حقيقة المتابعة في العمل: هي امتثال هدي النبي ﷺ فيه، وتأديته على الوجه المشروع الذي كان عليه النبي ﷺ.
وقد عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: «أن يُفْعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل» (^١).
وهذا يعني أن المتابعة للنبي ﷺ في عمل لابد أن يتحقق فيها أمران:
الأول: الموافقة للنبي ﷺ في الفعل بأن يكون مثل فعل النبي ﷺ.
الثاني: الموافقة له ﷺ في القصد بأن يكون على وجه التعبد، ويخرج من هذا ما فعله النبي ﷺ على غير وجه التعبد وإنما بحكم العادة فمن فعل ذلك على وجه التعبد، لم يكن متابعًا للنبي ﷺ فيه، وكذلك العكس، وهو أن يفعل النبي ﷺ الفعل بنية التعبد، فيصدر مثل هذا الفعل من شخص، لكن بغير نية التعبد، كمن توضأ بنية التنظف فليس في هذا العمل متابعة للنبي ﷺ في المقصد، ولهذا لا تقبل العبادات إلا بنية التعبد.
ومقصود البحث هنا بيان أثر المتابعة للنبي ﷺ في المفاضلة بين الأعمال، ويمكن تقسيم المتابعة باعتبار تأثيرها في العمل ومضاعفة ثوابه إلى قسمين: متابعة خاصة، ومتابعة عامة.
أما المتابعة الخاصة: فهي المتابعة للنبي ﷺ في عمل مخصوص وهو على درجتين.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١/ ٢٨٠.
[ ٥٦ ]
الدرجة الأولى: متابعة واجبة وهي المتابعة للنبي ﷺ في أصل مشروعية العمل، وتحقق شروطه، وأركانه، وواجباته التي لا يصح إلا بها، وهذا القسم مؤثر في أصل قبول العمل فإن تحققت فيه المتابعة وإلا رُدَّ، كمن تقرب إلى الله بما لم يشرعه أصلًا، أو يكون مشروعًا: كالصلاة، أو الصيام، أو الحج، لكن يخل العامل ببعض شروط صحته، أو أركانه، أو واجباته، فهذا العمل مردود من أصله غير مقبول عند الله لفقده المتابعة لهدي النبي ﷺ.
وعلى هذا دل قول النبي ﷺ على ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد». (^١)
وفي رواية لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». (^٢)
قال الحافظ ابن رجب في شرح الحديث: «والأعمال قسمان عبادات ومعاملات: فأما العبادات فما كان منها خارجًا عن حكم الله ورسوله بالكلية فهو مردود على عامله … وأما من عمل عملًا أصله مشروع وقربة ثم أدخل فيه ما ليس بمشروع، أو أخل فيه بمشروع، فهذا أيضًا مخالف للشريعة بقدر إخلاله بما أخلَّ به … فإن كان ما أخل به من أجزاء العمل، أو شروطه، موجبًا لبطلانه في الشريعة، كمن أخل بالطهارة في الصلاة مع القدرة عليها، أو كمن أخل بالركوع، أو بالسجود، أو بالطمأنينة فهذا عمله مردود عليه، وعليه إعادته إن كان فرضًا». (^٣)
الدرجة الثانية: متابعة في كمال العمل وهي المتابعة للنبي ﷺ في هديه الكامل في هذا العمل، والاجتهاد في الإتيان به على أكمل ما يكون، من غير نقص فيه بوجه من الوجوه، ويتطلب هذا تحقيق عدة جوانب في العمل:
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح ٥/ ٣٠١ ح (٢٦٩٧) وصحيح مسلم ٣/ ١٣٤٣ ح (١٧١٨).
(٢) صحيح مسلم ٣/ ١٣٤٤.
(٣) جامع العلوم والحكم ١/ ١١٥ - ١١٦.
[ ٥٧ ]
الجانب الأول: الإتيان بالسنن والمستحبات التي تصحب العمل، فإنه ما من عمل من الأعمال الصالحة، إلا وقد شرع فيه من السنن والمستحبات ما يزكو به ويفضل وذلك كالإسباغ في الوضوء، والغسلة الثانية، والثالثة، وتخليل الأصابع، واللحية، والأذكار المشروعة بعده (^١)، وكدعاء الاستفتاح في الصلاة، والزيادة على مرة في تسبيح الركوع والسجود، ورفع اليدين مع تكبيرة الإحرام، وفي مواطن الرفع، وكالأدعية والأذكار المسنونة في الصلاة (^٢) وكالتلبية في الحج، والمبيت بمنى ليلة التاسع، وكاستلام الحجر الأسود وتقبيله، واستلام الركن اليماني في الطواف، والطهارة في السعي والدعاء فيه (^٣) وغير ذلك من السنن في العبادات وهي كثيرة ويطول التفصيل فيها.
فالمتابعة في الإتيان بالسنن في العبادات، مما يكمل به العمل ويفضل على غيره من الأعمال التي لم تتحقق فيها السنن فالوضوء المستوفي السنن، أفضل من الوضوء الذي لم تتحقق فيه وكذا القول في الصلاة، والصوم، والحج، وسائر العبادات، ما تحققت فيه السنن منها أفضل من الذي لم تتحقق فيه.
وقد دل على ذلك كثير من الأدلة فمن ذلك حديث عثمان بن عفان ﵁: «أنه دعا بإناء فافرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال ﷺ: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه». (^٤)
_________________
(١) انظر العمدة مع شرحه العدة لبهاء الدين المقدسي (١/ ٢٩ - ٣٠)، وزاد المستقنع لشرف الدين أبي النجا ص: (٥).
(٢) انظر الإقناع لشرف الدين أبي النجا (١/ ٢٠٥ - ٢٠٧)، والمعتمد في فقه الإمام أحمد (١/ ١٣١ - ١٣٩).
(٣) انظر العمدة مع شرحه العدة (١/ ٢٥٥)، والمغني لابن قدامة (٥/ ٢٢٧ - ٢٢٨، ٢٤٦، ٢٥٩).
(٤) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح (١/ ٢٥٩)، ح (١٥٩)، وأخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٢٠٤) ح (٢٢٦).
[ ٥٨ ]
فدل هذا الحديث على حصول هذا الثواب العظيم، لمن توضأ نحو وضوء رسول الله ﷺ المذكور، وصلى الصلاة الموصوفة في الحديث، ومعلوم أن الوضوء المذكور متضمن لبعض السنن التي ليست من فروض الوضوء، كالغسلتين الثانية، والثالثة، والإسباغ في الوضوء، وكذلك الصلاة المذكورة، وهي التي لا يحدث المصلى فيها نفسه، فهي درجة عالية من الخشوع، وحضور القلب، وتصح الصلاة الواجبة بدون هذا، ومع وجود حديث النفس، وإن كان ينقص ذلك من ثوابها. نقل ابن بطال ﵀ عن بعض أهل العلم: «وأما من وسوس له الشيطان، وحدث نفسه في صلاته بأشياء دون قصد منه لذلك، فإنه يرجى أن تقبل صلاته ولا تبطل، وتكون دون صلاة الذي لم يحدث نفسه». (^١)
والمقصود هنا أن ذلك الثواب العظيم، لمن توضأ نحو الوضوء المذكور، وصلى الصلاة الموصوفة، حصل بسبب ما تحقق في هذين العملين من السنن الزائدة على الفرض ولهذا تميز الثواب بتميز العمل قال الإمام الطحاوي ﵀: «في هذه الأحاديث دليل أن المفترض من الوضوء هو مرة مرة، وما زاد على ذلك فهو لإصابة الفضل لا الفرض». (^٢)
وقال ابن دقيق العيد ﵀: «والحديث إنما يقتضي ترتب ثواب مخصوص على عمل مخصوص، فمن حصل له ذلك العمل حصل له ذلك الثواب، ومن لا فلا، وليس ذلك من باب التكاليف حتى يلزم رفع العسر عنه». (^٣)
ومما يدل أيضا على فضل الأعمال باعتبار ما يصحبها من السنن ما أخرجه البخاري من حديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قال النبي ﷺ «لا يغتسل رجل
_________________
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال ١/ ٢٥٠، وانظر إحكام الأحكام لابن دقيق ١/ ٨٦.
(٢) نقله عنه ابن بطال في شرح صحيح البخاري ١/ ٢٤٩.
(٣) إحكام الأحكام ١/ ٨٦.
[ ٥٩ ]
يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى». (^١)
فرتب الأجر، وهو مغفرة الذنوب إلى الجمعة الأخرى، على مجموع ما ذُكِر، قال ابن حجر في شرح الحديث: «وتبين بمجموع ما ذكرنا أن تكفير الذنوب من الجمعة إلى الجمعة، مشروط بوجود جميع ما تقدم، من غسل وتنظيف، وتطيب، أو دهن، ولبس أحسن الثياب، والمشي بالسكينة، وترك التخطي، والتفرقة بين الاثنين، وترك الأذى، والتنفل والإنصات وترك اللغو». (^٢)
ومعلوم أن بعض ما ذكر هي من السنن لا الواجبات قطعًا، كالدهن والطيب، فإن العلماء مجمعون على أنهما غير واجبين، كما نقل الإجماع على ذلك ابن بطال نقلا عن الطبري والطحاوي. (^٣) وكذلك التنفل قبل الصلاة ظاهر عدم وجوبه، وأما الغسل فاختلف أهل العلم في وجوبه من عدمه، والذي عليه جمهور أهل العلم، أنه مندوب وليس بواجب. (^٤)
وعلى كل حال فالثواب في الحديث قد ترتب على فعل الواجب، مع بعض المستحبات، فدلّ ذلك على أن الأعمال الواجبة المفترضة تشرف بما يقارنها من السنن والمستحبات، على ما جاء مجردًا منها، والأدلة على هذه المسألة كثيرة في الشرع وإنما ذكرت هنا ما يستدل به، والله أعلم.
والجانب الثاني: تنزيه العمل من الذنوب والمعاصي.
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ٣٧٠ ح ٨٨٣.
(٢) فتح الباري ٢/ ٣٧٢.
(٣) انظر شرح صحيح البخاري لابن بطال ٢/ ٤٧٨، ٤٨٣.
(٤) انظر المغني لابن قدامة ٣/ ٢٢٤ - ٢٢٧، وشرح صحيح البخاري لابن بطال ٢/ ٤٧٧، وفتح الباري لابن حجر ٢/ ٣٦١ - ٣٦٤.
[ ٦٠ ]
فالأعمال الصالحة يعظم أجرها بتنزيهها من الذنوب التي تنقص من أجرها إذا ما خالطتها وقد دلت على ذلك الأدلة.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ • قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ • يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾. (^١)
فدلت هذه الآيات من سورة البقرة على تأثير الذنوب إذا صاحبت العمل في النقص من ثوابه، وأجره عند الله.
ففي الآية الأولى: أخبر أن الأجر عند الله يستحقه من خلت صدقته من المن والأذى، قال ابن جرير ﵀: «أوجب الأجر لمن كان غير مانٍّ، ولا مؤذٍ من أنفق عليه في سبيل الله» (^٢) فدلت الآية على فضل الصدقة السالمة من المنّ والأذى على التي صاحباها، دلالة بينة ظاهرة حيث رتب الأجر والمثوبة على الصدقة الخالية من المن والأذى دون تلك.
وفي الآية الثانية: يخبر الله تعالى أن ﴿قول معروف﴾: من كلمة طيبة، ودعاء المسلم ﴿ومغفرة﴾: من عفو عن ظلم، خير من صدقة يتبعها أذى (^٣)، فدلت الآية على أن العمل الصالح الخالي من الإثم وإن كان مفضولًا من حيث جنسه أفضلُ من العمل الصالح المصاحب للإثم وإن كان فاضلًا.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في تفسير الآية: «ذكر الله أربع مراتب
_________________
(١) سورة البقرة الآيات من ٢٦٢ - ٢٦٤.
(٢) تفسير الطبري ٣/ ٦٣.
(٣) انظر تفسير ابن كثير ١/ ٦٩٣.
[ ٦١ ]
للإحسان: المرتبة العليا النفقة الصادرة عن نية صالحة، ولم يتبعها المنفق منا ولا أذى.
ثم يليها قول المعروف وهو الإحسان القولي، بجميع وجوهه الذي فيه سرور المسلم، والاعتذار من السائل إذا لم يوافق عنده شيئًا، وغير ذلك من أقوال المعروف.
والثالثة: الإحسان بالعفو والمغفرة، عمن أساء إليك بقول أو فعل، وهذان أفضل من الرابعة وخير منها، وهي التي يُتْبِعُهَا المتصدقُ الأذى للمعطي؛ لأنه كدّر إحسانه وفعل خيرًا وشرًا، فالخير المحض، وإن كان مفضولًا خير من الخير الذي يخالطه شر وإن كان فاضلًا». (^١)
وفي الآية الثالثة: نهى الله جلّ وعلا عباده عن إبطال صدقاتهم بالمن والأذى، وشبه هذا بحال من ينفق ما له مراءاة للناس، فدلت الآية على إبطال المن والأذى لأجر الصدقة بالكلية وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين:
قال الطبري ﵀ في تفسير الآية: «يقول لا تبطلوا أجور صدقاتكم بالمن والأذى، كما أبطل كفر الذي ينفق ماله» (^٢)
وقال القرطبي: «عبر عن عدم القبول وحرمان الثواب بالإبطال، والمراد الصدقة التي يمن بها ويؤذي لا غيرها». (^٣)
وقال ابن كثير: «فأخبر أن الصدقة تبطل بما تبعها من المن والأذى، فما بقي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى». (^٤)
وبنحو هذا قال جمع من المفسرين المتأخرين في تفسيرهم للآية: (^٥)
_________________
(١) تفسير السعدي ١/ ١٥٧.
(٢) تفسير الطبري ٣/ ٦٥.
(٣) تفسير القرطبي ٣/ ٣١١.
(٤) تفسير ابن كثير ١/ ٦٩٤.
(٥) انظر فتح القدير للشوكاني ١/ ٢٨٥ وتفسير السعدي ١/ ١٥٨، وأضواء البيان للشيخ محمد الأمين ١/ ١٩٨.
[ ٦٢ ]
ووجه الدلالة من هذه الآية لموضوعنا: أنه إذا ثبت تأثير هذه المعصية المخصوصة في إبطال أجر هذه الطاعة هنا وهي الصدقة أرشد ذلك إلى تأثير جنس المعصية، في جنس الطاعة في النقص من أجرها من باب أولى.
فدلت كل واحدة من الآيات الثلاث، على أثر تنزه الأعمال الصالحة من الذنوب والخطايا، على كمال أجرها وثوابها عند الله.
ومما جاء في هذا المعنى من السنة حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال «من لم يدع قول الزور، والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (^١)
فدل الحديث على انتقاص أجر الصوم بقول الزور والعمل به، بل ظاهر الحديث يدل على بطلانه به (^٢).
قال المهلب: «فيه دليل أن حكم الصيام الإمساك عن الرفث وقول الزور، كما يمسك عن الطعام والشراب، وإن لم يمسك عن ذلك فقد تنقص صيامه، وتعرض لسخط ربه، وتَرْكِ قبوله منه». (^٣)
وقال ابن حجر: «واستدل به على أن هذه الأفعال تنقص الصوم». (^٤)
ونقل عن السبكي أن «مقتضى ذلك أن الصوم يكمل بالسلامة عنها، فإذا لم يسلم عنها نقص». (^٥)
وقال ابن رجب معللًا نقص الصيام بذلك «وسر هذا أن التقرب إلى الله تعالى
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح ٤/ ١١٦ ح (١٩٠٣).
(٢) وبه قال بعض أهل العلم وذهبوا إلى أن الصيام يبطل بما ذكر في الحديث، كما نقل هذا ابن حجر في الفتح ٤/ ١١٧، عن ابن المنير وابن العربي رحمها الله.
(٣) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٤/ ٢٣.
(٤) فتح الباري ٤/ ١١٧.
(٥) المصدر نفسه ٤/ ١١٧.
[ ٦٣ ]
بترك المباحات، لا يكمل إلا بعد التقرب إليه بترك المحرمات، فمن ارتكب المحرمات، ثم تقرب بترك المباحات، كان بمثابة من يترك الفرائض ويتقرب بالنوافل، وإن كان صومه مجزئًا عند الجمهور بحيث لا يؤمر بإعادته». (^١)
ومما ورد صريحًا في السنة في بيان تفاضل الأعمال الصالحة بسبب تنزهها من الذنوب، ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حج فلم يرفث ولم يفسق (^٢) رجع كيوم ولدته أمه». (^٣)
فدل الحديث على فضل الحج الذي خلا من الرفث والفسوق على غيره، وأن هذا الثواب إنما استحقه من سلم حجه من ذلك.
قال ابن رجب ﵀: «مما يكمل به برّ الحج، اجتناب أفعال الإثم فيه من الرفث، والفسوق، والمعاصي». (^٤)
فتقرر بهذا أثر تنزه الأعمال الصالحة، من مخالطة الذنوب والمعاصي في كمال أجرها، وزيادة فضلها عند الله، وانتقاص ذلك بوجودها، كما دلت على ذلك النصوص وتقريرات أهل العلم.
إذا ثبت هذا فهل تبطل المعاصي أجر العمل إذا خالطته، أم تنقص من ثوابه فقط.
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية اختلاف العلماء في ذلك على قولين: فمن قائل بالإبطال، ومن قائل بعدمه.
_________________
(١) لطائف المعارف ٢٩٢.
(٢) الرفث: هو الجماع في قول الجمهور وقيل: هو اسم للفحش من القول. والفسق: هو المعاصي والسيئات. انظر: فتح الباري لابن حجر ٣/ ٣٨٢.
(٣) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ٣٨٢ ح (١٥٢١) وصحيح مسلم ٢/ ٩٨٤ ح: (١٣٥٠).
(٤) لطائف المعارف ٤١٧.
[ ٦٤ ]
قال ﵀: «فإذا كانت السيئات لا تحبط جميع الحسنات، فهل تحبط بقدرها، وهل يحبط بعض الحسنات بذنب دون الكفر فيه قولان للمنتسبين إلى السنة، منهم من ينكره، ومنهم من يثبته، كما دلت عليه النصوص مثل قوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ واَلأَذَى﴾. (^١) الآية، دل على أن هذه السيئة تبطل الصدقة، وضرب مثله بالمرائي، وقالت عائشة: (أبلغي زيدًا أن جهاده بطل) (^٢) الحديث». (^٣)
وذكر في موضع آخر أن القول بالإبطال هو قول الأكثر من أهل السنة:
قال: «الكبيرة الواحدة لا تحبط جميع الحسنات، ولكن قد تحبط ما يقابلها عند أكثر أهل السنة». (^٤)
وحكى ابن القيم الإجماع على هذا القول في معرض حديثه عن التوبة قال: «فإذا استقرت قاعدة الشريعة، أن من السيئات ما يحبط الحسنات بالإجماع، ومنها ما يحبطها بالنص، جاز أن تحبط سيئة المعاودة حسنة التوبة». (^٥)
وذهب ابن رجب إلى التفصيل، في هذا: فذكر أن العمل يبطل بارتكاب ما نهى عنه فيه لخصوصه دون ارتكاب ما نهى عنه لغير معنى يختص به قال: وهذا هو أصل جمهور العلماء. (^٦)
الجانب الثالث: إيقاع العبادات في أفضل أوقاتها.
فقد جاءت الشريعة بتحديد أوقات كثير من العبادات، وهذه الأوقات إما أوقات وجوب لا تصح العبادة إلا فيها، وإما أوقات فضيلة تشرف العبادة فيها
_________________
(١) سورة البقرة: (٢٦٤).
(٢) أخرجه الدارقطني ٣/ ٥٢.
(٣) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٣٨.
(٤) نقلا عن ابن مفلح في الآداب الشرعية ١/ ١٢٤.
(٥) مدارج السالكين ١/ ٢٧٨.
(٦) انظر لطائف المعارف ٢٩٢.
[ ٦٥ ]
على ما أُدى في غيرها من الأوقات.
والحديث هنا هو عن أوقات الفضيلة التي يشرف بها العمل ويكمل، دون أوقات الوجوب، فالحديث عنها متعلق بالدرجة الأولى، من درجات المتابعة الخاصة وهي المتابعة الواجبة، فإن تأدية العمل في وقته الواجب واجب مندرج تحت تلك المرتبة لا ما نحن بصدده هنا، من عرض جوانب المتابعة المستحبة الكاملة.
إذا تقرر هذا فينبغي أن يعلم أن الأوقات الفاضلة للأعمال في الشرع على قسمين بحسب انقسام الأعمال إلى فرائض ونوافل:
فالقسم الأول: أوقات فضيلة للفرائض:
وهي الأوقات الفاضلة لتأدية الفرائض، كالأوقات الفاضلة لتأدية الصلوات الخمس، وهي أوائل الأوقات من أوقات الصلوات، إلا العشاء فتأخيرها أفضل (^١)، وكذا الظهر في شدة الحر فيستحب تأخيرها والإبراد بها، كما هو ثابت في السنة. (^٢)
وكالوقت الفاضل للإمساك والفطر في الصوم، وهو تأخير الإمساك وتعجيل الفطر، إلى غير ذلك من الأوقات الفاضلة لأداء الواجبات، مما هو مفصل في الفقه، فتأدية الواجبات في أوقاتها الفاضلة أكمل من تأديتها في غيرها، وبذلك يعظم أجرها وثوابها عند الله، كما دلت على ذلك النصوص.
فعن عبد الله بن مسعود قال سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل: قال: «الصلاة على ميقاتها …». (^٣) الحديث
فقد فهم بعض أهل العلم من قوله ﷺ (على ميقاتها) أن المقصود من ذلك
_________________
(١) انظر المغني لابن قدامة ٢/ ٣٢ - ٤٥، وإحكام الأحكام لابن دقيق العيد ١/ ١٦٥ - ١٦٧.
(٢) انظر الحديث في صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ١٥ ح (٥٣٣) وصحيح مسلم ١/ ٤٣٠ ح (٦١٥) وانظر أقوال أهل العلم في فتح الباري ٢/ ١٦.
(٣) متفق عليه وقد تقدم تخريحه ص (١٥)
[ ٦٦ ]
أول الوقت، قال ابن بطال: «فيه أن البدار إلى الصلاة في أول أوقاتها أفضل من التراخي فيها لأنه إنما اشترط فيها؛ أن تكون أحب الأعمال إلى الله إذا أقيمت لوقتها المستحب الفاضل» (^١)
وقال بعض العلماء في توجيه الاستدلال بهذا الحديث على ماتقدم: «إن إخراجها عن وقتها محرم، ولفظ أحب يقتضي المشاركة في الاستحباب، فيكون المراد الاحتراز عن إيقاعها آخر الوقت». (^٢)
ومن الأدلة الظاهرة على فضيلة أداء الصلوات في أول الوقت، أداء النبي ﷺ لها في أول الوقت كما هو ثابت في السنة.
فعن جابر بن عبد الله قال: «كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء أحيانًا وأحيانًا، إذا رآهم اجتمعوا عَّجَّل، وإذا رآهم أبطئوا أَخَّر والصبح كانوا أو كان النبي ﷺ يصليها بغلس». (^٣)
وأما زكاة الفطر فدل على فضيلة أدائها قبل صلاة العيد، ما أخرجه أبو داود وغيره، من حديث ابن عباس ﵄ قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر، طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين؛ فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصّدقات» (^٤)
فدل الحديث على فضل تأدية زكاة الفطر قبل صلاة العيد، وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم، من غير خلاف يذكر، لنص الحديث على هذا، وإن تنازعوا في إخراجها بعد صلاة العيد هل هو مجزئ مع ترك الفضيلة أم لا يجزئ. (^٥)
_________________
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٢/ ١٥٧.
(٢) ذكره ابن حجر في الفتح ٢/ ٩.
(٣) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٢/ ٤١ ح (٥٦٠) ومسلم ١/ ٤٤٦ ح (٦٤٦).
(٤) أخرجه أبو داود ٢/ ٢٦٢ ح (١٦٠٩) وابن ماجه ١/ ٥٨٥ ح (١٨٢٧) والحاكم ١/ ٥٦٨ ح (١٤٨٨) وقال «صحح على شرط البخاري» ووافقه الذهبي، وحسن الحديث الألباني في صحيح ابن ماجه ١/ ٣٠٦ ح (١٤٨٠).
(٥) انظر المغني لابن قدامة ٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨، وشرح صحيح مسلم للنووي ٧/ ٦٣ وزاد المعاد لابن القيم ٢/ ٢١ - ٢٢، وفتح الباري لابن حجر ٣/ ٣٧٥.
[ ٦٧ ]
وأما تأخير السحور فدل على فضله حديث أنس عن زيد بن ثابت ﵄ قال: «تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة: قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين آية». (^١)
قال ابن بطال في شرح الحديث قال مهلب: «هذا يدل على تأخير السحور ليتقوى به على الصوم». (^٢)
وبه استدل البغوي على فضل تأخير السحور قال: «واستحب أهل العلم تأخير السحور ..». (^٣) ثم ساق الحديث.
وأما فضل تعجيل الفطر فدل عليه حديث سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». (^٤)
قال البغوي ﵀: بعد إيراده الحديث: «والعمل على هذا عند أهل العلم، استحبوا تعجيل الفطر، بعدما تيقن غروب الشمس». (^٥)
فدل الحديث على استحباب تأخير السحور وتعجيل الفطر.
وقد نص على هذا الأئمة المحققون، وأنه هو الذي عليه هدي النبي ﷺ وسنته الثابتة:
قال عبد الكريم بن أبي مخارق: «من عمل النبوة تعجيل الفطر، والاستيناء بالسحور». (^٦)
وقال ابن عبد البر: «من السنة تعجيل الفطر، وتأخير السحور». (^٧)
_________________
(١) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٤/ ١٣٨ ح (١٩٢١) ومسلم ٢/ ٧٧١ ح (١٩٩٧).
(٢) شرح صحيح البخاري ٤/ ٤٤.
(٣) شرح السنة ٣/ ٤٦٨.
(٤) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٤/ ١٩٨ ح (١٩٥٧) ومسلم ٢/ ٧٧١ ح (١٠٩٨).
(٥) شرح السنة ٣/ ٤٦٨.
(٦) ذكره البغوي في شرح السنة ٣/ ٤٦٨.
(٧) التمهيد ٢١/ ٩٧.
[ ٦٨ ]
وقال ابن القيم في وصف هدي النبي ﷺ: «وكان يعجل الفطر، ويحض عليه، ويتسحر ويحث على السحور ويؤخره، ويرغب في تأخيره». (^١)
وإذا ثبت هذا تبين فضل الصيام الذي تحقق فيه تأخير السحور، وتعجيل الفطر، على الصيام الذي لم يتحقق فيه ذلك.
وبهذا يظهر فضل تأدية العبادات الواجبة في أوقاتها الفاضلة، على تأديتها في غير تلك الأوقات.
ولهذا عني الفقهاء ﵏ في مباحث مواقيت العبادات ببيان أوقات الفضيلة والإجزاء للعبادات، تنبيهًا لهذا الأمر، وترغيبًا للناس في إدراك الفضل.
قال ابن قدامة ﵀: «الأوقات ثلاثة أضرب: وقت فضيلة: وجواز، وضرورة». (^٢)
وقال ابن رشد: «اتفق المسلمون على أن للصلوات أوقاتًا خمسة وهي شرط في صحة الصلاة وأن فيها أوقات فضيلة وأوقات توسعة». (^٣)
وقال النووي في شرح حديث بريدة (^٤) «وفيه بيان أن للصلاة وقت فضيلة ووقت اختيار». (^٥)
وكلامهم في هذا يطول جدًا وإنما ذكرت هنا شيئًا يستأنس به.
_________________
(١) زاد المعاد ٢/ ٥٠.
(٢) المغني ٢/ ٣٢.
(٣) بداية المجتهد ١/ ٩٢.
(٤) حديث طويل أخرجه مسلم ١/ ٤٢٨ ح (٦١٣) وفيه أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن وقت الصلاة فقال له (صل معنا هذين): [يعني اليومين] ثم صلى النبي ﷺ الصلوات في اليوم الأول أوائل أوقاتها وفي اليوم الثاني في أواخر أوقاتها ثم قال: (وقت صلاتكم بين ما رأيتم).
(٥) شرح صحيح مسلم ٥/ ١١٤.
[ ٦٩ ]
القسم الثاني: أوقات فضيلة للنوافل.
ومبنى هذا القسم أن نوافل العبادات أجناس متعددة، كالصلاة، والصوم، والصدقة، والقراءة، والذكر، والدعاء، إلى غير ذلك من أنواع النوافل، ولكل جنس من هذه الأجناس وقت فضيلة يفضل فيه هذا العمل على غيره من الأعمال.
وبيان هذا على وجه التفصيل أن نوافل العبادات بحسب ما تؤدى فيه من الأوقات على نوعين:
النوع الأول: ما كان مقيدًا بوقت مخصوص، أو حال مخصوصة.
ومن ذلك: قيام الليل، وصلاة الوتر، فهما مقيدان بما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر على المشهور (^١)
والسنن الراتبة التي تؤدى قبل الصلوات أو بعدها مقيدة بأوقاتها المخصوصة. (^٢)
وصلاة الضحى مقيدة بوقتها، وهو من خروج وقت النهي إلى قبيل الزوال. (^٣)
وأذكار الصباح والمساء مقيدة بوقتي الصباح والمساء، منها ما هو مقيد بطلوع الشمس وغروبها، ومنها ما هو مقيد بعدم انصرافه وثني قدميه من صلاة الصبح والمغرب (^٤)، وما عدا ذلك من النوافل المقيدة بأوقات مخصوصة.
وكذلك ما كان مقيدًا بحال مخصوصة كأذكار النوم، والأكل والشرب، وأذكار اللباس، والخلاء، ودخول المنزل والمسجد والخروج منهما، وأذكار
_________________
(١) انظر مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر المروزي ص ٢٧٧.
(٢) انظر المغني لابن قدامة ٢/ ٥٤٤.
(٣) انظر زاد المستقنع لشرف الدين أبي النجا ص ١٥.
(٤) انظر الأذكار للنووي ص: ٧٠ - ٨٢ والكلم الطيب لشيخ الإسلام ابن تيمية ص: ٣٠ - ٣٦، وصحيح الترغيب والترهيب للألباني ١/ ٢٦٠ - ٢٦٣.
[ ٧٠ ]
الوضوء ومتابعة المؤذن، وأذكار ركوب الدابة، وأذكار السفر، وتشميت العاطس، والسلام على المسلمين والرد عليهم، إلى غير ذلك من الأذكار المخصوصة مما هو مبسوط في كتب الأذكار. (^١)
وأفضل الأعمال في هذه الأوقات والأحوال هو الاشتغال بالمشروع فيها، دون الاشتغال بغيرها من الأعمال المطلقة التي لا تقيد بوقت، أو حال. وذلك لأن العمل المقيد بوقت يفوت بخروج وقته، وانقضاء أجله، بخلاف الأعمال المطلقة فيمكن أداؤها فيما عدا ذلك من الأوقات. قال الإمام ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر اختلاف الناس في المفاضلة بين الأعمال:
«الصنف الرابع: قالوا: إن أفضل العبادة: العمل في مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته». (^٢)
وقال أيضا: «فالفضل في كل وقت: إثبات مرضاة الله في ذلك الوقت والحال.
والاستقلال بواجب ذلك الوقت، ووظيفته، ومقتضاه، وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق، والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيد». (^٣)
النوع الثاني: ما ورد الترغيب في أدائه في بعض الأوقات على سبيل الاستحباب، ويدخل في هذا بعض الأعمال الصالحة التي جاءت النصوص بالترغيب فيها في بعض الأوقات، وإن كانت مشروعة في غير تلك الأوقات، لكن أداءها في الأوقات المرغب فيها أفضل.
ومن ذلك الصلاة المطلقة فهي في الليل أفضل منها في النهار، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ (^٤).
_________________
(١) انظر تفاصيل ذلك في كتابي: الأذكار للنووي، والكلم الطيب لشيخ الإسلام ابن تيمية.
(٢) مدارج السالكين ١/ ٨٨.
(٣) المصدر نفسه ١/ ٨٩.
(٤) المزمل الآية (٩).
[ ٧١ ]
قال الضحاك في قوله: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾: «قراءة القرآن بالليل أثبت منه بالنهار وأشد مواطأة بالليل منه بالنهار». (^١)
وقال الطبري: «ناشئة الليل أشد ثباتًا من النهار وأثبت في القلب، وذلك أن العمل بالليل أثبت منه بالنهار». (^٢)
وقال ابن كثير: «أي أجمع للخاطر في أداء القراءة، وتفهمها، من قيام النهار، لأنه وقت انتشار الناس، ولغط الأصوات، وأوقات المعاش». (^٣)
وقد دلت على هذا أقوال الصحابة ﵃:
فعن ابن مسعود ﵁: «فضل صلاة الليل على صلاة النهار، كفضل صدقة السر، على صدقة العلانية». (^٤)
وقال عمرو بن العاص ﵁: «ركعة بالليل، خير من عشر بالنهار». (^٥)
قال ابن رجب ﵀: «وإنما فضلت صلاة الليل على صلاة النهار، لأنها أبلغ في الإسرار، وأقرب إلى الإخلاص». (^٦)
ومما يدخل في هذا الباب الاستغفار في السحر، قال تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (^٧)، وقال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَار﴾. (^٨)
قال ابن كثير ﵀ «دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار. وقد قيل: إن يعقوب ﵇ لما قال لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ (^٩)، أنه أخرهم إلى
_________________
(١) تفسير الطبري ١٢/ ٢٨٤.
(٢) المصدر نفسه ١٢/ ٢٨٣.
(٣) تفسير ابن كثير ٨/ ٢٥٢.
(٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد ١/ ١١٩ وقال المحقق: «موقوف بسند صحيح» أخرجه أبو نعيم في الحلية ٧/ ٢٣٨، وأبو نصر المروزي في قيام الليل. (مختصر قيام الليل للمقريزي ص ٦٣).
(٥) أخرجه المروزي في قيام الليل (مختصر قيام لليل للمقريزي ص ٦٣).
(٦) لطائف المعارف ص ٨٧.
(٧) الذريات: (١٨).
(٨) آل عمران من الآية (١٧).
(٩) يوسف من الآية (٩٨).
[ ٧٢ ]
وقت السحر». (^١)
ومنه الذكر طرفي النهار قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (^٢)، وقال ﷿: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ (^٣) وقال جلا وعلا: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (^٤) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وأخرج الإمام أبو داود من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس، أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة». (^٥)
فدلت النصوص على أن هذين الوقتين هما أفضل الأوقات للذكر وبهذا صرح أهل العلم:
قال الإمام النووي: «اعلم أن أشرف أوقات الذكر في النهار الذكر بعد صلاة الصبح». (^٦)
وقال الحافظ ابن رجب: «ويستحب أيضًا الذكر بعد الصلاتين اللتين لا تطوع بعدهما، وهما: الفجر، والعصر، فيشرع الذكر بعد صلاة الفجر إلى أن تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس. وهذان الوقتان أعني: الفجر، والعصر، هما أفضل أوقات النهار للذكر». (^٧)
ومما ورد الترغيب فيه في بعض الأوقات الدعاء. فإنه يفضل في أوقات إجابة
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٣).
(٢) الأحزاب الآية (٤١ - ٤٢).
(٣) غافر الآية (٥٥).
(٤) طه الآية (١٣٠).
(٥) سنن أبي دواد ٤/ ٣٧ - ٧٤ ح (٣٦٦٧) وقد حسن الحديث الألباني في صحيح الترغيب ١/ ٢٦٠.
(٦) الأذكار ص ٧٠.
(٧) جامع العلوم والحكم ٢/ ٣٧٩، ٣٨٠. وانظر المحجة في سير الدلجة ص ٦١، ٦٢.
[ ٧٣ ]
الدعاء، ومن ذلك: وقت السحر، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، حتى يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له». (^١)
وساعة الاستجابة من يوم الجمعة لقول ﷺ في يوم الجمعة «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو يصلي، يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه» (^٢)، وقد اختلف فيها على أكثر من أربعين قولًا (^٣) أصحها قولان: الأول: هي ما بين جلوس الإمام على المنبر، إلى الفراغ من الصلاة. الثاني: هي ما بعد صلاة العصر، إلى الغروب. (^٤)
ويوم عرفة لقول النبي ﷺ «خير الدعاء دعاء يوم عرفة …». (^٥)
قال ابن عبد البر: «وفيه من الفقه أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره، وفي ذلك دليل على فضل يوم عرفة على غيره. وفي الحديث أيضًا دليل على أن دعاء يوم عرفة مجاب كله في الأغلب». (^٦)
وما بين الأذان والإقامة لقوله ﷺ «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة». (^٧)
ومما جاء الترغيب فيه أيضًا في بعض الأوقات صيام بعض الأيام: كيوم
_________________
(١) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٣/ ٢٩ ح (١١٤٥) ومسلم ١/ ٥٢١ ح (٧٥٨).
(٢) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ١/ ٤١٥ ح (٩٣٥) ومسلم ١/ ٢/ ٥٨٣ ح (٨٥٢).
(٣) ذكرها بن حجر في الفتح ٢/ ٤١٦ - ٤٢١ وأوصلها إلى (ثلاثة وأربعين) قولا.
(٤) انظر شرح صحيح مسلم للنووي ٦/ ١٤٠ - ١٤١ وزاد المعاد لابن القيم ١/ ٣٩٤ وفتح الباري لابن حجر ٢/ ٤٢١ - ٤٢٢.
(٥) أخرجه الترمذي ٥/ ٥٧٢ ح (٣٥٨٥) وحسنه الألباني: مشكاة المصابيح ٢/ ٧٩٧.
(٦) التمهيد ٦/ ٤١.
(٧) أخرجه أحمد ٢٠/ ٤١ ح (١٢٥٨٤) وأبو داود ١/ ٣٥٨، والترمذي ١/ ٤١٥ وحسنه وصححه الألباني في إرواء الغليل ١/ ٢٦١ - ٢٦٢، ح (٢٤٤).
[ ٧٤ ]
عرفة، وعاشوراء، والأيام البيض من كل شهر، والاثنين والخميس من كل أسبوع، وصيام ستة أيام من شوال، كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ (^١) وكذلك صيام محرم وقد ثبت أن صيامه أفضل الصيام بعد رمضان، لما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم …». (^٢)
قال ابن رجب ﵀: «وهذا الحديث صريح، في أن أفضل ما تُطُوِعَ به من الصيام بعد رمضان، صوم شهر الله المحرم، وقد يحتمل أن يراد أنه أفضل شهر تطوع بصيامه كاملا، بعد رمضان، فأما بعض التطوع ببعض الشهر، فقد يكون أفضل من بعض أيامه، كصيام يوم عرفة، أو عشر ذي الحجة، أو ستة أيام من شوال ونحو ذلك». (^٣)
ومما رغب فيه من الأعمال أيضًا في بعض الأوقات العمرة في رمضان لما أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لأم سنان الأنصاري: «عمرة في رمضان تقضي حجة معي». (^٤) وفي رواية: «تعدل حجة». (^٥)
فالتقرب إلى الله بهذه الأعمال في أوقاتها الفاضلة أفضل من التقرب بها في غيرها من الأوقات، وإن كان المتقرب بها في غير أوقاتها الفاضلة مأجور على عمله، لم يخرج عن السنة، لأن هذه العبادات مطلقة، بخلاف القسم الأول فإن العبادات فيه مقيدة بأوقات مخصوصة لا تخرج عن وقتها إلا لعذر، فتؤدى على سبيل القضاء، كقضاء صلاة الليل والوتر في النهار، لمن عرض له عارض في الليل من نوم أو مرض، فينبغي التنبه لهذا الفرق بين القسمين.
_________________
(١) انظر الأحاديث في ذلك في الصفحات: ١٥٦ - ١٦١، من هذا الكتاب.
(٢) صحيح مسلم ٢/ ٨٢١ ح (١١٦٣).
(٣) لطائف المعارف ص ٧٧.
(٤) صحيح البخاري مع الفتح ٤/ ٧٢ ح (١٨٦٣) ومسلم ٢/ ٩١٧، ٩١٨.
(٥) أخرجها البخاري، الصحيح مع الفتح ٣/ ٦٠٣ ح (١٧٨٢) ومسلم ٢/ ٩١٧ ح (١٢٠٦).
[ ٧٥ ]
ثم هاهنا مسألة متعلقة بهذا القسم، وهي: هل الأفضل في هذه الأوقات، الاشتغال بهذه الأعمال واستغراق الوقت فيها، وتقديمها على غيرها من الأعمال الأخرى التي قد تكون أفضل منها باعتبار الجنس؟ أما أن الأفضل هو الاشتغال بما هو أفضل منها باعتبار الجنس؟.
الذي يظهر أن الأعمال المذكورة وأوقاتها المرغب فيها ليست على باب واحد بل تتنزل على عدة صور:
الصورة الأولى: أن لا يتعارض العمل المرغب فيه، ولا يضيق وقته الفاضل عن عمل آخر:
مثل الصيام فإنه لا يتعارض مع عمل آخر من صلاة، وقراءة، وذكر، وغيرها من أعمال البر، ولا يضيق وقته وهو مدة النهار، عن الجمع بين تلك الأعمال. ومثل العمرة في رمضان، فإنه يمكن الجمع بين تأديتها وبين أعمال البر الأخرى من قراءة وذكر وأمر بمعروف ونهي عن منكر، كما أن وقتها الفاضل وهو طوال شهر رمضان لا يضيق عن التقرب إلى الله بغيرها من أعمال البر.
وفي مثل هذه الصورة لا شك أن الجمع بين هذه الأعمال أفضل من الاقتصار على العمل الفاضل في هذا الوقت، بل جاء الترغيب في ذلك من النبي ﷺ:
ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله ﷺ ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة». (^١)
وهذا في حق من استطاع الجمع بين هذه الأعمال، أما من عجز عن ذلك ولم
_________________
(١) صحيح مسلم ٤/ ١٨٥٧ ح (١٠٢٨).
[ ٧٦ ]
يقدر إلا على بعضها أو أحدها، فحكمه حكم من تعارض عنده العملان، على ما سيأتي بيانه في الصورة الثانية:
الصورة الثانية: أن يتعارض العمل المرغب فيه، ويضيق وقته عن عمل آخر، مثل الذكر طرفي النهار، وعلى وجه الخصوص ما رُغب فيه قبل الشروق والغروب، فإن الذكر يتعارض مع أعمال اللسان الأخرى كقراءة، ودعاء، وتعليم، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر باللسان، كما أن الانشغال بغيره من أعمال الجوارح، من اتباع جنازة، وعيادة مريض، وقضاء حوائج المسلمين مظنة النقص من كماله لانشغال القلب بغيره، وإن كان اللسان ذاكرًا. وكذا الدعاء في ساعة الجمعة، خصوصًا عند من يرى أنها ما بين جلوس الإمام على المنبر حتى ينصرف، فالقول فيها وفي وقتها، كالقول في الذكر ووقته بل إن وقتها أضيق كما لا يخفى.
ففي مثل هذه الصورة لابد من الترجيح بين الأعمال، والاشتغال بما هو أفضل. ثم ينظر هل يقدم العمل المرغب فيه في هذا الوقت، كالذكر، والدعاء، أم يقدم الأفضل باعتبار الجنس كالقراءة مثلًا؟.
قال الحافظ ابن رجب: «من أصحابنا من رجح التلاوة على التسبيح ونحوه بعد الفجر والعصر، وسئل الأوزاعي عن ذلك فقال كان هديهم ذكر الله فإن قرأ فحسن، وظاهر هذا أن الذكر في هذا الوقت أفضل من التلاوة، وكذا قال إسحاق في التسبيح عقيب المكتوبات مائة مرة إنه أفضل من التلاوة حينئذ». (^١)
قلت: وهذا هو الظاهر من السنة، فإن المنقول عن النبي ﷺ من الأذكار في طرفي النهار، مما كان يقوله ويرغب فيه شيء كثير، وهذا بلا شك يستغرق وقتًا من أول النهار وآخره، والانشغال بالقراءة أو غيرها يقطع عنه.
_________________
(١) جامع العلوم والحكم ٢/ ٣٨٠، ٣٨١.
[ ٧٧ ]
وبهذا يظهر أن الاشتغال بوظائف الأوقات مقدم على غيره، وإن كان الغير أفضل باعتبار الجنس.
الصورة الثالثة: أن يتعارض العمل المرغب فيه مع عمل آخر، ولا يضيق وقته الفاضل عن غيره، مثل الصلاة فإنها تتعارض مع غيرها من الأعمال، فلا يمكن الجمع بينها وبين عمل آخر في وقت واحد، وإن كان الوقت الفاضل لأدائها، وهو الليل لا يضيق عن غيرها، بل يبقى متسع من الوقت في التقرب إلى الله بغيرها من قراءة، وذكر، واستغفار، وتعلم، وتعليم، وقضاء حوائج المسلمين.
وهذه الصورة تأخذ حكم الصورة الأولى، في أن الأفضل هو الاشتغال بما أمكن من أعمال الطاعات مع تأدية العمل المفضل في هذا الوقت، ما دام الجمع ممكنًا.
وهذا هو الموافق لهدي النبي ﷺ إن شاء الله فقد كان يقوم من الليل ما شاء. ولربما عاد أهل البقيع، واستغفر لهم في بعض الليالي، كما في حديث عائشة وقصة خروجه من بيتها ليلًا، وفي رواية: أنه يفعل ذلك في كل ليلة يبيت عندها (^١)، كما أنه كان أحيانًا يسمر مع أبي بكر وعمر في بعض أمور المسلمين. (^٢)
وبهذا العرض المفصل يظهر فضل إيقاع العبادات في أوقاتها الفاضلة، على ما تم أداؤه في غيرها من الأوقات الأخرى، وبمراعاة هذا الجانب مع الجانبين السابقين وهما: المحافظة على السنن والمستحبات المشروعة في العمل، وتنزيه العمل في العبادات من الذنوب والمعاصي تتحقق المتابعة في كمال العمل.
ومن خلال هذا كله تتبين حقيقة المتابعة الخاصة بدرجتيها:
- درجة المتابعة الواجبة المؤثر في قبول العمل.
_________________
(١) أخرجهما مسلم في صحيحه ٢/ ٦٦٩ - ٧٧١، ح (٩٧٤).
(٢) أخرج الحديث الترمذي من حديث عمر بن الخطاب ﵁ ١/ ٣١٥، وقال: «حديث حسن».
[ ٧٨ ]
- ودرجة المتابعة الكاملة المستحبة المؤثرة في كمال العمل وفضله.
على ما تم عرضه وبيانه من خلال النصوص وكلام أهل العلم في ذلك.
وأما المتابعة العامة:
فهي المتابعة الكاملة لهدي النبي ﷺ العام في كل أحواله، وبابها واسع جدًا يصعب في هذا المقام حصره، وحقيقتها امتثال الشرع كله، ولا سبيل لتحقيقها إلا بكمال الفقه في الدين، وقوة العزيمة على العمل، مع توفيق الله للعبد وإعانته، وليس لمثلي من أهل التفريط والنقص، الحديث عن هذه الدرجة العالية الرفيعة، لولا أن البحث قادني إليها، ولذا فإني أذكر الأصول العامة التي عليها مدار هذه الدرجة بحسب ما وقفت عليه من النصوص، وكلام أهل العلم فيها، وأما تفاصيل جزئياتها: فالمرجع فيه العلماء العاملون، والفقهاء الراسخون، والعباد المثابرون الذين ذاقوا حلاوتها، ونقلهم الله إلى أعتاب مرتبتها.
فأقول مستعينًا بالله إن مدار هذه الدرجة على عدة أصول:
الأصل الأول: المتابعة للنبي ﷺ في الشمول في العبادة، بحيث لا يشتغل بنوع دون آخر، بل يجمع بين كل أنواع العبادات، ويضرب بسهم مع كل طائفة من أصحاب الطاعات.
وجماع ذلك التقرب إلى الله تعالى بكل شعب الإيمان القلبية، والعملية، والقولية، وهي بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. (^١)
قال ابن القيم ﵀ في وصف حال المتعبدين التعبد المطلق: «وصاحب
_________________
(١) انظر الحديث في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا ١/ ٦٣، بلفظ «الإيمان بضع وسبعون شعبة» وفي رواية «بضع وسبعون أو بضع وستون» وفي صحيح البخاري مع الفتح ١/ ٥١ بلفظ (بضع وستون …).
[ ٧٩ ]
التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبع مرضاة الله تعالى أين كانت، فمدار تعبده عليها، فهو لا يزال متنقلًا في منازل العبودية، كلما رفعت له منزلة، عمل على سيره إليها، واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى، فهذا دأبه في السير، حتى ينتهي سيره، فإن رأيت العلماء رأيته معهم، وإن رأيت العباد رأيته معهم، وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم، وإن رأيت المتصدقين رأيته معهم، وإن رأيت أرباب الجمعية وعكوف القلب على الله رأيته معهم، فهذا هو العبد المطلق …». (^١)
وقد ثبت في فضل التقرب إلى الله بجمع من أنواع البر، أنهم يدعون من أبواب الجنة كلها، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أنفق زوجين من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان.
فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة؟ وقال: هل يدعى منها كلها أحدٌ يا رسول الله؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر». (^٢)
والأصل الثاني: المتابعة للنبي ﷺ في المداومة على العمل قدر الطاقة.
فعن عائشة ﵂ أنها سئلت: كيف كان عمل النبي ﷺ، وهل كان يخص شيئًا من الأيام؟ قالت: «كان عمله ديمة. وأيكم يستطيع ما كان رسول الله ﷺ يستطيع». (^٣)
_________________
(١) مدارج السالكين ١/ ٨٩ - ٩٠.
(٢) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح ٧/ ١٩ ح (٣٦٦٦) ومسلم ٢/ ٧١١ ح (١٠٢٧).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٥٤١ ح (٧٨٣).
[ ٨٠ ]
وعنها ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» (^١) وسيأتي بسط الحديث في هذا الباب وبيان حدوده وأثره في التفاضل في العمل، في الفصل القادم إن شاء الله، (^٢) وإنما القصد هنا التنبيه على أن المداومة على العمل من هدي النبي ﷺ الذي تتحقق به كمال المتابعة له في العمل.
الأصل الثالث: المتابعة للنبي ﷺ في العمل على وجه السداد والاقتصاد والتيسير واجتناب ما كان منه على وجه التكلف، والاجتهاد والتعسير. (^٣)
جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». (^٤)
فحذر النبي ﷺ من الرغبة عن سنته، في الاقتصاد في العبادة، وبيَّن أن هديه في التعبد أكمل وأفضل من سلوك طريق الرهبنة والتشدد.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وطريقة النبي ﷺ الحنيفية السمحة، فيفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة، وإعفاف النفس وتكثير النسل». (^٥)
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٥٤١.
(٢) انظر ص: ١٠١ وما بعدها.
(٣) انظر المحجة في سير الدلجة لابن رجب ص ٤٦.
(٤) صحيح البخاري مع الفتح ٩/ ١٠٤ ح (٥٠٦٣) وصحيح مسلم ٢/ ١٠٢٠ ح (١٤٠١).
(٥) فتح الباري ٩/ ١٠٥.
[ ٨١ ]
وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الدين يسر ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة». (^١)
والنصوص في هذا الأصل، وأقوال العلماء في تقريره كثيرة، وسيأتي عرضها مفصلة في فصل مستقل إن شاء الله. (^٢)
الأصل الرابع: المتابعة للنبي ﷺ في الموازنة بين الحقوق بحيث لا يشتغل بحق على حساب آخر، بل يقوم بتأدية الحقوق كلها، وإعطاء كل ذي حق حقه.
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: «إن لجسدك عليك حقًا وإن لعينك عليك حقًا، وإن لزورك (^٣) عليك حقًا وإن لزوجك عليك حقًا». (^٤)
وقال سلمان لأبي الدرداء ﵄ «إن لربك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه». قال النبي ﷺ «صدق سلمان». (^٥)
وقد كان النبي ﷺ مع عظم قيامه بحق ربه، وانشغاله بأعباء الرسالة لم يشغله ذلك عن تأديته لحقوق الخلق ومجاملتهم وحسن صحبتهم.
قال جرير بن عبد الله: «ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم». (^٦)
_________________
(١) صحيح البخاري الفتح ١/ ٩٣ ح (٣٩).
(٢) انظر الفصل السادس من هذا الكتاب ص: ١١٥.
(٣) تقدم بيان معناه ص: ٣.
(٤) صحيح البخاري مع الفتح ١٠/ ٥٣١ ح (٦١٣٤) وصحيح ومسلم ٢/ ٨١٣.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، الصحيح مع الفتح ١٠/ ٥٣٤ ح (٦١٣٩).
(٦) ذكره القاضي عياض في الشفاء ١/ ١٥٧.
[ ٨٢ ]
وعن عائشة ﵂: «ما كان أحد أحسن خلقًا من رسول الله ﷺ ما دعاه أحد من أصحابه، ولا أهل بيته إلا قال: لبيك». (^١)
وجاء في وصفه: «وكان يمازح أصحابه، ويخالطهم، ويحادثهم، ويداعب صبيانهم، ويُجْلِسُهم في حجره، ويجيب دعوة الحر والعبد، والأمة، والمسكين، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر». (^٢)
فالتأسي به ﷺ في تأدية الحقوق سواء ما يتعلق منها بحق الله، أو بحقوق الخلق، مما تكمل به المتابعة له في هديه وعبادته، ويشرف به العبد عند ربه.
فهذه بعض الأوجه التي تحصل بها المتابعة العامة لهدي النبي ﷺ ولست أزعم حصرها في هذه الأوجه وإنما هذه إشارة لأبرز ملامحها.
والمرجع في تفاصيل جزئيات هذه الدرجة العالية، للأئمة الراسخين والعلماء المحققين الذي سبروا سنة النبي ﷺ في كل الأبواب وضبطوا هديه في كل الأحوال، وامتثلوا ذلك في الأقوال والأعمال، فاجتمع لهم في الحديث عنها رسوخ القدم في العلم بها، وطول التجربة في ممارستها.
وبهذا العرض المفصل تتبين حقيقة المتابعة للنبي ﷺ وبيان درجاتها، وأثرها في تفاضل الأعمال وبه يتحقق المقصود من عقد هذا الفصل، فلله الحمد والفضل.
_________________
(١) الشفاء للقاضي عياض ١/ ١٥٧.
(٢) المصدر نفسه.
[ ٨٣ ]