تقدم من خلال البحث ذكر أسباب التفاضل بين الأعمال، باعتبارات كثيرة تزيد على العشرة، كما هو ظاهر من استعراض البحث.
وهاهنا سؤال مهم تتعين الإجابة عليه وهو: هل بالإمكان الجمع بين أنواع التفاضل كلها، وتحققها مجتمعة للعامل، أم أن هذا غير ممكن؟
والجواب على هذا أن اجتماع أسباب التفاضل كلها للعامل ممكن ومتصور، بل هذا هو الأصل الذي نُدِب إليه العباد في أعمالهم، بأن يحققوها على أحسن الأوجه وأكملها، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (^١) بل إن اجتماع كثير من أسباب التفاضل المذكورة في عمل واحد متصور ممكن، وذلك بأن يجتمع في العمل أن يكون فاضلا باعتبار جنسه، متعديا للخلق، كما يتحقق للعامل فيه قوة الإخلاص، وحسن المتابعة، مع تأديته له على وجه الاقتصاد والسداد، ولزوم المداومة، إلى غير ذلك من الأسباب المذكورة، التي يتصور اجتماعها في عمل واحد، فيزكو بقدر ما اجتمع فيه من أسباب التفاضل.
لكن ينبغي أن يقرر هنا أن إمكانية اجتماع أسباب التفاضل في حق العامل من حيث التقرير العلمي، والتصور الذهني، أو حتى تحققها في الخارج في بعض الأفراد: أن هذا لا يعني أن يكون هذا الحكم عاما في حق كل الأفراد، بل ولا في الغالب منهم؛ وذلك أن بعض أسباب التفاضل قد يتعذر تحقيقها مجتمعة لدى الكثير من الناس: إما قدرًا، أو شرعًا، فلا يكونون حينئذ مخاطبين بها، بل لابد لمن كانت هذه حاله، أن يرجح بين أسباب التفاضل، فيأخذ بالأقوى منها في
_________________
(١) الملك: من الآية ٢
[ ١٧٥ ]
التفضيل والأنسب لحاله.
ومن هنا كانت الحاجة ملحة لعقد هذا المبحث الخاتم للمقارنة بين أسباب التفاضل عند التزاحم.
ومدار البحث في هذه المسألة وقطب رحاها يبنى على النظر في أصلين:
الأول: الموازنة بين أسباب تفاضل الأعمال من حيث الإطلاق، وما الذي يقدم منها عند التزاحم.
الثاني: الموازنة بين أسباب تفاضل الأعمال في حق المعينين باعتبار تفاوت أحوالهم.
أما الأصل الأول: وهو الموازنة بين أسباب تفاضل الأعمال من حيث الإطلاق، فهذا الأصل مبناه على معرفة مراتب أسباب التفاضل بين الأعمال، وما الذي يقدم منها عند التزاحم من حيث الجملة. وذلك أنه تقدم في ثنايا البحث، أن الأعمال تتفاضل باعتبارات كثيرة، فإذا ما تعارض عملان فاضلان باعتبارين، كأن يفضل أحدهما باعتبار جنسه، والآخر باعتبار مكانه، أو يفضل أحدهما باعتبار المتابعة، والآخر باعتبار المداومة، فلابد والحالة هذه من الترجيح، للأخذ بالأفضل وتقديمه على المفضول المرجوح.
والموازنة بين أسباب تفاضل الأعمال والترجيح بينها، من أدق المسائل وأصعبها، وهي تحتاج للنظر في شعب كثيرة، ومسائل متنوعة، مع إلمام واسع بمقاصد الشرع، وأصول الدين.
قال الإمام المحقق ابن القيم ﵀: «فعلى المتكلم في هذا الباب، أن يعرف أسباب الفضل أولا، ثم درجاتها، ونسبة بعضها إلى بعض، والموازنة بينها ثانيا، ثم نسبتها إلى من قامت به ثالثا كثرة وقوة، ثم اعتبار تفاوتها بتفاوت محلها رابعا». (^١)
_________________
(١) بدائع الفوائد (١/ ١٤٠).
[ ١٧٦ ]
وقد اجتهد العلماء المحققون ﵏، في جمع شتات هذا الباب وتقريب أبعاده، بذكر بعض القواعد العامة في الموازنة بين أسباب التفاضل بين الأعمال، استنبطوها من النصوص الشرعية.
وسأذكر هنا جملة منها، لتكون عونا للناظر في هذا الباب بعد عون الله وتوفيقه. فمن هذه القواعد:
القاعدة الأولى: تقديم الواجبات على النوافل.
وذلك لأن تأدية الواجبات أفضل عند الله وأحبّ إليه من تأدية النوافل على ما تقدم تقريره في الفصل الثاني من هذا الكتاب (^١) فينبغي مراعاة هذا الأصل عند الترجيح بين الأعمال الفاضلة، فإذا ما حصل التزاحم بين عملين فاضلين، قدم ما كان تفضيله راجعا إلى الوجوب، على ما كان تفضيله راجعا إلى سبب آخر من الأسباب المتقدمة في تفاضل الأعمال.
يقول الشيخ السعدي ﵀ في (القواعد والأصول الجامعة): «القاعدة الثالثة والثلاثون: إذا تزاحمت المصالح قدم الأعلى منها، فيقدم الواجب على المستحب، والراجح من الأمرين على المرجوح ..». (^٢)
فإذا تعارض لدى العامل واجب عيني في حقِّه كطاعة والدٍ، أو ولي أمر، أو القيام على حقوق الزوجة والأولاد الواجبة، أو قيام الزوجة بحقوق زوجها، إذا تعارضت هذه الواجبات مع أعمال أخرى مستحبة في حق هذا العامل، فإن هذه الأعمال المستحبة لا تقدم على الحقوق الواجبة ولو كانت المستحبة هي أفضل باعتبار جنسها، أو تعديها للخلق، أو مصاحبتها لزمان، أو مكان فاضلين، إلى
_________________
(١) انظر ص: ٣٩ وما بعدها.
(٢) ص: ٦٦.
[ ١٧٧ ]
غير ذلك من أسباب التفضيل الأخرى.
وكذا ما قيل في المفاضلة بين الواجبات والنوافل، يقال في المفاضلة بين الواجبات نفسها؛ فإنها تتفاوت في قوّة الوجوب كما تقدم تقرير ذلك (^١) فيقدم الأوجب فالأوجب عند التزاحم.
ومن الأمثلة لتوظيف أهل العلم هذا الأصل في الترجيح بين الأعمال:
جواب شيخ الإسلام ابن تيمية لمن سأله: طلب القرآن أو العلم أفضل؟ فقال:
«أما العلم الذي يجب على الإنسان عينًا، كعلم ما أمر الله به، وما نهى الله عنه، فهو مقدم على حفظ ما لا يجب من القرآن؛ فإن طلب العلم الأول واجب، وطلب الثاني مستحب، والواجب مقدم على المستحب». (^٢)
ويقول الشيخ السعدي: «وكذلك يجب تقديم من تجب نفقته على من تستحب، وعلى الصدقة المستحبة، ويجب تقديم من تجب طاعته على من تستحب، وأمثلة تقديم الواجب على المستحب كثيرة جدا، ومن أمثلة تقديم أعلى الواجبين طاعة المرأة لزوجها، مقدمة على طاعة الأبوين». (^٣)
القاعدة الثانية: تقديم السنن الراتبة على السنن المطلقة.
وذلك لمكانة السنن الرواتب من الدين، وتأكيد الأئمة على أهمية التزامها، بل وذمهم من داوم على تركها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في جواب من سأله عن حكم من لا يواظب على السنن الرواتب: «من أصرّ على تركها، دلّ ذلك على قلّة دينه، وردتّ شهادته، في مذهب أحمد والشافعي وغيرهما». (^٤)
وقد نص بعض أهل العلم على تقديمها على السنن المطلقة، وعلى فضلها
_________________
(١) انظر ص: ٤٩ - ٥٣.
(٢) الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٣٤)، ومجموع الفتاوى (٢٣/ ٥٤).
(٣) القواعد والأصول الجامعة ص: ٦٧.
(٤) الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٥٩).
[ ١٧٨ ]
عليها.
يقول ابن عبد البر ﵀ في سياق حديثه عن ركعتي الفجر: «وآكد ما يكون من السنن، ما كان رسول الله ﷺ يواظب عليه، ويندب إليه ويأمر به». (^١)
ويقول ﵀: «وأعمال البر كلها مرغوب فيها، وأفضلها ما واظب رسول الله ﷺ منها (^٢)، وسنّها». (^٣)
ويقول الشيخ السعدي ﵀: «ويقدم [أي العبد] السنن الراتبة على السنن المطلقة» (^٤)
وهذا يقتضي تقديم السنن الرواتب قبل الصلوات وبعدها على غيرها من المستحبات، التي قد تكون أفضل باعتبار جنسها، كطلب علم، وتعليمه، وجهاد، أو تكون أفضل باعتبار تعدّيها كعموم الإحسان إلى الخلق وذلك لكون السنن الرواتب تفوت بفوات وقتها، والمداومة عليها مقصودة للشارع بخلاف غيرها فيمكن تحقيقها في غير هذا الوقت.
القاعدة الثالثة: تقديم وظائف الأوقات والأحوال في الأوقات والأحوال التي شرعت فيها على غيرها من العبادات.
وقرر هذا الأصل الإمام ابن القيم في سياق نقله الخلاف بين الناس في أفضل العمل، وذكر أن أصحاب هذا القول هم أهل التعبّد المطلق، وأن العمل بمقتضى هذا الأصل هو أفضل العمل.
قال ﵀: «الصنف الرابع قالوا: إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب
_________________
(١) التمهيد (٢٢/ ٧١).
(٢) هكذا في المصدر والذي يظهر أن الصواب «ماواظب عليه …» فسقطت كلمة «عليه» من السياق.
(٣) المصدر نفسه (٢٢/ ٧١).
(٤) القواعد الأصول الجامعة ص: ٦٧.
[ ١٧٩ ]
في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته. فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض، كما في حالة الأمن.
والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا: القيام بحقه والاشتغال به عن الورد المستحب. وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل. والأفضل في أوقات السحر: الاشتغال بالصلاة والقرآن، والدعاء، والذكر، والاستغفار، والأفضل في أوقات الأذان: ترك ما هو فيه من ورده والاشتغال بإجابة المؤذن، والأفضل في أوقات الصلوات الخمس: الجد والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه، والمبادرة إليها في أول الوقت، والخروج إلى الجامع وإن بَعُد كان أفضل، والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أو البدن أو المال الاشتغال بمساعدته، وإغاثة لهفته وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك ..
فالأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه ..» (^١)
ويدل على صحة تقرير هذا الأصل وجهان ظاهران في العلم:
الأول: أن الاشتغال بمقتضى وظيفة الوقت والحال هو الموافق لهدي النبي ﷺ، فقد ندب أمته في هذه الأوقات والأحوال إلى هذه الوظائف. فلا ينبغي أن تعارض هذه الوظائف بغيرها من الأعمال التي لم تُخَص بهذه الأوقات، فأُمِرنا عند سماع المؤذن بإجابته، وعند لقاء المسلم بالسلام عليه، وعند دخول المسجد والخروج منه، ودخول المنزل والخروج منه بأذكار مخصوصة، فلا ينبغي أن تعارض هذه الوظائف: بقراءة القرآن مثلًا، أو الذكر المطلق، أو غير ذلك من
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٨٨ - ٨٩).
[ ١٨٠ ]
الأعمال مما جاءت الأدلة بالترغيب فيها مطلقا.
الثاني: أن هذه الوظائف المقيدة بوقت وحال، تفوت بفوات وقتها وحالها، فلا يمكن تداركها بخلاف العبادات الأخرى المطلقة فإنها لا تفوت، ولهذا رجح شيخ الإسلام ابن تيمية الأذكار المشروعة في وقت أو حال، على قراءة القرآن، بالنظر لهذا المعنى.
قال ﵀: «إن قراءة القرآن أفضل من جنس الذكر من حيث الجملة، وإن كان هذا الكلام قد يكون أفضل من القراءة كما أن الشهادتين في وقت الدخول في الإسلام، أو تجديده، أو عندما يقتضي ذكرهما، مثل: عقب الوضوء، ودبر الصلاة، والأذان وغير ذلك، أفضل من القراءة.
وكذلك في موافقة المؤذن، فإنه إذا كان يقرأ وسمع المؤذن، فإن موافقته في ذكر الأذان أفضل له حينئذ من القراءة، حتى يستحب له قطع القراءة لأجل ذلك؛ لأن هذا وقت هذه العبادة يفوت بفوتها، والقراءة لا تفوت». (^١)
القاعدة الرابعة: تقديم الفضائل المتعلقة بذات العبادة على الفضائل المتعلقة بزمانها ومكانها.
وقد أشار إلى هذه القاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في سياق حديثه عن المفاضلة بين سماع قراءة الإمام في صف متأخر والصلاة في الصف الأول من غير سماع فقال: «ووقوف المأموم بحيث يسمع قراءة الإمام، وإن كان في الصف الثاني أو الثالث أفضل من الوقوف في طرف الصف الأول مع البعد عن سماع قراءة الإمام؛ لأن الأول صفة في نفس العبادة، فهو أفضل من صفة مكانها، كما رجحنا الرمل مع البعد في الطواف، على الدنو مع ترك الرمل». (^٢)
كما ذكر هذه القاعدة الشيخ ابن عثيمين ﵀ في سياق الترجيح بين الرمل في
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٣٩).
(٢) الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية جمع علاء الدين البعلي ص: ٧٦.
[ ١٨١ ]
الطواف أو القرب من الكعبة عند عدم التمكن من الجمع بينهما فقال: «فإن قال قائل إذا دار الأمر بين أن أرمل مع البعد عن الكعبة، وبين أن أمشي مع القرب فأيهما أقدم؟ الجواب قَدِّم الأول، فارمل ولو بعدت عن الكعبة؛ لأن مراعاة الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى، من المراعاة المتعلقة بزمانها أو مكانها، وهذه القاعدة لها أمثلة:
مثال ذلك لو أن رجلا حين دخل عليه وقت الصلاة وهو حاقن، أو بحضرة طعام، فهل الأولى أن يقضي حاجته، ويأكل طعامه، ولو أدى ذلك إلى تأخير الصلاة عن أول وقتها، أو العكس؟
الجواب: الأول. فهنا راعينا نفس العبادة دون أول الوقت؛ لأنه إذا صلى فارغ القلب، مقبلا على صلاته كانت صلاته أكمل.
مثال آخر: لو أن شخصا أراد أن يصلي في الصف الأول وحوله ضوضاء وتشويش، أو حوله رجل له رائحة كريهة، فهل الأولى أن يتجنب الضوضاء والرائحة الكريهة، ولو أدى ذلك إلى ترك الصف الأول. أو أن يصف في الصف الأول مع وجود التشويش؟ لا شك أن الأولى تجنب التشويش، وترك الصف الأول؛ لأن هذا يتعلق بذات العبادة». (^١)
وهذا مما يدل على ترجيح أسباب التفاضل المتعلقة بالإخلاص أوالمتابعة أوغيرهما من الأسباب المتعلقة بأصل العبادة، على الأسباب الخارجة عنها كالأسباب المتعلقة بالزمان أو المكان.
مثل أن يتزاحم عند العامل تأدية الصلاة من أولها في مسجد قريب مفضول،
_________________
(١) الشرح الممتع شرح زاد المستنقع (٧/ ٢٨٠).
[ ١٨٢ ]
أو تأديتها في مسجد فاضل مع فوات شيء منها، كما يسأل عن هذا بعض طلاب العلم في المدينة النبوية، وهل الأفضل تأدية الصلاة في مسجد النبي ﷺ مع فوات شيء منها، أو إدراك الصلاة من أولها في مسجد آخر من مساجد المدينة، فيترجح هنا:
تأدية الصلاة من أولها في مسجد آخر على الصلاة في مسجد النبي ﷺ مع فوات شيء منها وذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن إدراك الصلاة من أولها مأمور به على سبيل الوجوب، وإدراك الصلاة في مسجد النبي ﷺ مع إمكانية تأدية الجماعة في مسجد آخر مأمور به على سبيل الندب، ولا يتقدم المندوب على الواجب.
الوجه الثاني: وهو راجع إلى هذه القاعدة التي نحن بصددها وهو أن إدراك الصلاة في مسجد النبي ﷺ فضيلة راجعة إلى ذات العبادة، وإدراك الصلاة في مسجد النبي ﷺ فضيلة راجعة إلى مكان العبادة، فتترجح الفضيلة المتعلقة بذات العبادة، عن المتعلقة بمكانها.
ومن الأمثلة لهذا ممّا يتعلق بالزمان: تأدية الصلاة النافلة في النهار على وجه الكمال، تفضل على تأديتها في الليل مع التقصير، وإن كانت صلاة الليل أفضل من حيث الجملة. (^١)
لكن لما تعارضت هنا فضيلتان تقدّمت الفضيلة المتعلّقة بذات العبادة وهي أداء الصلاة على وجه الكمال، على الفضيلة المتعلقة بالزمان والله أعلم.
القاعدة الخامسة: إذا تساوى عملان أو أكثر في الفضل، أو رجح أحدهما على الآخر، فالأفضل هو الجمع بين هذه الأعمال، دون المداومة على أحدها وترك الآخر.
وهذه مسألة مهمة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهي تصلح أن تكون
_________________
(١) تقدم تقرير هذه المسألة ص: ١٩٨ - ٢٠٣ من هذا الكتاب.
[ ١٨٣ ]
قاعدة في باب المفاضلة بين الأعمال.
قال ﵀: «والسلف كان كل منهم يقرأ ويصلي، ويدعو، ويذكر على وجه مشروع، وأخذ ذلك الوجه عنه أصحابه، وأهل بقعته، وقد تكون تلك الوجوه سواء، وقد يكون بعضها أفضل …
لكن هنا مسألة تابعة، وهو أنه مع التساوي أو الفضل أيما أفضل للإنسان المداومة على نوع واحد من ذلك، أو أن يفعل هذا تارة، وهذا تارة كما كان النبي ﷺ يفعل، فمن الناس من يداوم على نوع من ذلك مختارًا له، أو معتقدا أنه أفضل، ويرى أن مداومته على ذلك النوع أفضل، وأما أكثرهم فمداومته عادة ومراعاة لعادة أصحابه وأهل طريقته، لا لاعتقاد الفضل.
والصواب أن يقال: التنوع في ذلك متابعة للنبي ﷺ؛ فإن في هذا اتباعا للسنة والجماعة، وإحياء لسنته، وجمعًا بين قلوب الأمة، وأخذًا بما في كل واحد من الخاصة أفضل من المداومة على نوع معين لم يداوم عليه النبي ﷺ لوجوه». (^١)
ثم ذكر في ذلك وجوها سبعة ملخصها:
الأول: أن في هذا إتباع السنة والتأسي بالنبي ﷺ.
الثاني: أن ذلك يوجب اجتماع قلوب الأمة وائتلافها وزوال التفرّق والإختلاف.
الثالث: أن ذلك يخرج الجائز المسنون عن أن يشبه بالواجب فالمداومة على المستحب أو الجائز مشبهة بالواجب.
الرابع: أن في ذلك تحصيل مصلحة كلَّ واحد من تلك الأنواع فإنّ كلَّ نوع لابد له من خاصة.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٤٦ - ٢٤٧).
[ ١٨٤ ]
الخامس: أن في ذلك وضعًا لكثير من الآصار والأغلال التي وضعها الشيطان على الأمة بلا كتاب من الله.
السادس: أن في المداومة على نوع دون غيره هجران لبعض المشروع ونسيانه والإعراض عنه.
السابع: أن الشارع إذا كان قد سوّى بين عملين كان تفضيل أحدهما من الظلم العظيم، وإذا فضل بينهما كانت التسوية كذلك (^١).
والمقصود هنا بيان أن تنويع العبادة والتقرب إلى الله بكل الأنواع المشروعة، أفضل من الاقتصار على بعضها وترك غيرها.
وهذا هو حقيقة العبودية الكاملة، وذلك أن الإيمان شعب كما دلت على ذلك النصوص ولا يتحقق الكمال في الإيمان إلا باستكمال شعبه كلها، كما قال عمر بن عبد العزيز: «إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان». (^٢)
ومع هذا فلا ينبغي أن يفهم من هذا التقعيد هنا، التهوين من شأن المداومة على بعض أعمال البر، التي جاءت السنة بالمداومة عليها، فقد تقدم في ما مضى من البحث أن المداومة على العمل من أعظم أسباب التفاضل بين الأعمال، كما دلت على ذلك النصوص وأقوال أهل العلم. (^٣)
وإنما التحذير هنا هو من الانقطاع إلى عمل واحد، أو أكثر والمداومة عليها، مع ترك غيرها من أعمال البر، لا المداومة المشروعة على بعض الأعمال التي كان النبي ﷺ يداوم عليها؛ فإن هذه المداومة لا تتنافى مع التقرب إلى الله بغيرها من
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٤٨٢٥١).
(٢) ذكره البخاري معلقا. صحيح البخاري مع الفتح (١/ ٤٥).
(٣) انظر ص: ١٠١ وما بعدها.
[ ١٨٥ ]
شعب الإيمان وأعمال البرّ، كما كان على ذلك النبي ﷺ وأصحابه ومن سار على طريقهم من سلف الأمة الصالح.
ولهذا صرح شيخ الإسلام في كلامه السابق بأن التنويع في العمل أفضل من المداومة على نوع معين، لم يداوم عليه النبي ﷺ، فاستثنى ما كان يداوم عليه النبي ﷺ من المداومة المفضولة هنا، وهي ما كانت راجعة إلى محض اختيار العامل معتقدا فضلها، أو مقلدا فيها غيره كما نبه عليه شيخ الإسلام في عرض كلامه.
وقد تقدم في فصل (تفاضل الأعمال باعتبار المداومة) بيان مراتب الأعمال من حيث المداومة وعدمها على ضوء النصوص الشرعية فلتراجع في موضعها.
القاعدة السادسة: إذا تقابل عملان أحدهما ذو شرف في نفسه والأخر ذو تعدد وكثرة فأيهما يقدم؟
ذكر هذه القاعدة الإمام ابن رجب رحمه في تقرير القواعد فقال:
«القاعدة السابعة عشرة: إذا تقابل عملان: أحدهما ذو شرف في نفسه ورفعة وهو واحد، والآخر ذو تعدد في نفسه وكثرة، فأيهما يرجح؟
ظاهر كلام أحمد ترجيح الكثرة. ولذلك صور:
أحدها: إذا تعارض صلاة ركعتين طويلتين، وصلاة أربع ركعات في زمن واحد، فالمشهور أن الكثرة أفضل. وحكي عن أحمد رواية أخرى بالعكس، وحكي عنه رواية ثالثة بالتسوية.
والثانية: أهدى بدنة سمينة بعشرة، وبدنتين بعشرة أو بأقل.
قال ابن منصور: قلت لأحمد: بدنتان سمينتان بتسعة، وبدنة بعشرة. قال: ثنتان أعجب إلي، ورجح الشيخ تقي الدين تفضيل البدنة السمينة وفي سنن أبي داود حديث يدل عليه (^١).
_________________
(١) قال محقق الكتاب الشيخ مشهور بن حسن (١/ ١٣٢): «يشير المصنف إلى ما أخرجه أبو داود في السنن (كتاب الضحايا باب ما يستحب من الضحايا رقم: ٢٧٩٦) … عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ ضحى بكبش أقرن فحيل يأكل في سواد، ويشرب في سواد. وإسناده صحيح على شرط مسلم».
[ ١٨٦ ]
والثالثة: رجل قرأ بتدبر وتفكر سورة، وآخر قرأ في تلك المدة سورًا عديدة.
قال أحمد في رواية جعفر بن أحمد بن أبي قيماز، وقد سئل أيما أحب إليك: الترسل أو الإسراع؟ قال: أليس قد جاء بكل حرف كذا وكذا حسنة؟ قالوا له: في السرعة؟ قال: إذا صور الحرف بلسانه ولم يسقط من الهجاء.
وهذا ظاهر في ترجيح الكثرة على التدبر.
ونقل عنه حرب: أنه كره السرعة، إلا أن يكون لسانه كذلك لا يقدر أن يترسل.
وحمل القاضي الكراهة على إذا لم يبين الحروف ..» (^١) إلى آخر ما ذكر من الأوجه.
والحاصل أنه يتنازع المسألة هنا سببان من أسباب التفضيل، أحدهما: يرجع إلى تحسين العمل وإتقانه، وآخر يرجع إلى كثرته وتعدده.
والعلماء في المفاضلة بين النوعين على مذاهب:
فمنهم من مال إلى التوقف في أصل المفاضلة بين النوعين، ذاهبا إلى أنه: كما أن التفاضل غير ممتنع، فكذلك التساوي في الفضل وارد، باعتبار أن لكل عمل جهة فضل يختص بها، وهذا ظاهر كلام ابن حجر ﵀ في المفاضلة بين الإسراع والترتيل في القراءة.
قال ﵀: «والتحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل، بشرط أن يكون المسرع لا يخل بشيء من الحروف، والحركات، والسكون الواجبات، فلا يمتنع أن يفضل أحدهما الآخر، وأن يستويا؛ فإن من رتل وتأمل كمن تصدق
_________________
(١) تقرير القواعد وتحرير الفوائد لابن رجب (١/ ١٣٠١٣٤).
[ ١٨٧ ]
بجوهرة واحدة مثمنة، ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر لكن قيمتها قيمة الواحدة، وقد تكون الواحدة أكثر من قيمة الأخريات وقد تكون بالعكس». (^١)
وحقيقة هذا القول: التوقف في المفاضلة بين النوعين وعدم الترجيح، بل التوقف في ثبوت التفاضل بينهما من أصله.
وما ذهب إليه ابن حجر من احتمال التساوي في الفضل: وجهه أنّ كل عمل يختص بخصيصة ليست موجودة في الآخر، فاحتمال مقاومة كل واحدة من الخصيصتين للأخرى في الفضل متصور، وبالتالي يتساوى العملان.
وإلى هذا أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في سياق حديثه عن أسباب التفاضل بين الأعمال من حيث العموم فقال: «وكثير ممّا تتنازع الطوائف من الأمة في تفاضل أنواعه لايكون بينها تفاضل، بل هي متساوية، وقد يكون مايختص به أحدهما مقاوما لما يختص به الآخر …» (^٢).
ومن العلماء من رجّح كل واحد من النوعين باعتبار فقال: «إن ثواب قراءة الترتيل أجل قدرا، وثواب الكثرة أكثر عددًا؛ لأن بكل حرف عشر حسنات» نقله ابن الجزري عن بعض الأئمة مستحسنًا له. (^٣)
ومحصل هذا القول هو الرجوع إلى أصل المسألة، وهو أن كل واحد من النوعين يفضل باعتبار، ولا يزال التساؤل واردا على أصحاب هذا القول في أي العملين أرجح؟ وما الذي يقدم منهما عند العمل؟.
ومن أهل العلم من سلك مسلك الترجيح والمفاضلة بين النوعين، ثم اختلفوا في الراجح:
_________________
(١) فتح الباري (٩/ ٨٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٥٢).
(٣) انظر النشر في القراءات العشر لابن الجزري (١/ ١٦٦).
[ ١٨٨ ]
فمنهم من رجح الكثرة، وهو الظاهر من مذهب أحمد كما نقله ابن رجب سابقا.
ومنهم من رجح حسن العمل في نفسه وإن قل، ونقله ابن رجب عن شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض صور المسألة على ماتقدم.
وهذا القول هو الراجح إن شاء الله، وهو قول جمهور أهل العلم من السلف والخلف حكى ذلك عنهم بعض المحققين في صورة التلاوة.
قال النووي: «واتفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع، قالوا: وقراءة جزء بترتيل، أفضل من قراءة جزئين في قدر ذلك الزمان بلا ترتيل». (^١)
وقال ابن الجزري في (النشر): «وقد اختلف في الأفضل هل الترتيل وقلة القراءة، أو السرعة مع كثرة القراءة .. والصحيح بل الصواب، ما عليه معظم السلف والخلف، وهو أن الترتيل مع قلة القراءة أفضل». (^٢)
وقال المناوي: «ولو تعارض الإسراع والترتيل روعي الترتيل عند الجمهور». (^٣)
وترجيح هذا القول من عدة أوجه:
الأول: أنه هو الذي تعضده ظواهر النصوص كما في قوله تعالى: ﴿الَذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (^٤).
ففي الآية الترغيب في تحسين العمل، لا في كثرته ولذا قال محمد بن عجلان في تفسير الآية: «لم يقل أكثر عملا» (^٥)
_________________
(١) المجموع (٢/ ١٨٨).
(٢) النشر في القراءات العشر (١/ ١٦٥).
(٣) فيض القدير (٢/ ٦١).
(٤) سورة الملك: من الآية ٢
(٥) ذكره ابن كثير في تفسيره (٨/ ١٧٦).
[ ١٨٩ ]
وكذلك ما جاء في حديث عثمان بن عفان ﵁ المتفق على صحته من الترغيب في صلاة ركعتين لا يحدث فيهما المصلي نفسه، على ما تقدم في فصل (التفاضل باعتبار المتابعة) (^١) وهذا ترغيب في تحسين العمل ولم يرد مثله في الكثرة.
الثاني: أن هذا القول هو المنقول عن بعض الصحابة وبعض السلف: فعن أبي جمرة الصنيعي قال: قلت لابن عباس: إنّي سريع القراءة إني أقرأ القرآن في ثلاث فقال: «لأن أقرأ البقرة في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحبّ إليّ من أن أقرأ كما تقول». (^٢)
وفي رواية أخرى عنه قال: «لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إليّ من أن أقرأ القرآن كله». (^٣)
وفي سنن الدارمي عن علي ﵁ أنّه قال: «إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فهم فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها». (^٤)
وعن مجاهد أنه قال: «أحبّ النّاس في القراءة إلى الله أعقلهم عنه». (^٥)
وعنه أنه سئل عن رجلين قرأ أحدهما البقرة وآل عمران، والآخر البقرة وحدها، وزممنهما وركوعهما وسجودهما واحد سواء، فقال: «الذي قرأ البقرة وحدها أفضل». (^٦)
والآثار في هذا المعنى كثيرة عن السلف وهي تدل على ترجيحهم التدبر
_________________
(١) انظر ص: ٧٠.
(٢) أخرجه الآجري في أخلاق حملة القرآن (ص: ٨٢).
(٣) أوردها النووي في التبيان في آداب حملة القرآن (١/ ٤٥).
(٤) أخرجه الدارمي في سننه (١/ ١٠١).
(٥) ذكره القرطبي في تفسيره (١٩/ ٣٨).
(٦) أورده النووي في التبيان (١/ ٤٥).
[ ١٩٠ ]
والترتيل، على الإسراع وكثرة القراءة، وهي ما بين صريحة في هذا، أو ظاهرة الدلالة عليه.
الثالث: أن ترجيح تحسين العمل على الكثرة والتعدد هو الذي تقتضيه الأصول الشرعية في باب المفاضلة. كما تقدم في القاعدة الرابعة: (أن الفضائل المتعلقة بذات العبادة مقدمة على الفضائل الخارجة عنها) فالفضل في تحسين العمل كالإطالة في الصلاة. والتدبر في التلاوة، راجع إلى ذات العبادة، والفضل في تعدد الركعات وكثرة القراءة راجع إلى سبب خارج عن ذات العبادة، فمن هنا ترجح القول بتقديم تحسين العمل مع الانفراد، على الكثرة والتعداد والله تعالى أعلم.
فمن خلال هذه القواعد يتمكن الباحث والناظر في هذا الباب من الإلمام بمراتب الفضل وما الذي يقدم منها أو يؤخر، ومن ثم الترجيح بين أسباب التفاضل بين الأعمال، والأخذ بالأرجح فالأرجح منها. وبه يتحقق الأصل الأول للناظر في هذا الباب والمتمثل في الموازنة بين أسباب التفاضل على وجه الإجمال.
وأما الأصل الثاني: وهو الموازنة بين أسباب تفاضل الأعمال في حق المعينين.
فتراعى فيه أحوال المعينين وأفراد الناس، وما يناسب حال كل واحد منهم من الأعمال، فلا يلزم من كون العمل فاضلا من حيث الجملة، أن يكون هذا حكمه في حق كل أحد، بل قد يكون العمل المفضول من حيث الجملة، أفضل ممن هو أشرف منه في حق بعض الناس.
ومثال ذلك تعلم العلم، وتعليمه، ونشره بين الناس، مقدم من حيث الجملة على الجهاد في سبيل الله. (^١)
لكن بالنظر إلى أحوال المعينين قد يكون الجهاد في سبيل الله أفضل، في حق
_________________
(١) تقدم تقريره عن أكثر أهل العلم انظر الصفحات: ٢٨ - ٣٠.
[ ١٩١ ]
القادرين الذين يضعفون عن العلم، بل هو أفضل في حق من لا يتحقق أمر الجهاد إلا بهم، أو يعظم بلاؤهم فيه حتى مع القدرة على العلم. فيراعى في هذا الجانب، حال العامل في نفسه والأحوال العامة المؤثرة في ترجيح عمل على آخر، بحسب ما يتحقق بذلك من المصالح العامة والخاصة.
ومن هنا يظهر الفرق بين الأصل الأول، والذي مدار البحث فيه على النظر المجرد للعمل ودرجته في الفضل من حيث الجملة على ما تقدم في البحث وبين هذا الأصل الذي تراعى فيه أحوال العاملين عند المفاضلة بين الأعمال في حقهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مقررا هذا الأصل:
«وهنا أصل ينبغي أن نعرفه: وهو أن الشيء إذا كان أفضل من حيث الجملة، لم يجب أن يكون أفضل في كل حال، ولا لكل أحد، بل المفضول في موضعه الذي شرع فيه، أفضل من الفاضل المطلق. وكذلك أكثر الناس يعجزون عن أفضل الأعمال، فلو أمروا بها لفعلوها على وجه لا ينتفعون به، أو ينتفعون انتفاعا مرجوحا، فيكون في حق أحد هؤلاء العمل الذي يناسبه وينتفع به أفضل له مما ليس كذلك». (^١)
ويقول في موطن آخر: «وقد يكون العمل المفضول أفضل بحسب حال الشخص المعين، لكونه عاجزا عن الأفضل، أو لكون محبته ورغبته واهتمامه وانتفاعه بالمفضول أكثر، فيكون أفضل في حقِّه، لما يقترن به من مزيد عمله وحبه وإرادته وانتفاعه، كما أن المريض ينتفع بالدواء الذي يشتهيه ما لا ينتفع بما لا يشتهيه، وإن كان جنس ذلك أفضل». (^٢)
ويقول أيضا: «وقد يكون بعض الناس انتفاعه بالمفضول أكثر بحسب حاله، إما لاجتماع قلبه عليه، وانشراح صدره له، ووجود قوته له، مثل من يجد ذلك في الذكر أحيانًا دون القراءة، فيكون العمل الذي أتى به على الوجه الكامل، أفضل في حقه من
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٣٦).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٩٨).
[ ١٩٢ ]
العمل الذي يأتي به على الوجه الناقص، وإن كان جنس هذا أفضل، وقد يكون الرجل عاجزا عن الأفضل، فيكون ما يقدر عليه في حقه أفضل له، والله أعلم». (^١)
وبناءً على هذا فينبغي لكل فرد مراعاة عدة جوانب عند تزاحم الأعمال في حقِّه:
فيراعى منزلة العمل بالنسبة له فيقدم ما كان واجبا في حقه على غيره من النوافل (^٢) دون النظر إلى مراتب هذه الأعمال من حيث التفضيل العام، فقد يكون ما هو واجبٌ في حقّه مرجوحًا مفضولا من حيث العموم، كأن يتزاحم الجهاد في سبيل الله أو طلب العلم النفل في حقه، مع ما هو دون هذين العملين من حيث الجملة، كاشتغاله بتربية أولاد، أو إنفاق على زوجة، أو صلة قريب، فيقدم هذه الواجبات العينية على الجهاد في سبيل الله أو طلب العلم النفل، وإن كان الجهاد وطلب العلم أفضل من حيث العموم.
فإذا تساوى العملان في درجة المشروعية، بأن كان كلاهما واجبا، أو كلاهما نفلًا، قدم أوجب الواجبين، وآكد النفلين في حقه على ما تقدم تقرير ذلك. (^٣)
فإذا تساويا في المرتبة نظر في مدى قدرته على كل واحد منهما، فيقدم ما يقدر على أدائه على ما يعجز عنه، وإن كان المقدور عليه دون ذلك في التفضيل العام، على ما قرره شيخ الإسلام في كلامه السابق. والمقصود بالعجز هنا ما كان موجبًا للكلفة والمشقة لا العجز التام عن العمل (^٤) فليس هذا محل البحث هنا. فإذا تساويا في القدرة نظر في مدى تمكنه
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٣٧)، ومجموع الفتاوى (٢٣/ ٦٣)، وانظر أيضا مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٢٨، ٢٢/ ٣٠٩، ٢٣/ ٥٨).
(٢) انظر تقرير هذه المسألة ص: ٣٩ وما بعدها، وص: ٢١٤ - ٢١٦.
(٣) انظر تقرير هذه المسألة ص: ٢١٤ - ٢١٧.
(٤) انظر تقرير هذه المسألة ص: ١٢٥ - ١٢٦.
[ ١٩٣ ]
من تأديتهما على وجه الكمال. فيقدم ما أمكنه تأديته على وجه الكمال، على ما أداه على وجه النقص والتقصير. (^١)
فإن تساويا في كل ما تقدم قدم الأفضل من حيث الجملة، على ضوء ما تقدم تقريره من الأصول والقواعد المقررة في الأصل الأول.
ومن خلال هذا العرض يتبين للقارئ والناظر في هذا الباب الضوابط الشرعية، والقواعد الكلية، للموازنة بين أسباب تفاضل الأعمال، وكيفية الترجيح بينها، وما الذي يقدم منها ويؤخر عند التزاحم، على ضوء النصوص الشرعية وأقوال الأئمة.
والله تعالى أعلم وهو الهادي لكل خير وفضل.
_________________
(١) انظر تقرير هذا الأصل ص: ١٩٨ - ٢٠٣.
[ ١٩٤ ]