فيستفتح ويستعيذ فيركع الإمام، وهذا تلبيس أيضا؛ لأن الذي شرع فيه من التعوذ والإستفتاح مسنون، والذي تركه من قراءة الفاتحة، وهو لازم للمأموم عند جماعة من العلماء، فلا ينبغي أن يقدم عليه سنة». (^٢)
وقال ﵀: «وقد لبس إبليس على جماعة من المتعبدين فأكثروا من صلاة الليل، ومنهم من يسهره كله، ويفرح بقيام الليل، وصلاة الضحى أكثر مما يفرح بأداء الفرائض، ثم يقع قبيل صلاة الفجر فتفوته الفريضة، أو يقوم فيتهيأ لها فتفوته الجماعة، أو يصبح كسلان فلا يقدر على الكسب لعائلته». (^٣)
وقال في تلبيس الشيطان على أهل الصيام: «وقد لبس على أقوام فحسن لهم الصوم الدائم، وذلك جائز إذا أفطر الإنسان الأيام المحرم صومها، إلا أن الآفة
_________________
(١) تلبيس إبليس (ص: ١٩٠).
(٢) تلبيس إبليس (ص: ١٩٧).
(٣) تلبيس إبليس (ص: ٢٠٠).
[ ٤٦ ]
فيه من وجهين:
أحدهما: أنه ربما عاد بضعف القوى فأعجز الإنسان عن الكسب لعائلته ومنعه من إعفاف زوجته، وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن لزوجك عليك حقا» (^١) فكم من فرض يضيع بهذا النفل.
والثاني: أنه يفوت الفضيلة؛ فإنه قد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أفضل الصيام صيام داود ﵊ كان يصوم يوما، ويفطر يوما (^٢)». (^٣)
وقد أطال الإمام ابن الجوزي في ذكر صور كثيرة من تلبيس الشيطان على العباد في هذا الباب مما يدل على أهمية ضبطه، والتفقه فيه.
كما ذكر الإمام ابن القيم ﵀ أن تلبيس الشيطان على العباد في هذه المسألة هي إحدى العقبات الست التي يصرف بها العباد عن الطاعة وعما يحب الله من العباد.
قال ﵀: «العقبة السادسة: وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها وحسنها في عينه، وزينها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسبا وربحا؛ لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب عن الأحب، وبالمرضي عن الأرضى له». (^٤)
وصدق والله هذان الإمامان الجليلان، فكم كاد الشيطان للإنسان في هذا
_________________
(١) أخرجه البخاري، الصحيح مع الفتح (٤/ ٢١٧) ح: (١٩٧٥)، ومسلم (٢/ ٨١٧٨١٨)، وهو جزء من وصية النبي ﷺ المشهورة لعبد الله بن عمرو ﵄.
(٢) قطعة من وصية النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو ﵄ وقد تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(٣) تلبيس إبليس ص: (٢٠٣ - ٢٠٤).
(٤) مدارج السالكين (١/ ٢٢٥).
[ ٤٧ ]
الباب، فإنا في كل يوم نشاهد من تلبيس الشيطان على كثير من أهل التعبد والرغبة في الخير ما لا يمكن وصفه، ويصعب حصره، وليس أدل على هذا من اشتغال كثير من طلبة العلم اليوم ناهيك عن غيرهم من الناس بالنوافل والسنن عن الوجبات، في باب العلم والعمل، وذلك كالتعمق في دراسة بعض المسائل الفرعية، التي لا تعدو أن تكون من فروض الكفايات في باب العلم، عن تعلم أوجب المسائل مما لا يتحقق الواجب إلا بها، كما هو الشأن في مسائل التوحيد، والطهارة، والصلاة، وغيرها من المهمات، وكذلك الإنحراف في باب العمل بالإنشغال ببعض السنن وفروض الكفايات عن تأدية الواجبات العينية، كاستغراق الوقت أو جلّه في الدعوة مثلا، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو كثرة الصيام، أو العكوف في المساجد، مع ما يصحب ذلك من تضييع حقوق الوالدين، أو الزوجة والأولاد، أو حقوق العمل، وغير ذلك من الأمثلة التي لا تخفى على متأمل لواقع حال كثير من الناس في هذا العصر، مما يتعين معه مراعاة هذا الجانب المهم، وإعطاؤه حقه من البحث والدراسة، وتوجيه الناس فيه كما فعل الأئمة السابقون نصحا للأمة، وإبراء للذمة. والله تعالى أعلم.
[ ٤٨ ]