من أنواع التفاضل بين الأعمال التي دلت عليها النصوص اقترانها ببعض الأحوال المؤثرة في زيادة أجرها أو مضاعفته.
ويمكن تقسيم هذه الأحوال من حيث الجملة إلى قسمين رئيسين:
أحوال عامة، وأحوال خاصة.
فالعامة: هي الأحوال المتعلقة بعامة الناس في عصر من العصور أو مصر من الأمصار، ويندرج تحت هذا القسم عدة أحوال دلت النصوص على تأثيرها في تفضيل الأعمال المصاحبة لها، ومن هذه الأحوال:
أولًا: حال فساد الناس وظهور الفتن.
فقد دلت الأحاديث على تفضيل العمل في هذه الحال كما أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء». (^١)
وأخرج الطبراني من حديث سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ سئل بعد ذكر الحديث «ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس». (^٢)
ففي الحديث الثناء على الغرباء الذين وصفهم النبي ﷺ بأنهم يصلحون إذا أفسد الناس، أي يعملون بالدين، ويتقربون بصالح الأعمال، إذا ترك الناس
_________________
(١) أخرجه مسلم ١/ ١٣٠ ح (١٤٥).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط ٤/ ٦٥ ح (٣٠٨٠) وأخرجه الهيثمي في المجمع وصححه ٧/ ٢٧٨، وللحديث عدة شواهد من حديث عبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، وحكم الألباني بصحة أسانيدها، انظر الأحاديث الصحيحة ٣/ ٢٦٧ ح (١٢٧٣).
[ ١٥٥ ]
العمل وظهر فيهم الفساد، وهذا متضمن تفضيل عملهم في هذه الحال، على غيره من الأعمال التي لم تصحبها.
ومن الأدلة لهذه المسألة أيضًا قوله ﷺ لأصحابه: «إن من ورائكم أيام الصبر، المتمسك فيهن يومئذ مثل ما أنتم عليه، له كأجر خمسين منكم قالوا: يا نبي الله! أو منهم؟ قال: بل منكم». (^١)
فأخبرهم أن للعامل في هذه الأيام أجر خمسين منهم، على أنه لا يفهم من هذا تفضيل هؤلاء العاملين في تلك الأزمان على أصحاب النبي ﷺ؛ إذ الصحبة فضيلة في ذاتها لا يبلغها أحد بعمله كما هو مقرر عند المحققين من أهل السنة (^٢)، ولذا أخبر النبي ﷺ أن الله يعطي هؤلاء العاملين أجر خمسين من الصحابة، ولم يقل إنهم أفضل منهم، لكن في هذا الحديث دلالة على مضاعفة أجر العاملين في أزمان الفتن على العاملين في غيرها.
وهذا من الأوجه التي يظهر بها فضل العمل في أزمان الفتن على غيرها، وهو معنى زائد على التفضيل فقط المفهوم من الحديث السابق.
فإن المفاضلة بين الأعمال تحصل بتفضيل عمل على آخر دون مضاعفة للأجر، وتحصل بمضاعفة أجره مرات عديدة، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا عند الحديث عن التفاضل باعتبار الأمكنة. (^٣)
فظهر بهذا شرف العمل في أزمان الفتن وفساد الناس من هذين الوجهين الصحيحين، وقد يضاف لهما وجه ثالث وهو ما دل عليه الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم من حديث معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: «العبادة في
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط ٤/ ١٠٠ ح (٣١٤٥) وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (٤٩٤).
(٢) انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ٤/ ٥٢٧ وفتح الباري لابن حجر ٧/ ٧.
(٣) انظر ص: ١٧٥.
[ ١٥٦ ]
الهرج كهجرة إليَّ». (^١)
فجعل للعامل في الهرج وهي «الفتن واختلاط أمور الناس» (^٢) أجر المهاجر إليه، وهذا وجه آخر من الأوجه التي يشرف بها العمل بأن يعطى العامل أجره كأنما عمل مع النبي ﷺ، وله من المعاني والترغيب في الأجر وحفز الهمم غير ما يحصل بالمعنيين المتقدمين.
والمقصود هنا بيان فضل العمل في حال الفتن على العمل في غيرها من هذه الأوجه الصحيحة كلها على ما دلت عليه الأحاديث السابقة والله تعالى أعلم.
ثانيا: أحوال غفلة الناس.
فقد جاءت النصوص بالترغيب في العمل فيها على ما جاء في حديث أسامة بن زيد ﵁ وفيه قال قلت: «يا رسول الله ولم أرك تصوم من شهرين ما تصوم من شعبان قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر يرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». (^٣)
قال ابن رجب ﵀ وفي قوله: «يغفل الناس عنه بين رجب ورمض ٠ ان، إشارة إلى أن بعض ما يشتهر فضله، من الأزمان، أو الأماكن، أو الأشخاص، قد يكون غيره أفضل منه، إما مطلقًا، أو الخصوصية، فيه لا يتفطن لها أكثر الناس، فيشتغلون بالمشهور عنه ويفوتون تحصيل فضيلة ما ليس بمشهور عندهم.
وفيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب لله ﷿، كما كان طائفة من السلف يستحبون إحياء ما بين العشائين بالصلاة، ويقولون: هي ساعة غفلة، وكذلك فضل القيام في وسط الليل، لشمول الغفلة لأكثر الناس فيه عن الذكر …
_________________
(١) صحيح مسلم ٤/ ٢٢٦٨ ح (٢٩٤٨).
(٢) انظر شرح صحيح مسلم للنووي ١٨/ ٨٨.
(٣) تقدم تخريجه والحكم عليه ص: ١٥٦.
[ ١٥٧ ]
ولهذا ورد في فضل الذكر في الأسواق ما ورد من الحديث المرفوع والآثار الموقوفة، حتى قال أبو صالح (إن الله ليضحك ممن يذكره في السوق) وسبب ذلك أنه ذكرٌ، في موطن الغفلة، بين أهل الغفلة». (^١)
ثم ذكر الحافظ ابن رجب ﵀ فوائد العمل في أوقات الغفلة وخصائصه فذكر منها:
١ - أنه يكون أخفى وإخفاء النوافل وإسرارُها أفضل.
٢ - أنه أشق على النفوس وأفضل الأعمال أشقها على النفوس (^٢)، وسبب ذلك أن النفوس تتأسى بما تشاهده من أحوال أبناء الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم، كثر أهل الطاعة، لكثرة المقتدين بهم، فسهلت الطاعات، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم الناس، فيشق على نفوس المتيقظين طاعاتهم لقلة المقتدين بهم فيها.
٣ - أن المنفرد بالطاعة بين أهل المعاصي والغفلة قد يُدْفع به البلاء عن الناس كلهم، فكأنه يحميهم ويدافع عنهم … قال بعض السلف: ذاكر الله في الغافلين كمثل الذي يحمي الفئة المنهزمة، ولولا من يذكر الله في غفلة الناس لهلك الناس. (^٣)
ثالثًا: الأحوال التي تعظم فيها حاجة المسلمين إلى بعض الأعمال، ولا تتحقق مصالحهم الدينية أو الدنيوية إلا بها.
فتفضل هذه الأعمال في تلك الأحوال لعظم الحاجة إليها.
كالإنفاق على المسلمين ومصالحهم في حال الفاقة والعسر على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿أَوْ
_________________
(١) لطائف المعارف ٢٥١، ٢٥٢.
(٢) تقدم تقرير هذه المسألة، وبيان وجه الجمع بينها وبين ما دلت عليه النصوص، من كون أفضل الأعمال ما كان على وجه الاقتصاد والتيسير انظر ص: ١٣٠ - ١٣٥ من هذا الكتاب.
(٣) انظر لطائف المعارف ص ٢٥٢ - ٢٥٥.
[ ١٥٨ ]
إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾. (^١)
قال القرطبي في تفسير الآية: «إطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل». (^٢)
وكالقيام على خدمة المسلمين عند حاجاتهم لذلك، فهو أفضل الأعمال وأعظمها أجرًا عند الله، كما دل على ذلك حديث أنس في الصحيحين: قال: «كنا مع النبي ﷺ أكثرنا ظلًا الذي يستظل بكسائه، وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئًا، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا فقال النبي ﷺ ذهب المفطرون اليوم بالأجر». (^٣)
فأخبر النبي ﷺ عن فضل عمل المفطرين على الصائمين لقيامهم بالخدمة التي اشتدت إليها الحاجة وعجز الصوام عنها.
قال أبو العباس القرطبي في شرح عبارة: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر): «يعني أنهم لما قاموا بوظائف ذلك الوقت، وما يُحتاج إليه فيه، كان أجرهم على ذلك أكثر من أجر من صام ذلك اليوم، ولم يقم بتلك الوظائف». (^٤)
وهكذا كل عمل يحتاج إليه المسلمون وتتحقق بهم مصالحهم في وقت من الأوقات، فالاشتغال به مقدم على غيره، وهو أفضل في حق أهل ذلك الزمان، وهذا ما أشار إليه ابن مسعود في قوله مخاطبًا أصحابه: «إنكم أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه، قليل سائلوه كثير معطوه، العمل فيه خير من العلم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير خطباؤه، قليل معطوه، كثير سائلوه، العلم فيه خير من العمل». (^٥)
_________________
(١) سورة البلد (١٤).
(٢) تفسير القرطبي ٢٠/ ٧٠.
(٣) تقدم تخريجه ص: ١٨٢.
(٤) المفهم ٣/ ١٨٢.
(٥) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، الأدب المفرد مع شرحه فضل الله الصمد ٢/ ٢٥٨ برقم (٧٨٩) وعبد الرزاق في المصنف ٢/ ٣٨٢ برقم (٣٧٨٧) وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله مرفوعًا للنبي ﷺ ١/ ١١٤ ح (١٠٣) والصحيح وقفه على ابن مسعود ﵁ انظر حاشية جامع بيان العلم بتحقيق أبي الأشبال الزهيري.
[ ١٥٩ ]
فأخبر أن الاشتغال بالعمل في زمن انتشار العلم أفضل من العلم، لاكتفاء الناس بما عندهم من العلم وقلة سائليه، وإنما هم محتاجون للعمل، وان الاشتغال بالعلم في حال قلته وضعفه، أفضل من العمل، لحاجة الناس إلى العلم وكثرة سائليه، فبين أن الأفضل لكل أهل زمان هو الاشتغال بما تدعوا الحاجة إليه.
ويقول الإمام المحقق ابن القيم في تقرير هذا الأصل: «فأفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت، بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل، وصيام النهار، بل ومن ترك تمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن، والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا: القيام بحقه، والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك أداء حقوق الزوجة والأهل … والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أوالبدن أو المال، الاشتغال بمساعدته، وإغاثة لهفته، وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم، أو موته، عيادته وحضور جنازته وتشييعه، وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك والأفضل في وقت نزول النوازل وأذاة الناس لك: أداء واجب الصبر مع خلطتك بهم دون الهروب منهم، فإن المؤمن الذي يخالط الناس ليصبر على أذاهم، أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه». (^١)
وهذا كله مما يتعلق بالأحوال العامة للأمة.
وأما الأحوال الخاصة المتعلقة ببعض الأفراد دون بعض والتي دلت
_________________
(١) مدارج السالكين ١/ ٨٨، ٨٩.
[ ١٦٠ ]
النصوص على تفضيل الأعمال المصاحبة لها فكثيرة ومنها:
١ - الأحوال التي تضعف معها دواعي الاستقامة وتقوى أسباب المخالفة، فتفضل الأعمال الصالحة في هذه الحالة على غيرها.
ومن أصحاب هذه الحالة الذين تحققت فيهم صورتها بعض الأصناف السبعة الذين ورد في الحديث أن الله يظلهم في ظله، يوم لا ظل إلا ظله (^١) وهم: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله.
فهؤلاء شرفت طاعتهم، وفضل عملهم، لاستقامتهم على الطاعة، مع قوة الدافع إلى المخالفة في حقهم.
فدافع الظلم لدى السلطان قوي لقدرته عليه وكثرة المعينين له عليه، خصوصًا إذا صاحب ذلك تزيين الظلم للإمام من بطانة السوء، وتهوينه عليه وإغرائه بالمظلومين وأنهم مستحقون لذلك، فلزوم العدل في هذه الحالة، وترك الظلم من الإمام دليل على قوة الإيمان والمراقبة لله، وأن الحامل له على ذلك تقوى الله، بخلاف غير الإمام فلربما كان تنزهه عن الظلم لأسباب أخرى، من عجز أو خشية عقوبة دنيوية، أو تسلط مظلوم وانتقامه.
وكذا الشاب فدافع المعصية فيه أقوى، لقوة البدن، وغلبة الشهوة، وعدم اكتمال العقل، فنشأته على الطاعة ومغالبة الهوى دليل على قوة الإيمان والمراقبة لله قال ابن حجر: «خص الشاب لكونه مظنة غلبة الشهوة، لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى، فإن ملازمة العبادة مع ذلك أشد وأدل على غلبة التقوى». (^٢)
_________________
(١) انظر الحديث في صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ١٤٣ ح (٦٦٠) وصحيح مسلم ٢/ ٧١٥ ح (١٠٣١).
(٢) فتح الباري ٢/ ١٤٥.
[ ١٦١ ]
وكذلك البواعث الحاملة على الزنا بمن دعت إليه من ذات منصب وجمال، عظيمة جدًا، من كون هذه المرأة طالبة لهذا الأمر بنفسها، مجتهدة في وقوعه، ومن كونها ذات منصب، يخشى من سطوتها عند المخالفة، ويرجى نفعها عند الموافقة، وهي مع هذا ذات جمال، يرغب فيها مع التجرد من كل ما سبق، فكيف وقد اجتمعت فيها الأسباب كلها، فلا شك أن عدم مطاوعتها لطلبها ممن دعته لذلك من الرجال دليل على عظم خشية الله في قلب ذلك الرجل، وشدة المراقبة لله في نفسه قال الحافظ ابن حجر: «والصبر عن الموصوفة بما ذكر من أكمل المراتب، لكثرة الرغبة في مثلها وعسر تحصيلها، لا سيما وقد أعنت من مشاق التوصل إليها بمراودة ونحوها». (^١)
ولهذا استحق هؤلاء الأصناف الثلاثة ذلك الثواب العظيم من الله، بأن يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، كما استحق غيرهم من باقي الأصناف السبعة ذلك الثواب، لأسباب أخرى تحققت في أعمالهم فتميزت بها عن غيرها.
ومن صور هذه المسألة ما جاء في حديث معاذ بن أنس الجهني ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من كظم غيظه، وهو يقدر على أن ينتصر، دعاه الله ﵎ على رؤوس الخلائق، حتى يخيره في حور العين، أيتهن شاء، ومن ترك أن يلبس صالح الثياب وهو يقدر عليه، تواضعًا لله ﵎، دعاه الله ﵎ على رؤوس الخلائق حتى يخيره في حلل الإيمان أيتهن شاء». (^٢)
فدل الحديث على فضل هذين العملين، وهما كظم الغيظ مع القدرة على
_________________
(١) فتح الباري ٢/ ١٤٥.
(٢) أخرجه أحمد في السنن ٢٤/ ٣٨٤ ح (١٥٦١٩) وأبو داود ٥/ ١٣٧ ح (٤٧٧٧) والترمذي ٤/ ٣٧٢ ح (٢٠٢١) وقال: (حسن غريب) وابن ماجه ٢/ ١٤٠٠ ح (٤١٨٦) وحسن الحديث الألباني في صحيح ابن ماجه ٢/ ٤٠٧ ح (٣٣٧٥).
[ ١٦٢ ]
الانتصار، وترك لبس صالح الثياب تواضعًا، مع القدرة على الصالح منها، وإنما شرف العملان هنا بالقدرة على ما يضادها، فظهر أن الباعث عليها هو إيثار مراضاة الرب، وهذا بخلاف ما لو تحقق العملان المذكوران من غير قدرة على ما سواهما، كمن كظم غيظه من غير قدرة على إنفاذه، ولبس غير الصالح لعجزه عن الصالح، فلا الأن الأجرين المذكورين.
ومما يدخل في هذا الباب أيضًا ترك المراء لمن كان محقًا، على ما ورد فضل ذلك في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «أنا زعيم ببيت في ربض (^١) الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا …» (^٢)، فترتب على من ترك المراء في هذه الحالة هذا الفضل العظيم، لقوة الدافع على المماراة بسبب كون الممارى محقًا وحجته على خصمه ظاهرة، ونصره عليه متحققًا، فترك المراء مع كل هذا، دليل على قوة الإيمان وإيثار ما عند الله على نشوة النصر، وحب العلو في الأرض.
وهكذا كل عمل صالح ضعفت دواعي فعله، وقويت أسباب تركه أو المخالفة فيه، فإنه يعظم أجره بسبب ما يحصل من المجاهدة، ومدافعة الهوى، والصبر على الطاعة فيه.
٢ - حال قدرة العامل على بعض الأعمال وإتقانها دون غيرها من الأعمال، فاشتغال العبد بما يقدر على تأديته على وجه الإتقان أفضل من اشتغاله بغيره مع عدم الإتقان.
والأصل الذي عليه مبنى هذه المسألة أن الله تعالى بحكمته البالغة، قد فاضل بين الخلق في قدراتهم البدنية، والعقلية، والنفسية، كما فضل بعضهم على بعض في الأرزاق وهم بحسب ذلك: يتفاوتون في القدرة على بعض الأعمال دون
_________________
(١) ربض الجنة ما حولها خارجًا عنها، تشبيهًا بالأبنية التي تكون حول المدن وتحت القلاع. النهاية لابن الأثير ٢/ ١٨٥.
(٢) أخرجه أبو داود ٥/ ١٥٠ ح (٤٨٠٠) وقد حسنه الألباني في الأحاديث الصحيحة ح (٢٧٣).
[ ١٦٣ ]
بعض، فاشتغال العبد بما يحسن من الأعمال ويكون أنفع للأمة، أفضل من تكلفه الاشتغال بعمل لا يحسنه أو يضعف عنه، وإن كان هذا المُتَكَلَّف هو أفضل من حيث الجنس.
وقد دلت على هذه المسألة عدة أدلة منها:
قول الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾. (^١)
قال ابن عباس في معنى قول الله تعالى: ﴿على شاكلته﴾ «على ناحيته».
وعن مجاهد قال: «على طبيعته على حِدَته».
وقال الحسن وقتادة: «على نيته».
وقال مقاتل «على خليقته».
وقال الفراء: «على طريقته التي جبل عليها».
وقال القتيبي: «على طريقته وجبلته». (^٢)
وقال ابن القيم في تفسير الآية: «كل يعمل على ما يشاكله ويناسبه ويليق به … فالمريد الصادق المحب يعمل ما هو اللائق به والمناسب له». (^٣)
والآية وإن وردت مورد الخبر عن عموم الناس، وأن كل واحد هو عامل بما يناسب طبيعته، وما جبل عليه، إلا أنها متضمنة توجيه أهل الإيمان إلى العمل بما يناسب قدراتهم وطبائعهم، كما تقدمت الإشارة إلى هذا في كلام ابن القيم ﵀، وهذا المعنى هو الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة وأرشد النبي ﷺ إليه أمته في قوله: «عليكم من العمل ما تطيقون». وما جاء في معناه من الأحاديث
_________________
(١) سورة الإسراء (٨٤).
(٢) مدارج السالكين ٢/ ٣٧١.
(٣) انظر تفسير الطبري ٨/ ١٤٠، ١٤١ وتفسير البغوي ٣/ ١٣٣.
[ ١٦٤ ]
مما تقدم نقلها في فصل التفاضل في العمل باعتبار الاقتصاد والتيسير. (^١)
وقد كان النبي ﷺ يراعي هذا الجانب المهم فيما يسنده إلى أصاحبه من أعمال، فيوجه كل واحد منهم إلى ما يعلم قدرته عليه وإتقانه له من الأعمال، بحسب استعداداتهم الفطرية، والنفسية والجسدية، والعلمية.
فوجه بعضهم إلى تعليم الناس في الأمصار أمور دينهم (^٢) وأسند إلى بعضهم قيادة الجيوش والسرايا (^٣) وكان يرجع إلى أهل الرأي والخبرة فيستشيرهم فيما يعرض له من أمور المسلمين (^٤)، واتخذ كُتَّابا بين يديه ممن كانوا يحسنون الكتابة (^٥)، وكان يتعهد من علم منه الحرص على العلم بالتعليم ولربما دعا لبعضهم بذلك كما دعى لأبي هريرة وابن عباس (^٦) ﵄.
كما كان في مقابل هذا لا يُمَكِّن من العمل من علم ضعفه أو عجزه عنه كما ردَّ طائفة من أصحابه عن الخروج معه للجهاد يوم أحد لصغر سنهم وضعفهم عن الجهاد (^٧)، وامتنع من تولية من سأله الإمارة مصرحًا بسبب ذلك في قوله: «إنك ضعيف وإنها أمانة». (^٨) وأمر عبد الله بن زيد ﵁ بعد أن رأى في منامه صفة الأذان أن يعلمه بلال بن رباح معللًا ذلك بكونه (أندى منه صوتًا) فكان بلال مؤذن رسول الله ﷺ (^٩).
_________________
(١) انظرها ص: ١١٦ - ١١٧.
(٢) انظر زاد المعاد لابن القيم ١/ ١٢٣.
(٣) انظر الفصول في سيرة الرسول ﷺ لابن كثير ١٢٢ - ١٢٥.
(٤) انظر المستدرك للحاكم ٢/ ٢٤٧، والسنن الكبرى للبيهقي ١/ ٦٦٤.
(٥) انظر زاد المعاد لابن القيم ١/ ١١٧، والمختصر الكبير في سيرة الرسول ﷺ لابن جماعة ص: ١١١.
(٦) انظر صحيح البخاري مع الفتح ١/ ٢١٥، وسنن الترمذي ٥/ ٦٧٩، ٦٨٠.
(٧) انظر تاريخ الطبري ٢/ ٥٠٥.
(٨) انظر الحديث في صحيح مسلم ٣/ ١٤٥٧ ح (١٨٥٢).
(٩) انظر الحديث في مسند أحمد ٢٦/ ٤٠٢ ح (١٦٤٧٨) وقال محققه «إسناده حسن».
[ ١٦٥ ]
إلى غير ذلك من الأمثلة التي لا يمكن حصرها إلا بصعوبة من سيرة النبي ﷺ في مراعاته هذا الأمر المهم فيما يوجه إليه أصحابه وما يأمرهم به من أعمال. الأمر الذي يتضمن إرشاد الأمة إلى ضرورة مراعاة القدرة على العمل والتمكن من تأديته على الوجه المشروع لكل عامل، بحسب ما يعلم من نفسه.
كما دلت على تقرير هذا الأصل أيضًا أقوال السلف وأهل العلم المحققين في السنة:
فعن تميم الداري ﵁ أن رجلًا سأله عن مقدار قراءته القرآن في كل ليلة فغضب ثم قال له: «أرأيت إن كنتَ أنا مؤمنًا قويًا وأنت مؤمن ضعيف، فتحمل قوتي على ضعفك فلا تستطيع فتنبتُّ، أرأيت إن كنت مؤمنًا قويًا وأنا مؤمن ضعيف أتيتك بنشاطي حتى أحمل قوتك على ضعفي ولا أستطيع فأنبت، ولكن خذ من نفسك لدينك، ومن دينك لنفسك، يستقيم بك الأمر على عبادة تطيقها». (^١)
فبين هذا الصحابي الجليل تفاوت الناس في القدرة على العمل وأن ما يكون مقدورًا عليه من العمل في حق بعضهم لا يكون كذلك في حق الآخرين وبالتالي فاشتغال كل واحد بما يقدر عليه وتستقيم عليه عبادته هو الأفضل في حقه.
وقد كان ابن مسعود ﵁ يقلُّ الصيام ويقول: «إنه يضعفني عن قراءة القرآن، وقراءة القرآن أحب إلي» (^٢). وهذا تحقيق منه ﵁ لهذا الأصل وامتثاله له في عبادته.
ومن أقوال العلماء المحققين في تقرير هذا الأصل قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في جواب سائل له عن أفضل الأعمال؟ «وأما ما سألت عن أفضل الأعمال بعد الفرائض، فإنه يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد ٢/ ٧٩٨ برقم (١٠٥٠).
(٢) أورده ابن رجب في لطائف المعارف ص ٤٤٧.
[ ١٦٦ ]
أوقاتهم». (^١)
ويقول في موطن آخر: «إن الأفضل يتنوع تارة بحسب أجناس العبادة كما أن جنس الصلاة أفضل من جنس القراءة … وتارة يختلف باختلاف حال قدرة العبد وعجزه، فما يقدر عليه من العبادات أفضل في حقه مما يعجز عنه، وإن كان جنس المعجوز عنه أفضل». (^٢)
ويقول ﵀ أيضًا: «أكثر الناس يعجزون عن أفضل الأعمال، فلو أُمروا بها لفعلوها على وجه لا ينتفعون به، أو ينتفعون انتفاعًا مرجوحًا، فيكون في حق أحد هؤلاء العمل الذي يناسبه، وينتفع به أفضل له مما ليس كذلك». (^٣)
ويقول الحافظ ابن رجب في سياق حديثه عن نهي الشارع عما لا يحتمله العبد، وما لا يطيقه من العمل: «ومن احتمل بدنه ذلك ولم يمنعه من حق واجب عليه لم ينه عن ذلك، إلا أن يمنعه عما هو أفضل من ذلك من النوافل، فإنه يرشد إلى عمل الأفضل، وأحوال الناس تختلف فيما تحتمل أبدانهم من العمل». (^٤)
فتبين بهذا أثر القدرة على العمل في التفاضل في الأعمال، لما يترتب على ذلك من إتقان العمل وتحقيقه على أكمل الأوجه وأتمها كما دلت على ذلك النصوص الشرعية وأقوال العلماء المحققين في السنة.
٣ - حال اقتران الأعمال الصالحة واجتماعها في حق العبد، فإن ذلك من أسباب التفاضل في الأجر والثواب عند الله تعالى.
وللجمع بين الأعمال الصالحة ثلاث صور، دلت النصوص عليها وعلى فضلها.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٦٠.
(٢) المصدر نفسه ١٠/ ٤٢٧ - ٤٢٨.
(٣) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٣٧).
(٤) لطائف المعارف ص ٤٤٧.
[ ١٦٧ ]
الصورة الأولى: الجمع بين خصال البر خلال العمر.
وذلك بأن يجتمع للعبد العمل بعدة أنواع من شعب الإيمان وخصال البر، فيكون أكمل ممن اقتصر على بعضها أو على خصلة واحدة منها استغرق فيها عمره.
ومن الأدلة على هذه الصورة.
قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون﴾. (^١)
قال ابن كثير: «قال الثوري ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية، قال: هذه أنواع البر كلها، وصدق ﵀، فإن من اتصف بهذه الآية فقد دخل في عرى الإسلام كلها وأخذ بمجامع الخير كله». (^٢)
ومن الأدلة لهذه المسألة أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. (^٣)
قال الشوكاني في تفسير الآية عند قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ «أي مغفرة لذنوبهم التي أذنبوها، وأجرًا عظيمًا على طاعتهم التي فعلوها: من الإسلام، والإيمان، والقنوت، والصدق، والصبر، والخشوع والتصدق، والصوم، والعفاف، والذكر، ووصف الأجر بالعظم للدلالة على أنه
_________________
(١) البقرة (١٧٧).
(٢) تفسير ابن كثير ١/ ٤٨٦.
(٣) سورة الأحزاب (٣٥).
[ ١٦٨ ]
بالغ غاية المبالغ». (^١)
وقال الشيخ السعدي بعد تفسيره لهذه الصفات المذكورة في الآية: «من قام بهن فقد قام بالدين كله، ظاهره وباطنه، بالإسلام والإحسان، فجازاهم على عملهم ﴿مغفرة﴾ لذنوبهم، لأن الحسنات يذهبن السيئات و﴿أجرا عظيما﴾ لا يقدر قدره إلا الذي أعطاه». (^٢)
والآيات في هذا المعنى كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. (^٣)
وقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. (^٤) إلى غير ذلك من الآيات المتضمنة المجازاة بالأجور العظيمة والدرجات العالية في الجنة لمن اجتمعت فيه بعض خصال البر والخير والإحسان.
وأما ما جاء في هذا المعنى من السنة فحديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دُعي من أبواب -يعني الجنة- يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان، فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يُدْعى من تلك الأبواب من ضرورة، وقال: هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: نعم وأرجو أن
_________________
(١) فتح القدير ٤/ ٢٨٢.
(٢) تفسير السعدي ٦/ ١٠٩.
(٣) سورة المؤمنون الآيات (١ - ١٠).
(٤) سورة آل عمران (١٣٣ - ١٣٦).
[ ١٦٩ ]
تكون منهم يا أبا بكر». (^١)
ففي الحديث دلالة ظاهرة على فضل الجمع بين خصال البر، وذلك أن كل صاحب خصلة يدعى للجنة من باب هذه الخصلة، ويدعى من جمع بين الخصال كلها، من الأبواب كلها ومنهم أبو بكر ﵁ وأرضاه. (^٢)
ولهذا ترجم شُرَّاح صحيح مسلم لهذا الحديث وما جاء في معناه بما يدل على هذا المعنى، فترجم القاضي عياض (باب من جمع الصدقة وأعمال البر). (^٣)
وترجم أبو العباس القرطبي «باب أجر من أنفق شيئين في سبيل الله، وعظم منزلة من اجتمعت فيه خصال من الخير». (^٤)
وترجم النووي: (باب فضل من ضم إلى الصدقة غيرها من أنواع البر). (^٥)
وبمجموع هذه الأدلة يظهر فضل الجمع بين الأعمال الصالحة على الاشتغال بنوع واحد منها، وهذا مقتضى النظر الصحيح الموافق لأصول الشريعة في باب الإيمان، فإن من عبد الله بأكثر من نوع من أنواع العبادة، يكون قد جمع بين عدة شعب من شعب الإيمان، فإن الأعمال الصالحة شعب الإيمان، وعلى قدر ما يحقق العبد من الشعب يقوى إيمانه، حتى إذا ما استكمل الشعب كلها وهي تزيد على الستين أو السبعين كمل إيمانه كمالًا مطلقًا، لا يبلغ درجته من قصر في بعض الشعب.
_________________
(١) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٧/ ١٩ ح (٣٦٦٦) ومسلم ٢/ ٧١١ ح (١٠٢٨).
(٢) لا يشكل على هذا قول النبي ﷺ (أرجو أن تكون منهم) لأن الرجاء من الله ومن نبيه ﷺ واقع، ثم إنه قد جاء في بعض روايات الحديث، التصريح بوقوع ذلك لأبي بكر، انظر فتح الباري ٧/ ٢٩.
(٣) إكمال المعلم ٣/ ٥٥٤.
(٤) المفهم ٣/ ٧٠.
(٥) شرح النووي ٧/ ١١٥.
[ ١٧٠ ]
الصورة الثانية: الجمع بين خصال البر في وقت واحد.
وقد دل على هذه الصورة حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر ﵁: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر: أنا. قال فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله ﷺ: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة». (^١)
والظاهر من الحديث أن هذا الثواب المذكور، وهو دخول الجنة، مترتب على اجتماع الخصال المذكورة في الرجل في يوم واحد، فقد كان في كل مرة يقول من (فعل اليوم؟) ثم قال (ما اجتمعن …) فمفهومه: أن يجتمعن على القيد السابق، أي يجتمعن في يوم واحد.
يؤيد هذا ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد، بعد ذكر الحديث عن مروان بن معاوية أحد رواة الحديث أنه قال: «بلغني أن النبي ﷺ قال: «ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم، إلا دخل الجنة». (^٢)
ومن هنا فارقت هذه الصورة الصورة السابقة. ففي هذه الصورة اجتماع للعمل في حق العامل في وقت واحد، وفي الصورة السابقة اجتماع للعمل في حق العامل في حياته كلها، من غير تقييد بالاشتراك في الزمن، بل قد يعمل بعمل في زمن، ويعمل بغيره في زمن آخر، فينبغي التنبه للفرق.
كما ينبغي أن يقرر في الصورة الثانية أن الزمن المقيد لاجتماع الأعمال المذكورة فيه وهو (اليوم) وإن كان معتبرًا في هذا الموطن إلا أنه لا يلزم أن يكون هذا الزمن قيدًا عامًا لكل أفراد هذه الصورة، بل قد يأتي الشارع بالترغيب في
_________________
(١) أخرجه مسلم ٢/ ٧١٣ ح (١٠٢٨).
(٢) الأدب المفرد مع شرحه فضل الله الصمد ١/ ٦٠٨ ح (٥١٥).
[ ١٧١ ]
الجمع بين أعمال أخرى، في زمن أوسع، كأن يكون شهرًا، أو أقل، أو أكثر كما جاءت النصوص بالترغيب في أعمال البر في شهر رمضان على ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ «من قام رمضان، إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدم من ذنبه». (^١)
وأخرج الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صُفِّدَت الشياطين، ومردة الجن، وغُلِّقَت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفُتِّحَت أبواب الجنة فلم يُغْلَق منها باب، وينادي منادي: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر اقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة». (^٢)
فهذان الحديثان وغيرهما، يدلان على فضل المسارعة لأعمال البر في شهر رمضان، وعلى فضل الجمع بين خصال الخير فيه، وهذا ظاهر من الترغيب في القيام، والجمع بينه وبين الصيام كما في الحديث الأول، كما أن في الاخبار عن فتح أبواب الجنة كلها كما في الحديث الثاني والذي تقدم في حديث أبي هريرة السابق (^٣) أن كل باب منها يختص بنوع من أنواع البر، إرشاد من وجه لطيف إلى فضل الجمع بين أعمال البر في هذا الشهر وحفز الهمم لذلك.
قال ابن رجب بعد ذكر بعض الآيات في الترغيب في الجمع بين أعمال البر في حال الصيام: «وهذه الخصال كلها تكون في رمضان، فيجتمع فيه للمؤمن الصيام والقيام، والصدقة وطيب الكلام، فإنه ينهى فيه الصائم عن اللغو والرفث». (^٤)
وقال: «إن الجمع بين الصيام والصدقة، أبلغ في تكفير الخطايا، واتقاء جهنم، والمباعدة عنها، وخصوصًا إن ضمَّ إلى ذلك قيام الليل» (^٥).
_________________
(١) تقدم تخريجه ص: ١٤٤.
(٢) تقدم تخريجه ص: ١٤٤.
(٣) انظر ص: ٢٠٦ من هذا الكتاب.
(٤) لطائف المعارف ٣١٢.
(٥) لطائف المعارف ٣١٢.
[ ١٧٢ ]
والمقصود هنا هو التنبيه على تنوع أفراد هذه الصورة، باعتبار الزمان المرغب في اجتماع الأعمال فيه، فقد يكون يوما، أو أسبوعًا، أو شهرًا، بحسب ما جاءت به النصوص.
الصورة الثالثة: اقتران العمل من جنس واحد بمثله.
وقد دل على هذه الصورة قوله ﷺ في حديث أبي هريرة المتقدم: «من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة». (^١)
قال ابن حجر في شرحه: «والمراد بالزوجين إنفاق شيئين من أي صنف من أصناف المال من نوع واحد». (^٢)
والمقصود بالزوج في الحديث هنا (الفرد) ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (^٣) ويقع الزوج على الاثنين أيضًا، وقيل إنما يقال للفرد زوج إذا كان معه آخر ذكره القاضي عياض في شرح الحديث. (^٤)
وقد ذهب أهل العلم، إلى أن الحديث وإن كان في النفقة، إلا أنه يشمل سائر أعمال البر، في حصول الأجر المذكور باقترانها بأجناسها:
قال القاضي عياض: «يحتمل أن يكون هذا في جميع أعمال البر، من صلى صلاتين، أو صام يومين، والمقصود من هذا كله والله أعلم تشفيع صدقته بأخرى مثلها». (^٥)
وقال أبو العباس القرطبي: «وهذا نص في عموم كل شيء يخرج في سبيل الله، وقيل: يصح إلحاق جميع أعمال البر بالإنفاق، ويدل على صحة هذا بقية الحديث إذ قال فيه: «من كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان
_________________
(١) تقدم تخريجه ص: ٢٠٥.
(٢) فتح الباري ٤/ ١١٢.
(٣) سور هود الآية ٤٠.
(٤) إكمال المعلم ٣/ ٥٥٥.
(٥) المصدر نفسه ٣/ ٥٥٥.
[ ١٧٣ ]
من أهل الصيام دعي من باب الصيام». (^١)
وإلى هذا الفهم ذهب النووي (^٢) وهو ظاهر كلام ابن حجر في الفتح والله أعلم.
فثبت بهذا أثر اقتران الأعمال الصالحة في التفاضل في العمل، من خلال الصور الثلاث المذكورة، على ما دلت على ذلك الأدلة وتقريرات أهل العلم.
وبه ختام هذا الفصل، الذي تم من خلاله بيان التفاضل في الأعمال، باعتبار اقترانها ببعض الأحوال المؤثرة في زيادة أجرها وثوابها عند الله.
على أنه يحسن التنبيه هنا إلى أن ماتم عرضه من الأحوال المؤثرة في التفاضل، سواء أكانت عامة أم خاصة، ليس هو إلا من باب التمثيل لا الحصر، ولا أدعي أني استوفيت الأحوال كلها، بل لم يكن هذا من قصدي، إذ الأحوال من هذا النوع كثيرة يصعب حصرها، وإنما أردت التنبيه ولفت النظر إلى هذا النوع من أنواع التفاضل والتمثيل لذلك بما تيسر، فما جاءت به النصوص من أحوال أخرى فهو ملحق بأصله، ومقارن بالمذكور من مثله، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) المفهم ٣/ ٧١.
(٢) انظر شرح صحيح مسلم ٧/ ١١٦.
[ ١٧٤ ]