من أسباب التفاضل بين الأعمال المداومة على العمل ولزومه، فإن العمل الدائم، وإن كان قليلا، يفضل العمل المنقطع، وإن كان كثيرا.
وبذلك جاءت الأحاديث الصحيحة.
أخرج الإمام مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل». (^١)
وعنها ﵂ أن رسول الله سئل: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «أدومه وإن قل». (^٢)
وسئلت عائشة ﵂ كيف كان عمل رسول الله ﷺ؟ هل كان يخص شيئا من الأيام؟ قالت: «كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله ﷺ يستطيع». (^٣)
قال القاضي عياض: «قولها: «كان عمله ديمة» أي دائم غير منقطع ومنه سمي المطر المتوالي ديمة؛ يعني أن ما عمل من خير لم يكن يقطعه، ويتركه بل يداوم عليه». (^٤)
فدلت الأحاديث على تقرير هذا الأصل العظيم في السير إلى الله تعالى والتقرب إليه وهو أن أحب العمل إلى الله ما كان على وجه المداومة وإن كان قليلا، وأن هذا هو كان هدي النبي ﷺ في عبادته، كما أخبرت بذلك أعرف
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ٥٤١).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٥٤١).
(٣) أخرجه مسلم (١/ ٥٤١).
(٤) إكمال المعلم (٣/ ١٤٨).
[ ٨٤ ]
الناس به، وبعبادته، الصديقة بنت الصديق، ﵄.
ولذا كان النبي ﷺ يرشد أمته لهذا الأمر، ويحذرها من التكلف، والتعمق في العبادة مما لا تطيقه النفس؛ لأنه مظنة الانقطاع، وفوات لزوم المداومة، على ما أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: كان لرسول الله ﷺ حصير وكان يُحَجِّره (^١) من الليل فيصلي فيه، فجعل الناس يصلون بصلاته، ويبسطه بالنهار، فثابوا ذات ليلة فقال: «أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دُووِمَ عليه وإن قل». (^٢)
وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: (دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي امرأة فقال: «من هذه»؟ فقلت: أمرأة لا تنام تصلي، قال: «عليكم من الأعمال ما تطيقون، فوالله لا يملُّ الله حتى تملوا» وكان أحب الدين إلى الله ما دام عليه صاحبه). (^٣)
فنهى النبي ﷺ عن التشدد في العبادة لما يفضي من السأم والملالة ومن ثم الانقطاع عن العمل، وأرشد إلى الإقتصاد في العمل مع المداومة، ولذا جعل أهل العلم ضابط التعبد الحقيقي، ومقياس السير الصحيح إلى الله، ما كان على وجه المداومة في العمل.
قال القاضي عياض في معنى «عليكم من العمل ما تطيقون» أي ما لكم بالمداومة عليه طاقة». (^٤)
وقال ابن رجب: «المراد بهذا الحديث: الإقتصاد في العمل والأخذ منه بما يتمكن صاحبه من المداومة عليه». (^٥)
_________________
(١) أي يتخذه حجرة كما في رواية مسلم في صحيحه (١/ ٥٤٠).
(٢) صحيح مسلم (١/ ٥٤٠) ح: (٧٨٢).
(٣) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح (١/ ١٠١) ح: (٤٣)، ومسلم واللفظ له (١/ ٥٤٢) ح: (٧٨٥).
(٤) إكمال المعلم (٣/ ١٤٧).
(٥) فتح الباري لابن رجب (١/ ١٦٥).
[ ٨٥ ]
وقال ابن حجر: «قوله: عليكم بما تطيقون. أي: اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه». (^١)
وقد دلت أقوال السلف على تقرير هذا المعنى، كما كان عليه هديهم في عبادتهم لربهم لما علموا في ذلك من الفضل وحصول رضا الرب ﷿.
جاء في رواية مسلم من حديث عائشة السابق في خبر مجيء الصحابة للإقتداء بالرسول ﷺ في صلاتهم، قول الراوي بعد ذكر الحديث: «وكان آل محمد ﷺ إذا عملوا عملا أثبتوه». (^٢)
وفي صحيح مسلم قال القاسم بن محمد: «وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته». (^٣)
وعن الحسن البصري ﵁ أنه كان يقول: «يا قوم المداومة، المداومة فإن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلا دون الموت». (^٤)
وكان ﵀ يقول: «إذا نظر إليك الشيطان فرآك مداوما على طاعة الله ﷿ فبغاك، وبغاك، فإذا رآك مداوما ملَّك ورفضك، وإذا رآك مرة هكذا ومرة هكذا طمع فيك». (^٥)
كما دلت على تقرير هذه المسألة وتأصيلها أقوال أهل العلم والتحقيق من شراح الحديث وغيرهم.
قال ابن حبان في معنى قول النبي ﷺ: «ياعبد الله لاتكن مثال فلان كان
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر (١/ ١٠٢).
(٢) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة، ولعل هذا القول من قول عائشة أو أحد رواة الحديث.
(٣) صحيح مسلم (١/ ٥٤١).
(٤) ذكره ابن رجب في المحجة في سير الدلجة (ص: ٧١).
(٥) المصدر السابق (ص: ٤٦).
[ ٨٦ ]
يقوم الليل فترك …». (^١) قال: «فيه استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير من غير تفريط، ويستنبط منه كراهة قطع العبادة وإن لم تكن واجبة». (^٢)
وقال ابن عبد البر في شرح حديث عائشة: (أحب العمل إلى رسول الله ﷺ الذي يداوم عليه صاحبه): «وفي هذا الحديث عندي دليل على أن قليل العمل إذا دام عليه صاحبه أزكى له». (^٣)
وقال النووي في شرح حديث «عليكم من العمل ما تطيقون …»: وفيه الحث على المداومة على العمل، وأن قليله الدائم، خير من كثير ينقطع». (^٤)
وقال ابن رجب في رسالة المحجة: «وقد أشار النبي ﷺ في هذه الأحاديث المشار إليها، في أول الجزء من رواية عائشة، وأبي هريرة ﵄ إلى أن أحب الأعمال إلى الله ﷿ شيئان:
أحدهما: ما داوم عليه صاحبه وإن كان قليلا، وهكذا كان عمل النبي ﷺ وعمل آله وأزواجه من بعده …
والثاني: أن أحب الأعمال إلى الله ما كان على وجه السداد والاقتصاد والتيسير». (^٥)
وقال ابن حجر في الحكمة من نهي النبي ﷺ عبد الله بن عمرو عن مواصلة الصيام والقيام: «وفيه الحض على ملازمة العبادة؛ لأنه ﷺ مع كراهته له التشديد على نفسه حضه على الإقتصاد». (^٦)
_________________
(١) أخرجه البخاري. انظر الصحيح مع الفتح (٣/ ٣٧) ح: (١١٥٢).
(٢) نقله ابن حجر في الفتح (٣/ ٣٨).
(٣) التمهيد (٢٢/ ١٢٠).
(٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ٧١).
(٥) المحجة في سير الدلجة (ص: ٤٥٤٦).
(٦) فتح الباري (٣/ ٣٩).
[ ٨٧ ]
فثبت بهذا العرض للنصوص، وأقوال السلف، وأهل العلم من بعدهم تفضيل العمل الدائم المستمر وإن قل، على العمل الكثير المنقطع. وهذا مما يتقرر به أن المداومة على العمل من أسباب التفاضل بين الأعمال فيفضل بها العمل على غيره وإن كان ذلك الغير أفضل من حيث الجنس أو أكثر من حيث الحجم وامتداد والوقت.
وقد اجتهد العلماء في استنباط الحكمة والعلة التي شرف بها العمل مع المداومة على غيره فذكروا في ذلك أقوالا كثيرة:
قال ابن الجوزي: «إنما أُحِبَّ الدائم لمعنيين:
أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، فهو متعرض للذم.
الثاني: أن مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب في كل يوم وقتا ما كمن لازم يوما كاملا ثم انقطع». (^١)
وقال القرطبي: «وسبب ذلك أن التخفيف يكون معه الدوام والنشاط، فيكثر الثواب لتكرار العمل، وفراغ القلب، بخلاف الشاق منها؛ فإنه يكون معه التشويش والإنقطاع غالبا». (^٢)
وقال النووي: «وإنما كان القليل الدائم خيرا من الكثير المنقطع؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة، والذكر، والمراقبة، والنية، والإخلاص، والإقبال، على الخالق ﷾، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة». (^٣)
وقال ابن رجب: «إن دوام العمل وإيصاله، ربما حصل للعبد به في عمله
_________________
(١) ذكره ابن حجر في الفتح (١/ ١٠٣)، وقد بحثت عنه في مظانه من كتب ابن الجوزي فلم أجده.
(٢) المفهم (٢/ ٤١٣).
(٣) شرح صحيح مسلم (٦/ ٧١).
[ ٨٨ ]
الماضي ما لا يحصل له فيه عند قطعه، فإن الله يحب مواصلة العمل ومداومته، ويجزي على دوامه ما لا يجزي المنقطع منه». (^١)
وقال أيضا: «فمن عمل عملا يقوى عليه بدنه في طول عمره في قوته وضعفه استقام سيره، ومن عمل ما لا يطيق فإنه قد يحدث له مرض يمنعه من العمل بالكلية، وقد يسأم ويضجر فيقطع العمل، فيصير كالمُنْبَتِّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى (^٢)». (^٣)
وقال ابن حجر في الحكمة من نهي النبي ﷺ عن التشدد في العبادة: «إشارة إلى كراهة ذلك، خشية الفتور والملال على فاعله، لئلا ينقطع عن عبادة التزمها فيكون رجوعا عما بذل لربه من نفسه». (^٤)
وبعض هذه المعاني التي ذكرها العلماء متقاربة، وما اختلف فيه منها فلا يبعد أنه مقصود كله لله في تشريعه، فلله تعالى الحكمة البالغة، التي لا يحيط بها خلقه، وإنما يذكر كل واحد منهم ما عرف، وكل في علم الله وحكمته.
وإذا تقرر أن أفضل الأعمال وأحبها إلى الله أدومها، فهل المداومة مشروعة في كل الأعمال أم في بعضها دون بعض؟ الصحيح من هذا أن الأعمال من حيث المداومة عليها أو عدمها ليست على باب واحد وتفصيل ذلك مرجعه إلى سنة النبي ﷺ وهديه في تعبده.
والظاهر من السنة أن الأعمال في هذا على ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: ما كان النبي ﷺ يلتزمه، ويداوم عليه في السفر، والحضر،
_________________
(١) فتح الباري لابن رجب (١/ ١٦٦).
(٢) قطعة من حديث أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢٠/ ٣٤٦) برقم (١٣٠٥٢) ونصه: «إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك فإن المُنْبَتَّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى «.
(٣) لطائف المعارف (ص: ٢٤٢).
(٤) فتح الباري (٣/ ٣٧٥).
[ ٨٩ ]
كصيام الأيام البيض، وركعتي الفجر، والوتر، وقيام الليل.
قال ابن عباس ﵄: «كان رسول الله ﷺ لا يفطر أيام البيض في سفر ولا حضر». (^١)
وقال ابن القيم ﵀: «وكان تعاهده ومحافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل، ولذلك لم يكن يدعها هي والوتر سفرا وحضرا، وكان في السفر يواضب على سنة الفجر والوتر أشد من جميع النوافل دون سائر السنن، ولم ينقل عنه في السفر أنه ﷺ صلى سنة راتبة غيرهما، ولذلك كان ابن عمر لا يزيد على ركعتين ويقول: سافرت مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر وعمر ﵄ فكانوا لا يزيدون على ركعتين». (^٢)
وقال ابن القيم أيضا: «لم يكن يدع قيام الليل حضرا ولا سفرا، وكان إذا غلبه نوم أو وجع صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة». (^٣)
فالسنة هي التزام هذه الأعمال في السفر والحضر، كما كان النبي ﷺ يفعل، وعدم التزام ما لم يلتزمه النبي ﷺ في السفر من الأعمال، وبهذا تتحقق السنة الكاملة، في الفعل والترك، وهذا أكمل الهدى وأفضله.
المرتبة الثانية: ما كان النبي ﷺ يلتزمه من الأعمال ويداوم عليه في الحضر دون السفر، ومن ذلك محافظته على السنن الرواتب في الحضر دائما.
قال ابن القيم: «كان ﷺ يحافظ على عشر (^٤) ركعات في الحضر دائما وهي التي قال فيها ابن عمر: «حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته،
_________________
(١) أخرجه النسائي (٤/ ١٦٨).
(٢) زاد المعاد (١/ ٣١٥).
(٣) زاد المعاد (١/ ٣٢٤).
(٤) هذا العدد بحسب حديث ابن عمر رضي عنهما، وفي حديث عائشة الذي أخرجه مسلم (٢/ ٥٠٤) ح (٧٣٠) ذكرت اثنتي عشرة ركعة، والخلاف في سنة الظهر القبلية هل هي أربع أم اثنتان.
[ ٩٠ ]
وركعتين قبل صلاة الصبح». (^١) فهذه لم يكن يدعها في الحضر أبدا، ولما فاتته الركعتان بعد الظهر قضاهما بعد العصر، وداوم عليهما لأنه ﷺ كان إذا عمل عملا أثبته، وقضاء السنن الرواتب في أوقات النهي عام له ولأمته، وأما المداومة على تلك الركعتين في وقت النهي فمختص به». (^٢)
وكان النبي ﷺ يتحرى صيام الاثنين والخميس ويوم عاشوراء.
أخرج الإمام الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يتحرى صيام الإثنين والخميس». (^٣)
وأخرج الشيخان عن ابن عباس ﵄ قال: «ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضَّله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان». (^٤)
وكان من هدي النبي ﷺ المحافظة على الأذكار، كأذكار الصباح والمساء، والأذكار الخاصة عند دخول المسجد، والخروج منه، ودخول الخلاء، وغيرها مما هو مفصل في بابه. (^٥)
وما كان النبي ﷺ يلتزمه ويتحراه من الأعمال كثير يصعب حصره، وإنما ذكرت هنا بعض ما يستشهد به لهذا النوع من الأعمال.
والسنة في ذلك التزام ما كان النبي ﷺ يلتزمه على قدر الإستطاعة، وتحري ما كان يتحراه من الأعمال. والتحري هو: القصد، والإجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء بالفعل هكذا فسره ابن الأثير ﵀. (^٦)
_________________
(١) أخرجه البخاري. الصحيح مع الفتح (٣/ ٤٨) ح: (١١٦٥).
(٢) زاد المعاد (٣٠٧٣٠٨).
(٣) سنن الترمذي (٣/ ١١٢) ح: (٧٤٥)، وأخرجه ابن ماجه (١/ ٥٥٣) ح: (١٧٣٩). وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (١/ ٢٩٠) ح: (١٤١٤).
(٤) صحيح البخاري مع الفتح (٤/ ٢٤٥) ح: (٢٠٠٦)، وصحيح مسلم (٢/ ٧٩٧) ح: (١١٣٢).
(٥) انظر زاد المعاد لابن القيم (٢/ ٣٦٥) وما بعدها.
(٦) النهاية في غريب الحديث (١/ ٣٧٦).
[ ٩١ ]
هذا مع مراعاة الرفق بالنفس في هذا الباب، وألا يتكلف العبد ما لا يطيق من العمل، فإن النبي ﷺ كان يطيق من العمل ما لا تطيق أمته لِمَا خصه الله به من الكمالات الدينية، والبدنية، مما لم يحصل لغيره من الأمة.
المرتبة الثالثة: ما كان النبي ﷺ يفعله من الأعمال في وقت دون وقت، وفي حال دون حال، ومن أمثلة هذا صيامه بعض الأيام غير الإثنين والخميس، وفطرها أحيانا كما قالت عائشة ﵂: «كان يصوم حتى يقال: لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا يصوم». (^١)
ومن ذلك تنوع هديه ﷺ في الوضوء قال ابن القيم: «كان يتوضأ لكل صلاة في غالب أحيانه، وربما صلى الصلوات بوضوء واحد. وكان يتوضأ بالمد تارة، وبثلثيه تارة، وبأزيد منه تارة … وصح عنه أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا، وفي بعض الأعضاء مرتين وفي بعضها ثلاثا». (^٢)
ومن ذلك هديه في صلاة الضحى، أنه كان يفعلها في بعض الأوقات على قول طائفة من أهل العلم:
قال ابن القيم: في سياق نقله الأقوال في حكم صلاة الضحى «وذهبت طائفة ثالثة إلى استحباب فعلها غبا فتصلى في بعض الأيام دون بعض، وهذا أحد الروايتين عن أحمد وحكاه الطبري عن جماعة، واحتجوا بما روى الجريري عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أكان رسول الله ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: «لا إلا أن يجيء من مغيبة. (^٣)
ثم ذكر حديث أبي سعيد: «كان النبي ﷺ يصلي الضحى حتى نقول لا
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢/ ٨١٠).
(٢) زاد المعاد (١/ ١٩١١٩٢).
(٣) أخرجه مسلم (١/ ٤٩٦) ح: (٧١٧).
[ ٩٢ ]
يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها». (^١)
والسنة في هذا النوع من الأعمال فعلها تارة، وتركها تارة وعدم المداومة عليها كما كان النبي ﷺ يفعل، فمن داوم على مثل هذه الأعمال فقد خالف السنة.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن المداومة على مثل هذه الأعمال فأجاب ﵀: «الصواب أن يقال: التنوع في ذلك متابعة للنبي ﷺ فإن في هذا اتباعا للسنة والجماعة، وإحياء لسنته، وجمعا بين قلوب الأمة، وأخذا بما في كل واحد من الخاصة أفضل من المداومة على نوع معين لم يداوم عليه النبي ﷺ لوجوه». (^٢)
ثم ذكر في ذلك وجوها سبعة ملخصها:
١ - أن هذا هو اتباع السنة والشريعة؛ فإن النبي ﷺ إذا كان قد فعل هذا تارة وهذا تارة، لم يداوم على أحدهما كان موافقته في ذلك هو التأسي والاتباع المشروع.
٢ - أن ذلك يوجب اجتماع قلوب الأمة وائتلافها، وزوال كثرة التفرق والاختلاف.
٣ - أن ذلك يخرج الجائز المسنون عن أن يُشَبَّه بالواجب؛ فإن المداومة على المستحب أو الجائز مشبهة بالواجب.
٤ - أن في ذلك تحصيل مصلحة كل واحد من تلك الأنواع فإن كل نوع لا بد له من خاصة، وإن كان مرجوحا، فكيف إذا كان مساويا.
_________________
(١) زاد المعاد (١/ ٣٥٣)، والحديث أخرجه الترمذي (٢/ ٣٤٢) ح (٤٧٧) وأحمد في المسند (١٧/ ٢٤٦) ح (١١١٥٥) وقد حسنه جماعة وضعفه آخرون للاختلاف في توثيق عطية العوفي. انظر حاشية سنن الترمذي بتحقيق أحمد محمد شاكر (٢/ ٣٤٢) وحاشية المسند بتحقيق شعيب الأرنؤوط وجماعة (١٧/ ٢٤٧).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٤٧).
[ ٩٣ ]
٥ - أن في ذلك وضعا لكثير من الآصار والأغلال التي وضعها الشيطان على الأمة بلا كتاب من الله، ولا أثارة من علم؛ فإن مداومة الإنسان على أمر جائز مرجحا له على غيره يحب الموافقة عليه، ويكره المخالفة فيه، يكون ذلك سببا لترك حقوق له وعليه.
٦ - أن في المداومة على نوع دون غيره هجران لبعض المشروع، وذلك سبب لنسيانه والإعراض عنه حتى يعتقد أنه ليس من الدين.
٧ - أن الله يأمر بالعدل والإحسان، والعدل التسوية بين المتماثلين، وحرم الظلم ومن أعظم العدل العدل في الأمور الدينية، وإذا كان الشارع قد سوى بين عملين، أو عاملين كان تفضيل أحدهما من الظلم العظيم، وإذا فضل بينهما كانت التسوية كذلك. (^١)
وبهذا يظهر أن السنة في هذا الباب هو التزام ما التزمه النبي ﷺ وداوم عليه من الأعمال، فما كان يلتزمه في السفر والحضر التُزم كذلك، وما كان يلتزمه في الحضر التُزم في الحضر، وعلى هذا تتنزل النصوص في فضل المداومة على الأعمال فإن النصوص يفسر بعضها بعضا، وهدي النبي ﷺ هو امتثال كامل لسنته القولية.
وأما ما لم يكن يلتزمه النبي ﷺ بل يفعله في وقت، دون وقت فالسنة فيه عدم الالتزام، والتزامه في هذه الحال مع ما فيه من المخالفة للسنة، فلا بد وأن يفضي إلى تضييع شيء من الواجبات ووجود بعض المفاسد الأخرى التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٤٨٢٥١).
[ ٩٤ ]