وَالْحَاصِل أَن الدُّعَاء من قدر الله ﷿ فقد يقْضِي بِشَيْء على عَبده قَضَاء مُقَيّدا بِأَن لَا يَدعُوهُ فَإِن دَعَاهُ إندفع عَنهُ وَتَحْقِيق الْبَحْث عَن هَذَا يرجع إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ فِي شرح الحَدِيث الَّذِي قبله وَفِي الرسَالَة الَّتِي أَشَرنَا إِلَيْهَا مَا يدْفع الْإِشْكَال
(لَيْسَ شَيْء أكْرم على الله من الدُّعَاء) (ت. حب) // الحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث عَائِشَة ﵂ وَقد أخرجه أَيْضا أَحْمد فِي الْمسند وَالْبُخَارِيّ
[ ٣٥ ]
فِي التَّارِيخ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَقَالَ صَحِيح وَأقرهُ الذَّهَبِيّ وَقَالَ ابْن حبَان حَدِيث صَحِيح وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حسن غَرِيب وَإِنَّمَا لم يُصَحِّحهُ لِأَن فِي إِسْنَاده عِنْده عمرَان الْقطَّان ضعفه النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَمَشاهُ أَحْمد وَقَالَ ابْن الْقطَّان رُوَاته كلهم ثِقَات إِلَّا عمرَان وَفِيه خلاف (قَوْله لَيْسَ شَيْء أكْرم على الله من الدُّعَاء) قيل وَجه ذَلِك أَنه يدل على قدرَة الله تَعَالَى وَعجز الدَّاعِي وَالْأولَى أَن يُقَال أَن الدُّعَاء لما كَانَ هُوَ الْعِبَادَة وَكَانَ مخ الْعِبَادَة كَمَا تقدم كَانَ أكْرم على الله من هَذِه الْحَيْثِيَّة لِأَن الْعِبَادَة هِيَ الَّتِي خلق الله سُبْحَانَهُ الْخلق لَهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ قَالَ الطَّيِّبِيّ وَلَا مُنَافَاة بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين قَوْله تَعَالَى ﴿إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم﴾ لِأَن كل شَيْء شرف فِي بَابه فَإِنَّهُ يُوصف بِالْكَرمِ قَالَ تَعَالَى ﴿وأنبتنا فِيهَا من كل زوج بهيج﴾ أَي كريم //
(من لم يسْأَل الله يغْضب عَلَيْهِ (ت) من لم يدع الله غضب عَلَيْهِ (مص» // الحَدِيث أخرجه بِاللَّفْظِ الأول التِّرْمِذِيّ وَالثَّانِي ابْن أبي شيبَة فِي المُصَنّف كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَكِلَاهُمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ وَأخرج اللَّفْظ الأول الْحَاكِم وَأخرج أَيْضا اللَّفْظ الثَّانِي الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَصَححهُ وَتَصْحِيح أحد اللَّفْظَيْنِ تَصْحِيح للْآخر لِأَنَّهُمَا بِمَعْنى وَاحِد وَمن حَدِيث صَحَابِيّ وَاحِد
وَفِيهِمَا دَلِيل على أَن الدُّعَاء من العَبْد لرَبه من أهم الْوَاجِبَات وَأعظم المفروضات لِأَن تجنب مَا يغْضب الله مِنْهُ لَا خلاف فِي وُجُوبه وَقد انْضَمَّ إِلَى هَذَا الْأَوَامِر القرآنية وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عبادتي سيدخلون جَهَنَّم داخرين﴾ وَقَوله ﴿واسألوا الله من فَضله﴾ وَقد قدمنَا أَن قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عبادتي سيدخلون جَهَنَّم داخرين﴾ يدل على أَن ترك دُعَاء العَبْد لرَبه من الإستكبار وتجنب ذَلِك وَاجِب لَا شكّ فِيهِ وَمِمَّا يُؤَيّد ذَلِك قَوْله ﷿ ﴿أم من يُجيب الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ ويكشف السوء﴾ فَإِن هَذَا الِاسْتِفْهَام هُوَ للتقريع والتوبيخ لمن ترك دُعَاء ربه وَمن هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا سَأَلَك عبَادي﴾
[ ٣٦ ]
عني فَإِنِّي قريب أُجِيب دَعْوَة الداع إِذا دعان) فَإِن هَذَا التَّعْلِيل بِالْقربِ ثمَّ الْوَعْد بعده بالإجابة يقطع كل معذرة وَيدْفَع كل تعلة //
(لَا تعجزوا فِي الدُّعَاء فَإِنَّهُ لن يهْلك مَعَ الدُّعَاء أحد (حب» // الحَدِيث أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث أنس ﵁ وَقد أخرجه أَيْضا من حَدِيثه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك والضياء فِي المختارة فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة أَئِمَّة صححوا الحَدِيث ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد والضياء فِي المختارة وَمَا ذكره فِيهَا فَهُوَ صَحِيح عِنْده وَإِذا عرفت هَذَا فَلَا وَجه لتعقب الذَّهَبِيّ للْحَاكِم فِي تَصْحِيحه لِأَن غَايَة مَا قَالَه أَن فِي إِسْنَاده عمر بن مُحَمَّد الْأَسْلَمِيّ وَأَنه لَا يعرفهُ وَعدم مَعْرفَته لَهُ لَا تَسْتَلْزِم عدم معرفَة غَيره لَهُ
نعم قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان حاكيا عَن أبي حَاتِم أَنه مَجْهُول وَهَذَا قَادِح صَحِيح وَلِهَذَا قَالَ ابْن حجر فِي لِسَان الْمِيزَان وَقد تساهل الْحَاكِم فِي تَصْحِيحه وَلَكِن لَا يخفاك أَن تَصْحِيح ابْن حبَان والضياء يَكْفِي وَلَا يحْتَاج مَعَه إِلَى غَيره وعَلى تَقْدِير ان فِي إسنادهما هَذَا الرجل الَّذِي قيل أَنه مَجْهُول فمعلوم أَنَّهُمَا لَا يصححان الحَدِيث الْمَرْوِيّ من طَرِيقه إِلَّا وَقد عرفاه وَعرفا صِحَة مَا رَوَاهُ وَمن علم حجَّة على من لم يعلم وليسا مِمَّن يظنّ بِهِ التساهل فِي التَّصْحِيح (قَوْله لَا تعجزو الخ) فِيهِ النَّهْي عَن أَن يعجز الْإِنْسَان عَن دُعَاء ربه فَإِن ضَرَر ذَلِك لَاحق بِهِ وعائد عَلَيْهِ وَمَا أحسن مَا علل بِهِ ﷺ هَذَا النَّهْي بقوله فَإِنَّهُ لن يهْلك مَعَ الدُّعَاء أحد فَإِن هَذِه المزية يَهْتَز لَهَا كل طَالب للخير وينشط بِسَبَبِهَا كل عَارِف بمعاني الْكَلَام وَلَا سِيمَا مَعَ مَا مر إِن الدُّعَاء يرد الْقَضَاء وَيدْفَع الْقدر //
(من سره أَن يستجيب الله لَهُ عِنْد الشدائد وَالْكرب فليكثر الدُّعَاء فِي الرخَاء (ت» // الحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث أبي
[ ٣٧ ]
هُرَيْرَة ﵁ قَالَ التِّرْمِذِيّ بعد أَن أخرجه حَدِيث غَرِيب وَأخرجه أَيْضا الْحَاكِم من حَدِيثه فِي الْمُسْتَدْرك وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَأقرهُ الذَّهَبِيّ وَأخرجه الْحَاكِم أَيْضا فِي الْمُسْتَدْرك من حَدِيث سلمَان ﵁ وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (قَوْله وَالْكرب) بِضَم الْكَاف وَفتح الرَّاء جمع كربَة وَهِي مَا يَأْخُذ النَّفس من الْغم (قَوْله فليكثر الدُّعَاء فِي الرخَاء) أَي فِي حَال الصِّحَّة والرفاهية والأمن من المخاوف والسلامه من المحن قَالَ الْحلَبِي المُرَاد بِهَذَا الدُّعَاء فِي الرخَاء هُوَ دُعَاء الشِّفَاء وَالشُّكْر وَالِاعْتِرَاف بالمنن وسؤال التَّوْفِيق والمعونة والتأييد وَالِاسْتِغْفَار لعوارض التَّقْصِير فَإِن العَبْد وَإِن أجتهد لم يعرف مَا عَلَيْهِ من حُقُوق بِاللَّه بِتَمَامِهَا وَمن غفل عَن ذَلِك فَلَا حَظّ لَهُ وَكَانَ مِمَّن صدق عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذا ركبُوا فِي الْفلك دعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين فَلَمَّا نجاهم إِلَى الْبر إِذا هم يشركُونَ﴾ انْتهى وَالْأولَى أَن يُقَال كَانَ مِمَّن صدق عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا مس الْإِنْسَان ضرّ دَعَا ربه منيبا إِلَيْهِ ثمَّ إِذا خوله نعْمَة مِنْهُ نسي مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ من قبل﴾ الْآيَة وَقَوله تَعَالَى فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿وَإِذا أنعمنا على الْإِنْسَان أعرض ونأى بجانبه وَإِذا مَسّه الشَّرّ فذو دُعَاء عريض﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإِذا مس الْإِنْسَان الضّر دَعَانَا لجنبه أَو قَاعِدا أَو قَائِما فَلَمَّا كشفنا عَنهُ ضره مر كَأَن لم يدعنا إِلَى ضرّ مَسّه﴾ //
(الدُّعَاء سلَاح الْمُؤمن وعماد الدّين وَنور السَّمَوَات وَالْأَرْض (مس» // الحَدِيث أخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد وَأخرجه أَبُو يعلى من حَدِيث عَليّ ﵁ بِهَذَا اللَّفْظ وَأخرج أَبُو يعلى من حَدِيث جَابر ﵁ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا أدلكم على مَا ينجيكم من عَدوكُمْ ويدر لكم أرزاقكم تدعون الله فِي ليلكم ونهاركم فَإِن الدُّعَاء سلَاح الْمُؤمن (قَوْله الدُّعَاء سلَاح الْمُؤمن) فِيهِ تَشْبِيه الدُّعَاء بِالسِّلَاحِ الَّذِي يُقَاتل بِهِ صَاحبه الْعَدو فَإِن هَذَا الدَّاعِي كَأَنَّهُ بِالدُّعَاءِ يُقَاتل مَا يعتوره من المصائب وَمَا يخشاه من سوء العواقب وَمَا أفخم الحكم على الدُّعَاء بِأَنَّهُ عماد الدّين وَبِأَنَّهُ نور
[ ٣٨ ]
السَّمَوَات وَالْأَرْض فَإِن ذَلِك قد اشْتَمَل على تَعْظِيم لَا يقادر قدره وَلَا يبلغ مداه وَالْعَاجِز من عجز عَن لبس هَذَا السِّلَاح وَترك الِاعْتِمَاد على هَذَا الْعِمَاد وَلم ينْتَفع بِهَذَا النُّور الَّذِي أنارت بِهِ السَّمَوَات وَالْأَرْض //
(مَا من مُسلم ينصب وَجهه لله فِي مسئلة إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاهَا إِمَّا أَن يعجلها لَهُ وَإِمَّا أَن يدخرها لَهُ (ا. مس» // الحَدِيث أخرجه أَحْمد وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك كَمَا قَالَ المُصَنّف ﵀ وَهُوَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي التَّرْغِيب والترهيب رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ وَأخرجه أَيْضا البُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد وَيشْهد لمعناه مَا أخرجه أَحْمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى قَالَ الْمُنْذِرِيّ بأسانيد جَيِّدَة وَأخرجه أَيْضا الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا من مُسلم يَدْعُو الله بدعوة لَيْسَ فِيهَا إِثْم وَلَا قطيعة رحم إِلَّا أعطَاهُ الله بهَا إِحْدَى ثَلَاث إِمَّا أَن يعجل لَهُ دَعوته وَإِمَّا أَن يدخرها لَهُ فِي الْآخِرَة وَإِمَّا أَن يصرف عَنهُ من السوء مثلهَا وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ من حَدِيث سلمَان ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله حَيّ كريم يستحي إِذا رفع الرجل إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَن يردهما صفرا خائبتين وَأخرج الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد من حَدِيث أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله حَيّ كريم يستحيي من عَبده أَن يرفع إِلَيْهِ يَده ثمَّ لَا يضع فِيهَا خيرا وَفِي الحَدِيث دَلِيل على أَن دُعَاء الْمُسلم لَا يهمل بل يعْطى مَا سَأَلَهُ إِمَّا معجلا وَإِمَّا مُؤَجّلا تفضلا من الله ﷿ //