من أسباب التفاضل بين الأعمال التي دلت عليها النصوص، وقررها أهل العلم، تفاضل الأعمال بحسب شرف العامل ومكانته عند الله.
قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا، وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾. (^١)
قال الطبري في معنى قوله تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ «قول يعطها الله ثواب عملها مثلي ثواب عمل غيرهن من سائر نساء الناس». (^٢)
وفي هذه الآية دلالة ظاهرة على شرف العمل وفضله بشرف العامل وعلو قدره فلما كن أزواج النبي ﷺ بهذا الشرف والمكانة عند الله وقربهن من رسوله ﷺ ضاعف الله لهن أعمالهن على غيرها من أعمال سائر النساء.
قال ابن رجب «وكان علي بن الحسين يتأول في آل النبي ﷺ من بني هاشم مثل ذلك لقربهم من النبي ﷺ». (^٣)
ومن الأدلة أيضا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. (^٤)
_________________
(١) سورة الأحزاب (٣٠ - ٣١).
(٢) تفسير الطبري (١٠/ ٢٩٢).
(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٠٨).
(٤) سورة الحديد (٢٨).
[ ١١١ ]
قال ابن عباس: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ أجرين، وفي رواية ضعفين، وبه قال مجاهد. (^١)
وفي هذا دلالة على تفضيل العمل، ومضاعفة أجره، لفضل العامل فهذه الأمة خير الأمم كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. (^٢) ولهذا أعطاهم الله الأجر على العمل القليل ما لم يعط غيرهم على العمل الكثير.
فعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء فقال من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين فأنتم هم فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: ما لنا أكثر عملًا وأقل عطاء، قال: هل نقصتكم من حقكم؟ قالوا: لا. قال فذلك فضلي أوتيه من أشاء». (^٣)
قال ابن حجر: «وفي الحديث تفضيل هذه الأمة وتوفير أجرها مع قلة عملها». (^٤)
ومن الأدلة لهذه المسألة من السنة ما أخرج الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال النبي ﷺ: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ حد أحدهم ولا نصيفه». (^٥)
_________________
(١) انظر تفسير الطبري (١١/ ٦٩٣، ٦٩٤).
(٢) سورة آل عمران (١١٠).
(٣) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح (٤/ ٤٤٥) ح (٢٢٦٨) وانظره بالأرقام (٢٢٦٩) (٣٤٥٩) (٥٠٢١) (٧٤٦٧) (٧٥٣٣).
(٤) فتح الباري (٤/ ٤٤٩).
(٥) صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ٢١) ح (٣٦٧٣) وصحيح مسلم (٤/ ١٩٦٧) ح (٢٥٤٠).
[ ١١٢ ]
قال البيضاوي في شرحه: «معنى الحديث لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مد طعام أو نصيفه، وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص وصدق النية». (^١)
وقد دلت على هذه المسألة أقوال السلف:
روى ابن أبي شيبة عن سعيد بن زيد قال: «والله لمشهد يشهده الرجل منهم، يوما واحدا في سبيل الله، مع رسول الله ﷺ اغْبرَّ فيه وجهه، أفضل من عمل أحدكم لو عمرّ عمر نوح». (^٢)
وقال ابن مسعود: «أنتم أكثر صلاة وصياما من أصحاب محمد ﷺ، وهم كانوا خيرا منكم، قالوا: ولم؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب في الآخرة». (^٣)
فظهر بهذا فضل عمل الصحابة على عمل غيرهم، وهذا مما يدل على التفاضل في العمل باعتبار منزلة العامل.
وإذا تقرر هذا فإن أهل العلم، قد نبهوا على بعض أسباب هذا التفضيل، وهو وإن كان الذي يظهر من النصوص وأقوال أهل العلم، أن التفضيل يرجع لفضل العامل ومكانته عند الله، إلا أن وراء ذلك أيضا أسبابا أشار إليها أهل العلم.
فمنها: أن الفضل في العمل، يرجع إلى ما عليه العامل الفاضل من عمل باطن يغلب به غيره. وهذا ما أشار إليه ابن مسعود في قوله: «كانوا أزهد منكم في الدنيا».
ومنها: ما يكون عليه العامل من فقه في الدين وتأثير ذلك في عبادته، من حيث الإتقان، والإخلاص، والاشتغال بما هو أفضل، وأنفع، بما يناسب كل وقت.
_________________
(١) ذكره ابن حجر في فتح الباري (٧/ ٣٤).
(٢) المصنف لابن أبي شيبة (٤/ ٢٣١، ٢٣٢).
(٣) ذكره ابن رجب في لطائف المعارف ص (٤٤٨).
[ ١١٣ ]
وإلى هذا أشار أبو الدرداء ﵁ في قوله: «يا حبذا نوم الأكياس وإفطارهم كيف يعيبون سهر الحمقى وصيامهم ومثقال ذرة من بر صاحب تقوى ويقين، أعظم، وأفضل، وأرجح، من أمثال الجبال من عبادة المغترين». (^١)
وقال يحيى بن معاذ: «كم من مستغفر ممقوت، وساكت مرحوم، هذا أستغفر وقلبه فاجر، وهذا سكت وقلبه ذاكر». (^٢)
وقال غيره: «ليس الشأن فيمن يقوم الليل، إنما الشأن فيمن ينام على فراشه، ثم يصبح وقد سبق الركب». (^٣)
وقال بعضهم منشدًا:
مَنْ لي بمثلِ سيرِك المُدَلَّلِ تمشي رُوَيْدًا وتَجِي في الأولِ (^٤)
وبهذا يتم تقرير هذه المسألة والله تعالى أعلم.
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٢١١). وذكره ابن رجب في لطائف المعارف ص (٤٤٨)، بلفظ «يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف يسبق سهر الجاهلين وصيامهم».
(٢) المصدر نفسه ص (٤٤٩).
(٣) المصدر نفسه ص (٤٤٩).
(٤) ذكره ابن رجب في لطائف المعارف ص (٤٤٩).
[ ١١٤ ]