الأعمال الصالحة تنقسم باعتبار تعديها للخلق واقتصارها إلى قسمين:
القسم الأول:
أعمال مقتصرة على العامل نفسه لا تتعدى لغيره، وهي سائر العبادات التي يتقرب بها العباد إلى ربهم فيما بينهم وبينه من غير أن تتعلق بمخلوق.
والقسم الثاني:
أعمال متعدية للخلق، وهي كل الأعمال التي يتعدى نفعها للمخلوقين وتتحقق بها مصالحهم الدينية والدنيوية.
وقد قرر العلماء المحققون في أبواب المفاضلة بين الأعمال الصالحة، تفضيل الأعمال المتعدية على القاصرة وذلك لما يحصل بالأعمال المتعدية من عموم النفع للخلق، وتحقق المصالح التي لا يقوم أمر الدين ولا يصلح حال الدنيا إلا بها.
وقد استدلوا لذلك بعامة النصوص التي دلت على تفضيل الأعمال المتعدية والترغيب فيها والثناء على أهلها:
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. (^١)
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: «خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام». (^٢)
_________________
(١) سورة آل عمران: (١١٠).
(٢) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح (٨/ ٢٢٤) ح (٤٥٥٧).
[ ١٤٦ ]
قال ابن كثير ﵀: «وهكذا قال ابن عباس، ومجاهد، وعطية العوفي، وعكرمة، وعطاء، والربيع ابن أنس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ يعني خير الناس للناس: والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس ولهذا قال: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه﴾». (^١)
فدل فهم السلف للآية أن الخيرية قد حصلت للأمة لكونهم أنفع الناس للناس، وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يحصل به دخول الجنة والنجاة من النار، وهذا مما يدل على أثر الأعمال المتعدية في السبق إلى الخير والفضل عند الله، خاصة ما يتعلق منها بنفع الناس في دينهم الذي تتحقق به سعادتهم في الدنيا والآخرة.
وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. (^٢)
روى الطبري عن معمر قال تلا الحسن ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ إلى قوله ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال: «هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب الخلق إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته وقال: إنني من المسلمين هذا خليفة الله». (^٣)
كما دلت السنة على تفضيل الأعمال المتعدية على غيرها في أحاديث كثيرة.
منها:
ما أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدي والعلم، كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضا، فكان منها نقية، قبلت الماء
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٣٩١).
(٢) سورة فصلت (٣٣).
(٣) تفسير الطبري (١١/ ١٠٩ - ١١٠).
[ ١٤٧ ]
فأنبتت الكلأ، والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا، وسقوا، وزرعوا، وأصابت منه طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فَعَلِمَ وعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». (^١)
قال ابن حجر في شرحه: «وإنما جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين لاشتراكهما في الانتفاع بهما، وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بها». (^٢)
وفي الحديث دلالة ظاهرة على تفضيل الأعمال المتعدية على القاصرة وذلك من جهتين:
الأولى: تفضيل النوعين الأولين من الأراضي بتعدي نفعهما على الثالث الذي لم ينتفع به.
الثانية: تفضيل النوع الأول، بزيادة نفعه على الثاني، إذ الأول ممسك للماء منبت للعشب، والثاني ممسك للماء غير منبت للعشب، فمثل النوع الأول مثل الفقهاء العاملين المعلمين لغيرهم، ومثل النوع الثاني مثل الجامعين للعلم من غير فقه ولا فهم له، لكنهم أدوه إلى غيرهم، ومثل النوع الثالث مثل من لم يحملوا العمل ولم يحفظوه فلم ينتفعوا في أنفسهم ولم ينفعوا الناس بنقله ولا بتعليمه.
ومما يتجلى به فضل نفع الناس في العلم، وعظم أجره، ما جاء في حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا». (^٣)
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح (١/ ١٧٥) ح (٧٩) وصحيح مسلم (٤/ ١٧٨٧) ح (٢٢٨٢).
(٢) فتح الباري (١/ ١٧٧).
(٣) صحيح مسلم (٤/ ٢٠٦٠) ح: (٢٦٧٤).
[ ١٤٨ ]
والنصوص في فضل تعليم والناس، ودعوتهم للخير ومدح القائمين به كثيرة في الشرع، ويكفيه شرفا وفضلا أنه عمل الأنبياء والمرسلين، الذي شرفهم الله به، واصطفاهم له من بين سائر خلقه.
كما جاءت النصوص أيضا بالثناء على أهل الخير والفضل، الباذلين للمعروف، المحسنين للخلق، وأنهم خيار الخلق عند الله.
أخرج الإمام الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره». (^١)
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». (^٢)
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من خيركم أحسنكم خلقا». (^٣)
وعن أبي هريرة ﵁ قال: وقف رسول الله ﷺ على أناس جلوس فقال: «ألا أخبركم بخيركم من شركم؟ قال: فسكتوا، فقال ذلك ثلاث مرات، فقال رجل: بلى يا رسول الله أخبرنا بخيرنا من شرنا. قال: «خيركم من يرجى خيره، ويؤمن شره، وشركم من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره». (^٤)
_________________
(١) سنن الترمذي (٤/ ٣٣٣) ح: (١٩٤٤)، والحاكم (٤/ ١٨١) وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١/ ٦٣٦) ح: (١٩٧٧)، والدارمي (٢/ ٢١٢) ح: (٢٢٦٠). قال الألباني صحيح على شرط الشيخين. الأحاديث الصحيحة رقم: (٢٨٥).
(٣) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح (١٠/ ٤٥٢) ح: (٦٠٢٩)، ومسلم (٤/ ١٨١٠) ح: (٣٣٢١).
(٤) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٢٨) ح: (٢٢٦٣)، وقال: حديث حسن صحيح. وأحمد في المسند (١٤/ ٤١٠) ح: (٨٨١٢). وقال محققو المسند: «إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح».
[ ١٤٩ ]
فدلت هذه الأحاديث على أن خيار الخلق عند الله خيارهم للناس، وأن أفضلهم عند الله أنفعهم لخلقه. وهذا من أقوى ما ورد في الدلالة على هذا الباب ومن أظهر ما ذكر في تفضيل الأعمال المتعدية على الأعمال القاصرة في الدين، والله أعلم بها.
ومما جاء عن النبي ﷺ أيضًا في تفضيل الأعمال المتعدية، وخدمة الناس على العبادة القاصرة على العبد، ما أخرجه الشيخان من حديث أنس ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ أكثرنا ظلا الذي يستظل بكسائه، وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئا، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب، وامتهنوا، وعالجوا. فقال النبي ﷺ: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر». (^١)
وهذا من الأدلة الظاهرة الجلية، في تقديم خدمة الناس، ونفعهم، على العبادات القاصرة.
ومما تتقرر به هذه المسألة أفعال السلف، المتضمنة تقديمهم الأعمال المتعدية، على العبادات اللازمة، وسعيهم في خدمة الناس ونفعهم.
قال مجاهد: «صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه فكان يخدمني (^٢).
وعن مصعب بن أحمد بن مصعب أنه صحب أبا محمد المروزي في الحج، وكان قد اشترط عليه ألا يخالفه قال: «فخرجت معه وكان إذا حضر الطعام يؤثرني، فإذا عارضته بشيء قال: ألم أشرط عليك أن لا تخالفني، فكان هذا دأبنا حتى ندمت على صحبته لما يُلحق نفسه من الضرر، فأصابنا في بعض الأيام مطر شديد، ونحن نسير، فقال يا أبا أحمد اطلب الميل (^٣)، ثم قال لي: اقعد في
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح (٦/ ٨٤) ح: (٢٨٩٠)، وصحيح مسلم (٢/ ٧٨٨) ح: (١١١٩).
(٢) ذكره ابن رجب في لطائف المعارف ص: (٤١٣).
(٣) الميل: قدر مد البصر، ويطلق على الأعلام المبنية في طريق مكة، لأنها بنيت على مقادير مد البصر من الميل إلى الميل، انظر لسان العرب (١١/ ٦٣٩).
[ ١٥٠ ]
أصله، فأقعدني في أصله، وجعل يديه على الميل، وهو قائم قد حنا عليَّ، وعليه كساء قد تجلل به، يظلني من المطر، حتى تمنيت أني لم أخرج معه لما يلحق نفسه من الضرر» (^١).
وكان كثير من السلف يشترط على أصحابه في السفر أن يخدمهم اغتناما لأجر ذلك. منهم عامر بن عبد قيس، وعمرو بن عتبة بن فرقد مع اجتهادهما في العبادة في أنفسهما، وكذلك كان إبراهيم بن أدهم يشترط على أصحابه في السفر الخدمة والأذان (^٢).
وكان رجل من الصالحين يصحب إخوانه في سفر الجهاد وغيره، فيشترط عليهم أن يخدمهم، فكان إذا رأى رجلا يريد أن يغسل ثوبه قال له: هذا من شرطي فيغسله، وإذا رأى من يريد أن يغسل رأسه قال له: هذا من شرطي فيغسله، فلما مات نظروا في يده فإذا فيها مكتوب من أهل الجنة، فنظروا إليها فإذا هي كتابة بين الجلد واللحم».
وهذا مما يدل على تقديمهم ﵏ تلك الأعمال على العبادات القاصرة، وذلك أن اشتغالهم بخدمة الناس يأخذ من أوقاتهم الشيء الكثير، ولو علموا أن العبادات القاصرة أنفع لهم، ما كانوا ليشتغلوا بغيرها عنها، مع ما هم عليه من تمام الفقه، وشدة الحرص على الخير، واغتنام الفرص.
كما دل على هذا الأمر أقوال العلماء المحققين، فقرروه في كتبهم ووضحوه.
يقول الإمام ابن الجوزي واصفا حاله: «ما زالت نفسي تنازعني بما يوجبه مجلس
_________________
(١) صفة الصفوة لابن الجوزي (٤/ ٣٨٢).
(٢) انظر الزهد لعبد الله بن المبارك (٢/ ٦٥٩)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ١٧)، لطائف المعارف ص (٤١٣).
[ ١٥١ ]
الوعظ، وتوبة التائبين، ورؤية الزاهدين إلى الزهد والإنقطاع عن الخلق، والإنفراد بالآخرة، فتأملت ذلك فوجدت عمومه من الشيطان، فإن الشيطان يرى أنه لا يخلو لي مجلس من خلق لا يحصون يبكون ويندبون على ذنوبهم، ويقوم في الغالب جماعة يتوبون ويقطعون شعور الصبا، وربما اتفق خمسون ومائة، ولقد تاب عندي في بعض الأيام أكثر من مائة، وعمومهم صبيان قد نشأوا على اللعب، والانهماك في المعاصي، فكان الشيطان لبحر غوره في الشر رآني أجتذب إلي من أجتذب، منه فأراد أن يشغلني عن ذلك بما يزخرفه؛ ليخلو هو بمن أجتذبهم من يده، ولقد حسن إليَّ الإنقطاع عن المجالس …». (^١)
إلى أن قال: «وأما الانقطاع فينبغي أن تكون العزلة عن الشر لا عن الخير، والعزلة عن الشر واجبة على كل حال، وأما تعليم الطالبين، وهداية المريدين فإنها عبادة العالم، وإن من بعض العلماء إيثاره التنفل بالصلاة، والصوم، عن تصنيف كتاب أو تعليم علم ينفع لأن ذلك بذر يكثر ربعة ويمتد زمان نفعه … فلعيك بالنظر في الشَّرْب (^٢) الأول، فكن مع الشَّرْب المقدم، وهم الرسول ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم.
فهل نقل عن أحد منهم ما ابتدعه جملة المتزهدين، والمتصوفة من الانقطاع عن العلم والانفراد عن الخلق؟ وهل كان شغل الأنبياء إلا معاناة الخلق، وحثهم على الخير، ونهيهم عن الشر؟». (^٣)
فتأمل كيف نبه هذا هذا العالم المتفقه، على خطورة الانصراف إلى العبادة وترك تعليم الناس، ووعظهم، مما يتعدى نفعه للناس، وأن ذلك من تلبيس الشيطان وكيده ثم تقريره لهذه المسألة بما أستدل له من سيرة الرسول ﷺ وأصحابه في
_________________
(١) صيد الخاطر (ص: ٨٢).
(٢) الشَّرْب: مصدر شَرِبَ، ويطلق على الفهم، ويقال ما زال بني فلان على شَربة واحدة، أي على أمر واحد. انظر لسان العرب: (١/ ٤٨٧، ٤٩٣)، والمقصود هنا لزوم ما كان عليه السلف.
(٣) صيد الخاطر (ص: ٨٣٨٤).
[ ١٥٢ ]
قيامهم بالعلم والنصح والتوجيه، وعدم الانقطاع إلى العبادة واعتزال الخلق.
يقول الإمام النووي في ترجمته لأحد أبواب (رياض الصالحين): «باب فضل الإختلاط بالناس، وحضور جمعهم، وجماعتهم، ومشاهد الخير، ومجالس الذكر معهم وعيادة مريضهم، وحضور جنائزهم، ومواساة محتاجهم، وإرشاد جاهلهم وغير ذلك من مصالحهم، لمن قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقمع نفسه عن الإيذاء، وصَبَر على الأذى». (^١)
ثم قال: «اعلم أن الإختلاط بالناس على الوجه الذي ذكرته هو المختار الذي كان عليه رسول الله ﷺ وسائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وكذلك الخلفاء الراشدون، ومن بعدهم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من علماء المسلمين وأخيارهم، وهو مذهب أكثر التابعين ومن بعدهم، وبه قال الشافعي، وأحمد، وأكثر الفقهاء ﵃ أجمعين قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (^٢) والآيات في معنى ما ذكرته كثيرة معلومة». (^٣)
ويقول الإمام ابن القيم في سياق نقله أقوال العلماء في أفضل الأعمال: «الصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها: ما كان فيه نفع متعد فرأوه أفضل من ذي النفع القاصر، فرأوا خدمة الفقراء والإشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم، ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع أفضل فتصدوا له وعملوا عليه». (^٤)
ثم نقل جملة من حججهم على هذا فقال: واحتجوا بأن عمل العابد قاصر على نفسه، وعمل النّفاع متعد إلى الغير، وأين أحدهما من الآخر. ولهذا كان فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وقد قال الرسول ﷺ
_________________
(١) رياض الصالحين (ص: ٢٤٤).
(٢) سورة المائدة: (٢).
(٣) رياض الصالحين (ص: ٢٤٤).
(٤) مدارج السالكين (١/ ٨٧).
[ ١٥٣ ]
لعلي لأن يهدي الله بك رجلا واحدا، خير لك من حُمْر النعم، وبأن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله، وصاحب النفع لا ينقطع عمله، وبأن الأنياء بعثوا بالإحسان إلى الخلق وهدايتهم ونفعهم في معاشهم ومعادهم، ولم يبعثوا بالخلوات، والانقطاع عن الناس والترهب. (^١)
ويقول الإمام المحقق ابن رجب مقررا هذه المسألة: «وفي الجملة فخير الناس أنفعهم للناس، وأصبرهم على أذى الناس، كما وصف الله المتقين بذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٢)» (^٣)
وقال: «الإحسان إلى الرفقة في السفر، أفضل من العبادة القاصرة، لا سيما إن احتاج العابد إلى خدمة إخوانه». (^٤)
وبهذه النقول المستفيضة من النصوص وأقوال أهل العلم يتم تقرير هذه المسألة وهي: تفضيل الأعمال المتعدية على الأعمال القاصرة اللازمة لعموم النفع واتصال الأجر. على أنه ينبغي أن يراعى في هذا المقام التوازن بين أنواع التفاضل السابقة، فقد يكون العمل القاصر عبادة واجبة، فلا يقدم عليه ما كان متعديا من النفل، وكذلك مراعاة الأحوال الأخرى في أسباب التفاضل مما سيأتي تفصيله إن شاء الله في مبحث مستقل بحول الله وقوته.
_________________
(١) انظر مدارج السالكين (١/ ٨٧٨٨).
(٢) سورة آل عمران: (١٣٤).
(٣) لطائف المعارف (ص: ٤١١).
(٤) المصدر نفسه (ص: ٤١٢).
[ ١٥٤ ]