ومن مظاهر تأثير القرآن، والتي حدثتنا عنها الآيات، ما حدث لمجموعة من الجن حينما استمعوا إلى آيات من القرآن فكان أول رد فعل لهم أن قال بعضهم لبعض:
(أنصتوا) ولم يقولوا (اسمعوا) فقد أدهشهم الخطاب، وسيطر عليهم، فتأثروا به تأثرًا بالغًا، وكانت النتيجة السريعة لهذا التأثر هو الرغبة الجارفة بتبليغ ما فهموه من فحوى الخطاب القرآني لقومهم ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنْذِرِينَ - قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ - يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣١].
فالآيات كما يقول -سيد قطب- تصور الأثر الذي انطبع في قلوبهم من الإنصات للقرآن، فقد استمعوه صامتين منتبهين حتى النهاية. فلما انتهت التلاوة لم يلبثوا أن سارعوا إلى قومهم، وقد حملت نفوسهم ومشاعرهم منه ما لا تطيق السكوت عليه، أو التلكؤ في إبلاغه والإنذار به. وهي حالة من امتلأ حسه بشيء جديد، وحفلت مشاعره بمؤثر قاهر غلاب، يدفعه دفعا إلى الحركة والاحتفاء بشأنه وإبلاغه للآخرين بجد واهتمام (٢).