وَقد اسْتشْكل بعض أهل الْعلم تَفْضِيل الذّكر على الصَّدَقَة وَقد قدمت فِي شرح الحَدِيث الْمُتَقَدّم على هَذَا طرفا من ذَلِك وَاسْتشْكل بَعضهم تَفْضِيل الذّكر على الْجِهَاد مَعَ وُرُود الْأَدِلَّة الصَّحِيحَة أَنه أفضل الْأَعْمَال وَقد جمع بعض أهل الْعلم بَين مَا ورد من الْأَحَادِيث الْمُشْتَملَة على تَفْضِيل بعض الْأَعْمَال على بعض آخر وَمَا ورد مِنْهَا مِمَّا يدل على تَفْضِيل الْبَعْض الْمفضل عَلَيْهِ بِأَن ذَلِك بِاعْتِبَار الْأَشْخَاص وَالْأَحْوَال فَمن كَانَ مطيقا للْجِهَاد قوي الْأَثر فِيهِ أفضل أَعماله الْجِهَاد وَمن كَانَ كثير المَال فأفضل أَعماله الصَّدَقَة وَمن كَانَ غير متصف بِأحد الصفتين المذكورتين فأفضل أَعماله الذّكر وَالصَّلَاة وَنَحْو ذَلِك وَلكنه
[ ١٨ ]
يدْفع هَذَا تصريحه ﷺ بأفضلية الذّكر على الْجِهَاد نَفسه فِي هَذَا الحَدِيث وَفِي الْأَحَادِيث الْآخِرَة كَحَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ عِنْد التِّرْمِذِيّ أَن رَسُول الله ﷺ سُئِلَ أَي الْعباد أفضل دَرَجَة عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة قَالَ الذاكرون الله كثيرا قَالَ قلت يَا رَسُول الله وَمن الْغَازِي فِي سَبِيل الله قَالَ لَو ضرب بِسَيْفِهِ فِي الْكفَّار وَالْمُشْرِكين حَتَّى ينكسر ويختضب دَمًا لَكَانَ الذاكرون الله كثيرا أفضل مِنْهُ دَرَجَة قَالَ التِّرْمِذِيّ بعد إِخْرَاجه حَدِيث غَرِيب وكحديث عبد الله بن عَمْرو مَرْفُوعا وَفِيه وَلَا شَيْء أنجى من عَذَاب الله من ذكر الله قَالُوا وَلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله قَالَ وَلَو أَن يضْرب بِسَيْفِهِ حَتَّى يتقطع أخرجه ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة سعيد بن سِنَان وَسَيَأْتِي قَرِيبا حَدِيث إِلَّا أَن يضْرب بِسَيْفِهِ حَتَّى يَنْقَطِع
وَمِمَّا يدل على أَن الذّكر أفضل من الصَّدَقَة مَا أخرجه أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن من حَدِيث ثَوْبَان قَالَ لما نزلت ﴿وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة﴾ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي بعض أَسْفَاره فَقَالَ بعض أَصْحَابه أنزلت فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة لَو علمنَا أَي المَال خير فَنَتَّخِذهُ فَقَالَ أفضله لِسَان ذَاكر وقلب شَاكر وَزَوْجَة مُؤمنَة تعينه على إيمَانه وَمِمَّا يدل على ذَلِك الحَدِيث الْآتِي فِي الرجل الَّذِي فِي حجره دَرَاهِم يقسمها وَآخر يذكر الله وَمِمَّا يدل على ذَلِك فِي الْجِهَاد وَالصَّدََقَة وَغير ذَلِك مَا أخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث معَاذ ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَن رجلا سَأَلَهُ قَالَ أَي الْمُجَاهدين أعظم أجرا قَالَ أَكْثَرهم لله ﵎ ذكرا قَالَ فَأَي الصَّالِحين أعظم أجرا قَالَ أَكْثَرهم لله ﵎ ذكرا ثمَّ ذكر الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحج وَالصَّدََقَة كل ذَلِك وَرَسُول الله ﷺ يَقُول أَكْثَرهم لله ﵎ ذكرا فَقَالَ أَبُو بكر لعمر ﵄ يَا أَبَا حَفْص ذهب الذاكرون بِكُل خير فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أجل فَإِن قلت قد يرشد إِلَى الْجمع الْمَذْكُور مَا أخرجه الطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من عجز مِنْكُم عَن اللَّيْل أَن يكابده
[ ١٩ ]
وبخل بِالْمَالِ أَن يُنْفِقهُ وَجبن عَن الْعَدو أَن يجاهده فليكثر من ذكر الله
قلت لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَن الْعَاجِز عَن هَذِه الْأُمُور الْمَذْكُورَة يستكثر من الذّكر وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهَا أفضل من الذّكر على أَن فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث أَبَا يحيى القَتَّات وَهُوَ ضَعِيف