إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده ا لله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد.
فإن الله تعالى خلق الثقلين لحكمة عظيمة وهي تحقيق عبادته فقال عز من قائل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (^١) ثم أرسل رسله مبينين للناس كيفية التعبد؛ فخص هذه الأمةَ بأكرم رسول، وأعظم شريعة، وأشرف كتاب.
فكان من أعظم ما تميزت به شريعتنا عن الشرائع السابقة نعمة كمال الدين كما قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (^٢)
قال الطبري ﵀ في تفسير الآية: «لم يزل [الله] يصرف نبيه محمدا ﷺ وأصحابه في درجات الإسلام ومراتبه، درجة بعد درجة، ومرتبة بعد مرتبة، وحالا بعد حال، حتى أكمل لهم شرائعه ومعالمه، وبلغ بهم أقصى درجاته ومراتبه» (^٣)
_________________
(١) الذاريات: (٥٦).
(٢) المائدة: (٣).
(٣) تفسير الطبري (١/ ٤٢١).
[ ٥ ]
وكان من عظمة هذا الدين أن جاءت تشريعاته مستغرقة لكل ما أحبه الله ورضيه لعباده أن يتقربوا به إليه، من سائر الطاعات، وملبية رغبة العباد في التقرب إلى ربهم بشتى أنواع القربات، بل ما من عضو من أعضاء البدن، أو حاسة من حواسه، إلا شرع الله لها من العبادة ما تؤدي بها حق شكرها؛ فالقلب واللسان، والسمع والبصر، واليد والقدم لكل منها عبادة مشروعة. (^١)
هذا مع مراعاة التوازن في تأدية حقوق الخلق على مختلف الطبقات، وإعطاء النفس حظها من مباح الشهوات كما قال النبي ﷺ في وصيته لعبد الله بن عمرو بن العاص: «إن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزَورِك (^٢) عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا». (^٣)
وقال سلمان لإبي الدرداء: «إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا؛ فأعط كل ذي حق حقه». قال النبي ﷺ: «صدق سلمان». (^٤)
وقد اقتضت حكمة الله العزيز الحكيم، أن لم يجعل تلك التشريعات كلها حتمًا واجبًا على كل فرد، بل كانت على مراتب ودرجات:
فمنها ما هو واجب عيني على كل مسلم، لا يسعه تركه مع القدرة عليه.
ومنها ما هو واجب كفائي على عموم الأمة، تبرأ الذمة بقيام بعضهم به.
ومنها ما هو من نوافل العبادات لا إثم على الأمة بتركها، وإنما جعلها الله
_________________
(١) انظر لمزيد الاطلاع والبحث في هذا الموضوع مدارج السالكين للإمام ابن القيم (١/ ١٠٩١٢٢) فقد بسط القول في أنواع العبادات وتعلقها بالقلب واللسان والجوارح، وأحكام العبودية الخمسة مع التمثيل والاستشهاد لكل نوع، بما لا مزيد عليه في التحقيق فجزاه الله خيرًا.
(٢) الزَّور: هو الزائر. وهو في الأصل مصدر وضع موضع الإسم. وقد يكون جمع زائر. انظر النهاية لابن الأثير (٢/ ٣١٨).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه. الصحيح مع الفتح (١٠/ ٥٣١) ح (٦١٣٤)، ومسلم في صحيحه (٢/ ٨١٣).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه. الصحيح مع الفتح (١٠/ ٥٣٤) ح (٦١٣٩).
[ ٦ ]
ميدانا عظيما لأصحاب العزائم في السبق إلى أعلى الدرجات.
كما أن هذه العبادات بدرجاتها الثلاث، وما يندرج تحتها من أعمال متفاوتة في الفضل والجزاء عند الله تفاوتا عظيما، وتفاوتها في الفضل لا يرجع إلى معنى واحد بل إلى اعتبارات كثيرة دلت عليها النصوص.
فهي متفاضلة باعتبار انقسامها إلى واجبات ومستحبات كما تقدم، وباعتبار أجناسها، وباعتبار الإخلاص والمتابعة فيها، وباعتبار المداومة عليها، وباعتبار تعديها للخلق، وباعتبار زمانها ومكانها، وباعتبار ما يصحبها من الأحوال الخاصة، وباعتبار الاقتصاد والتيسير في تأديتها، وباعتبار العامل ومنزلته عند الله إلى غير ذلك من أسباب التفاضل.
ونظرا لأهمية مسألة التفاضل بين الأعمال وشدة الحاجة إلى فهمها الفهم الصحيح في التقرب إلى الله بأفضل الطاعات، والمسابقة إلى أعلى الدرجات، رأيت أنه من الواجب ضرورة الكتابة في هذه المسألة بجمع شتاتها، وتقريب مسائلها، والخروج بقواعد مؤصلة بناء على مدلولات النصوص، وفهم السلف لأفضل ما ينبغي أن تشتغل به الأمة على مختلف طبقاتها، وتنوع قدراتها، وتوجيه الراغبين في الخير لأفضل الأعمال في حقهم بناء على مراعاة الفوارق الفردية، والمؤهلات النفسية، والظروف الزمانية والمكانية، وغير ذلك من الأحوال المؤثرة في تقرير هذه المسألة العظيمة الجليلة.