(يَنْبَغِي أَن يكون الْمَكَان الَّذِي يذكر الله فِيهِ نظيفا خَالِيا والذاكر على أكمل الصِّفَات الْآتِيَة وَأَن يكون فَمه نظيفا وَأَن يزِيل تغيره بِالسِّوَاكِ وَأَن يسْتَقْبل الْقبْلَة وَأَن يتدبر مَا يَقُول ويتعقل مَعْنَاهُ وَأَن جهل شَيْئا تبينه وَلَا يعْتد لَهُ بِشَيْء مِمَّا رتبه الشَّارِع على وَقَوله حَتَّى يتَلَفَّظ بِهِ وَيسمع نَفسه وَأفضل الذّكر الْقُرْآن إِلَّا فِيمَا شرع بِغَيْرِهِ والمواظب على الْأَذْكَار المأثورة صباحا وَمَسَاء وَفِي الْأَحْوَال الْمُخْتَلفَة هُوَ من الذَّاكِرِينَ الله كثيرا وَالذَّاكِرَات وَمن كَانَ لَهُ ورد مَعْرُوف ففاته فليتداركه إِذا أمكنه ليعتاد الْمُلَازمَة عَلَيْهِ)
(قَوْله يَنْبَغِي أَن يكون الْمَكَان الَّذِي يذكر الله فِيهِ نظيفا خَالِيا) أَقُول وَجه هَذَا أَن الذّكر عبَادَة للرب سُبْحَانَهُ والنظافة على الْعُمُوم قد ورد التَّرْغِيب فِيهَا وَالْأَمر بالبعد عَن النَّجَاسَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وثيابك فطهر وَالرجز فاهجر﴾ وَلَا شكّ أَن الْقعُود حَال الدُّعَاء فِي مَكَان مُتَنَجّس يُخَالف آدَاب الْعِبَادَة كَمَا فِي آدَاب الصَّلَاة من تَطْهِير مَكَانهَا وَقد صَحَّ عَنهُ ﷺ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَنه قَالَ فِي الَّذِي لَا يتنزه عَن بَوْله أَن عَامَّة عَذَاب الْقَبْر مِنْهُ
وَالْحَاصِل أَن التَّنَزُّه عَن مُلَابسَة النَّجَاسَة مُطلقًا مَنْدُوب إِلَيْهِ فَتدخل حَالَة الدُّعَاء تَحت ذَلِك دُخُولا أوليا وَإِن لم يرد مَا يدل على هَذَا على
[ ٥٢ ]
الْخُصُوص وَأما قَوْله خَالِيا فوجهه أَن ذَلِك أقرب إِلَى حُضُور الْقلب وَأبْعد من الرِّيَاء والمباهاة وأعون على تدبر معنى مَا يَدْعُو بِهِ أَو يذكر بِهِ وَلَا شكّ أَن هَذِه الْحَالة أكمل مِمَّا يُخَالِفهَا (قَوْله والذاكر على أكمل الصِّفَات الْآتِيَة) أَقُول ستأتي هَذِه الصِّفَات فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا (قَوْله وَأَن يكون فَمه نظيفا وَأَن يزِيل تغيره بِالسِّوَاكِ) أَقُول وَجه هَذَا أَن الذّكر عبَادَة بِاللِّسَانِ فتنظيف الْفَم عِنْد ذَلِك أدب حسن وَلِهَذَا جَاءَت السّنة المتواترة بمشروعية السِّوَاك للصَّلَاة وَالْعلَّة فِي ذَلِك تنظيف الْمحل الَّذِي يكون الذّكر بِهِ فِي الصَّلَاة وَقد صَحَّ أَنه ﷺ لما سلم عَلَيْهِ بعض الصَّحَابَة تَمِيم من جِدَار الْحَائِط ثمَّ رد عَلَيْهِ وَإِذا كَانَ هَذَا فِي مُجَرّد رد السَّلَام فَكيف بِذكر الله سُبْحَانَهُ فَإِنَّهُ أولى بذلك وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَنهُ ﷺ كرهت أَن أذكر الله إِلَّا على طهر وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة (قَوْله وَأَن يسْتَقْبل الْقبْلَة) أَقُول وَجه ذَلِك أَنَّهَا الْجِهَة الَّتِي شرع الله سُبْحَانَهُ أَن تكون الصَّلَاة إِلَيْهَا وَهِي الْجِهَة الَّتِي يتَوَجَّه إِلَى الله ﷿ مِنْهَا وَلِهَذَا ورد النَّهْي عَن أَن يبصق الرجل إِلَى جِهَة قبلته مُعَللا بِمثل هَذِه الْعلَّة كَمَا فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَاب الْمَذْكُور بعد هَذَا مَا ورد فِي اسْتِقْبَال الْقبْلَة (قَوْله ويتدبر مَا يَقُول ويتعقل مَعْنَاهُ وَإِن جهل شَيْئا تبينه) أَقُول لَا ريب أَن تدبر الذاكر لمعاني مَا يذكر بِهِ أكمل لِأَنَّهُ بذلك يكون فِي حكم الْمُخَاطب والمناجي لَكِن وَإِن كَانَ أجر هَذَا أتم وأوفى فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي ثُبُوت مَا ورد الْوَعْد بِهِ من ثَوَاب الْأَذْكَار لمن جَاءَ بهَا فَإِنَّهُ أَعم من أَن يَأْتِي بهَا متدبرا لمعانيها متعقلا لما يُرَاد مِنْهَا أَولا وَلم يرد تَقْيِيد مَا وعد بِهِ من ثَوَابهَا بالتدبر والتفهم (قَوْله وَلَا يعْتد لَهُ بِشَيْء مِمَّا رتبه الشَّارِع على قَوْله حَتَّى يتَلَفَّظ بِهِ وَيسمع نَفسه) أَقُول أما بِاعْتِبَار التَّلَفُّظ فَهُوَ مَعْلُوم من أَقْوَاله ﷺ المصرحة بِأَن من قَالَ كَذَا كَانَ لَهُ من الْأجر كَذَا فَلَا يحصل لَهُ ذَلِك الْأجر إِلَّا بِمَا يصدق عَلَيْهِ معنى القَوْل وَهُوَ لَا يكون إِلَّا بالتلفظ بِاللِّسَانِ وَأما اشْتِرَاط أَن يسمع
[ ٥٣ ]
نَفسه فَلم يرد مَا يدل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يصدق القَوْل بِمُجَرَّد التَّلَفُّظ وَهُوَ تَحْرِيك اللِّسَان وَأَن لم يسمع نَفسه فَينْظر مَا وَجه الِاشْتِرَاط مَعَ أَنه قد تقدم الحَدِيث الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ الْمَذْكُور فِي أول هَذَا الْكتاب بِلَفْظ فَإِن ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي فَإِذا كَانَ مُجَرّد الذّكر النَّفْسِيّ مقتضيا للثَّواب فَكيف لَا يكون الذّكر اللساني الَّذِي قد صدق عَلَيْهِ أَنه قَول مقتضيا للثَّواب
وَالْحَاصِل أَنه لَا وَجه لهَذَا الِاشْتِرَاط لَا بِاعْتِبَار أصل الثَّوَاب وَلَا بِاعْتِبَار كَمَاله بل قد يكون التدبر والتفهم بِمَا لَا يسمع النَّفس من الْأَذْكَار أتم وأكمل (قَوْله وَأفضل الذّكر الْقُرْآن إِلَّا فِيمَا شرع بِغَيْرِهِ) أَقُول ثَوَاب الْأَذْكَار قد قدرهَا الشَّارِع ﷺ وَصرح بِمَا يحصل لفاعلها من الْأجر وَهَكَذَا مَا ورد فِي تِلَاوَة الْقُرْآن على الْعُمُوم وَفِي تِلَاوَة سُورَة مِنْهُ مُعينَة وآيات خَاصَّة كَمَا هُوَ مَعْرُوف فِي موَاضعه وَكَون هَذَا الذّكر أفضل من هَذَا الذّكر إِنَّمَا يظْهر بِمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الْأجر فَمَا كَانَ أجره أَكثر كَانَ أفضل وَلَا ريب أَن كَلَام الرب سُبْحَانَهُ أفضل من حَيْثُ ذَاته وأشرف الْكَلَام عل الْإِطْلَاق وَأَيْنَ يكون كَلَام الْبشر من كَلَام خَالق القوى وَالْقدر تبَارك اسْمه وَعلا جده وَلَا إِلَه غَيره
وَأما قَوْله إِلَّا فِيمَا شرع بِغَيْرِهِ فَذَلِك فِي المواطن الَّتِي قد ورد النَّهْي عَن قِرَاءَة الْقُرْآن فِيهَا كَمَا ثَبت عَنهُ ﷺ فِي الصَّحِيح إِنِّي نهيت أَن أَقرَأ الْقُرْآن رَاكِعا وساجدا وَهَكَذَا مَا وَردت بِهِ السّنة من الْأَذْكَار فِي الْأَوْقَات وعقيب الصَّلَوَات فَإِنَّهُ يَنْبَغِي الِاشْتِغَال بِمَا ورد عَنهُ ﷺ فَإِن إرشاده إِلَيْهِ يدل على أَنه أفضل من غَيره (قَوْله والمواظب على الْأَذْكَار المأثورة صباحا مسَاء وَفِي الْأَحْوَال الْمُخْتَلفَة هُوَ من الذَّاكِرِينَ الله كثيرا وَالذَّاكِرَات) أَقُول لَا شكّ أَن صدق هَذَا الْوَصْف أَعنِي كَونه من الذَّاكِرِينَ الله كثيرا وَالذَّاكِرَات أكمل من صدقه على من ذكر الله كثيرا من غير مواظبة وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح من حَدِيث عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يذكر الله كثيرا على كل أحيانه وَورد عَنهُ
[ ٥٤ ]
ﷺ أَن أحب الْعَمَل إِلَى الله تَعَالَى أَدْوَمه (قَوْله وَمن كَانَ لَهُ ورد مَعْرُوف ففاته تَدَارُكه إِذا أمكنه ليعتاد الْمُلَازمَة عَلَيْهِ) أَقُول هَكَذَا يَنْبَغِي حَتَّى يصدق عَلَيْهِ أَنه مديم للذّكر مواظب عَلَيْهِ وَقد كَانَ الصَّحَابَة ﵃ يقضون مَا فاتهم من أذكارهم الَّتِي كَانُوا يفعلونها فِي أَوْقَات مَخْصُوصَة وَثَبت فِي الصَّحِيح من حَدِيث عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من نَام عَن حزبه من اللَّيْل أَو شَيْء مِنْهُ فقرأه مَا بَين صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الظّهْر كتب الله لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ من اللَّيْل