(قَوْله ويتوسل إِلَى الله سُبْحَانَهُ بأنبيائه وَالصَّالِحِينَ) أَقُول وَمن التوسل بالأنبياء مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن صَحِيح غَرِيب وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث عُثْمَان بن حنيف ﵁ أَن أعمى أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يكْشف لي عَن بَصرِي قَالَ أَو أدعك فَقَالَ يَا رَسُول الله أَنِّي قد شقّ عَليّ ذهَاب بَصرِي قَالَ فَانْطَلق فَتَوَضَّأ فصل رَكْعَتَيْنِ ثمَّ قل اللَّهُمَّ أَنِّي أَسأَلك وأتوجه إِلَيْك بِمُحَمد نَبِي الرَّحْمَة الحَدِيث وَسَيَأْتِي هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْكتاب عِنْد ذكر صَلَاة الْحَاجة
وَأما التوسل بالصالحين فَمِنْهُ مَا ثَبت فِي الصَّحِيح أَن الصَّحَابَة استسقوا بِالْعَبَّاسِ ﵁ عَم رَسُول الله ﷺ وَقَالَ عمر ﵁ اللَّهُمَّ إِنَّا نتوسل إِلَيْك بعم نَبينَا الخ (قَوْله بخفض صَوت) أَقُول لحَدِيث أربعوا على أَنفسكُم فَإِنَّكُم لن تدعوا أَصمّ وَلَا غَائِبا وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي مُوسَى ﵁ (قَوْله واعتراف بذنب) أَقُول لقَوْله ﷺ فِي حَدِيث عَليّ ﵁ عِنْد مُسلم ظلمت نَفسِي وَاعْتَرَفت بذنبي فَاغْفِر لي ذُنُوبِي جَمِيعهَا (قَوْله وَيبدأ بِنَفسِهِ) أَقُول وَجه ذَلِك مَا روى من الْأَحَادِيث المصرحة بِأَنَّهُ يبْدَأ الْإِنْسَان
[ ٦٠ ]
بِنَفسِهِ وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن صَحِيح غَرِيب عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا ذكر أحدا فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفسِهِ (قَوْله وَلَا يخص نَفسه إِن كَانَ إِمَامًا) أَقُول لحَدِيث لَا يؤم رجل قوما فيخص نَفسه بِالدُّعَاءِ دونهم فَإِن فعل فقد خَانَهُمْ أخرجه التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَأخرجه أَيْضا غَيره (قَوْله وَيسْأل بعزم ورغبة وجد واجتهاد) أَقُول وَجه هَذَا مَا أخرجه البُخَارِيّ وَغَيره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا دَعَا أحدكُم فَلَا يَقُول اللَّهُمَّ اغْفِر لي إِن شِئْت وارحمني إِن شِئْت وارزقني إِن شِئْت وليعزم مَسْأَلته أَنه يفعل مَا يَشَاء وَلَا مكره لَهُ وَفِي لفظ لمُسلم من هَذَا الحَدِيث وَلَكِن ليعزم وليعظم الرَّغْبَة فَإِن الله تَعَالَى لَا يتعاظم شَيْئا أعطَاهُ (قَوْله ويحضر قلبه وَيحسن رَجَاءَهُ) أَقُول وَجه ذَلِك مَا أخرجه أَحْمد بِإِسْنَاد حسن عَن عبد الله بن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْقُلُوب أوعية وَبَعضهَا أوعى من بعض فَإِذا سَأَلْتُم الله تَعَالَى أَيهَا النَّاس فَاسْأَلُوهُ وَأَنْتُم موقنون الْإِجَابَة فَإِن الله لَا يستجيب لعبد دَعَاهُ عَن ظهر قلب غافل وَأخرجه أَيْضا التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ الْحَاكِم مُسْتَقِيم الْإِسْنَاد وَتفرد بِهِ صَالح المرى وَهُوَ أحد زهاد الْبَصْرَة قَالَ الْمُنْذِرِيّ صَالح المرى لَا شكّ فِي زهده لَكِن تَركه أَبُو دَاوُد
[ ٦١ ]
وَالنَّسَائِيّ (قَوْله ويكرر الدُّعَاء ويلح فِيهِ) أَقُول وَجه ذَلِك مَا ثَبت من حَدِيث عَائِشَة ﵂ أَنه ﷺ قَالَ إِن الله يحب الملحين فِي الدُّعَاء أخرجه ابْن عدي فِي الْكَامِل وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب من حَدِيث عَائِشَة ﵂ وَأخرج مُسلم فِي صَحِيحه أَنه ﷺ كَانَ إِذا دَعَا كَرَّرَه ثَلَاثًا (قَوْله وَلَا يَدْعُو بإثم وَلَا قطيعة رحم) أَقُول وَجه ذَلِك مَا أخرجه مُسلم وَغَيره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يُسْتَجَاب للْعَبد مَا لم يدع بإثم أَو قطيعة رحم وَأخرج أَحْمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى قَالَ الْمُنْذِرِيّ بأسانيد جَيِّدَة من حَدِيث أبي سعيد ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَا من مُسلم يَدْعُو بدعوة لَيْسَ فِيهَا إِثْم وَلَا قطيعة رحم إِلَّا أعطَاهُ الله بهَا إِحْدَى ثَلَاث أما أَن يعجل لَهُ دَعوته وَإِمَّا أَن يدخرها لَهُ فِي الْآخِرَة وَإِمَّا أَن يصرف عَنهُ من السوء مثلهَا وَأخرجه الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (قَوْله وَلَا بِأَمْر قد فرغ مِنْهُ) أقوم وَجه ذَلِك أَن الشَّيْء إِذا قد فرغ مِنْهُ لم يتَعَلَّق بِالدُّعَاءِ فِيهِ فَائِدَة وَقد روى مُسلم وَالنَّسَائِيّ مَا يدل على ذَلِك من حَدِيث أم حَبِيبَة ﵂ لما سَمعهَا تَدْعُو للنَّبِي ﷺ ولأبيها ولأخيها بِأَن يمتعها الله بهم فَقَالَ ﷺ لن يعجل الله شَيْئا قد أَجله الحَدِيث (قَوْله وَلَا بمستحيل) أَقُول وَجه ذَلِك أَن الدُّعَاء بالمستحيل هُوَ من الاعتداء فِي الدُّعَاء وَقد ثَبت النَّهْي القرآني عَنهُ قَالَ الله تَعَالَى ﴿ادعوا ربكُم تضرعا وخفية إِنَّه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ﴾ وَأخرج البُخَارِيّ تَعْلِيقا عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ﴾ قَالَ فِي الدُّعَاء وَغَيره وَأخرج أَبُو دَاوُد وَابْن ماجة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن عبد الله بن مُغفل ﵁ أَنه سمع ابْنه يَقُول اللَّهُمَّ أَنِّي أَسأَلك الْقصر الْأَبْيَض عَن يَمِين الْجنَّة إِذا دَخَلتهَا فَقَالَ أَي بني سل الله الْجنَّة وتعوذ من النَّار فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِنَّه سَيكون
[ ٦٢ ]
فِي هَذِه الْأمة قوم يعتدون فِي الطّهُور وَالدُّعَاء (قَوْله وَلَا يتحجر) أَقُول وَجهه أَن النَّبِي ﷺ لما سمع الْأَعرَابِي يَقُول اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي ومحمدا وَلَا ترحم مَعنا أحدا قَالَ لَهُ لقد تحجرت وَاسِعًا وَهُوَ ثَابت فِي الصَّحِيح من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ (قَوْله وَيسْأل حاجاته كلهَا) أَقُول لما أخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ليسأل أحدكُم ربه حاجاته كلهَا حَتَّى يسْأَل شسع نَعله إِذا انْقَطع وَأخرجه أَيْضا ابْن حبَان (قَوْله ويؤمن الدَّاعِي والمستمع) أَقُول وَجهه أَن التَّأْمِين بِمَعْنى طلب الْإِجَابَة من الرب سُبْحَانَهُ واستنجازها فَهُوَ تَأْكِيد لما تقدم من الدُّعَاء وتكرير لَهُ وَقد ورد فِي الصَّحِيح مَا يرشد إِلَى ذَلِك وَأخرج أَبُو دَاوُد عَنهُ ﷺ أَنه سمع رجلا يَدْعُو فَقَالَ وَجب أَن خَتمه بآمين وَأخرج الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد عَن أم سَلمَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ أَمن فِي دُعَائِهِ وَأخرج الْحَاكِم أَيْضا وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد أَنه ﷺ قَالَ لَا يجْتَمع مَلأ فيدعو بَعضهم ويؤمن بَعضهم إِلَّا أجابهم الله (قَوْله وَيمْسَح وَجهه بيدَيْهِ بعد الْفَرَاغ من الدُّعَاء) أَقُول وَجهه مَا أخرجه أَحْمد وَأَبُو دَاوُد عَن مَالك بن يسَار ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا سَأَلْتُم الله فَاسْأَلُوهُ ببطون أكفكم وَلَا تسألوه بظهورها فَإِذا فَرَغْتُمْ فامسحوا وُجُوهكُم وَأخرجه أَيْضا التِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم من حَدِيثه وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث عمر ﵁ (قَوْله وَلَا يستعجل أَو يَقُول دَعَوْت فَلم يستجب لي) أَقُول وَجهه مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يُسْتَجَاب لأحدكم مَا لم يعجل يَقُول دَعَوْت فَلم يستجب لي وَأخرج أَحْمد وَأَبُو يعلى بِرِجَال الصَّحِيح من حَدِيث أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يزَال العَبْد بِخَير مَا لم يستعجل قَالُوا يَا نَبِي الله وَكَيف يستعجل قَالَ يَقُول قد دَعَوْت الله فَلم يستجب لي فَفِي الحَدِيث تَفْسِير الاستعجال بقول الدَّاعِي دَعَوْت فَلم يستجب لي وَلَيْسَ مُجَرّد سُؤال العَبْد لرَبه ﷿ أَن يعجل لَهُ
[ ٦٣ ]
الْإِجَابَة من هَذَا فقد ثَبت عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ فِي دُعَاء الاسْتِسْقَاء عَاجلا غير رائث وَكَانَ الْأَحْسَن أَن يَقُول المُصَنّف وَلَا يستعجل فَيَقُول قد دَعَوْت فَلم يستجب لي لما فِي عِبَارَته من الْإِبْهَام
الْبَاب الثَّانِي