روح القلوب وقوتها
[ ٢٢ ]
روح القلوب وقوتها
من عجائب القرآن أنه ميسر للجميع، لا يحتاج إلى عقلية خاصة، أو طقوس معينة، أو أماكن محددة، أو أزمنة بعينها للتعامل معه.
فهو متاح في كل الظروف والأحوال .. يخاطب العامة والخاصة، والعلماء والأميين، والرجل والمرأة، فيُحدث في الجميع أثره العظيم، ويمد القلوب بالروح، ويفجر منابع إيمانه فيها، فيخرجها من الظلمات إلى النور، ومن غلبة الهوى إلى غلبة الإيمان.
إنه كالشمس تسع الجميع بضيائها وأثرها ودفئها، ويزيد عن شمس الدنيا بأن شمسه لا تغرب، ونوره لا يأفل.
وكما أن شمس الدنيا لا تؤثر إلا فيمن يتعرض لها؛ كذلك القرآن لا يؤثر إلا فيمن يتعرض له ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ - لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٧، ٢٨].
ولا يعني أبدًا عدم رؤية البعض للشمس بسبب الغيوم والسُّحب .. أنها غير موجودة، أو أن تأثير وجودها لا يعدو ذلك الضوء الخافت المختلط بالضباب، والذي تصعب معه الرؤية ..
كذلك القرآن، فمعجزته موجودة ومحفوظة بحفظ الله لها، ويظل تأثيرها الفذ يعمل ويعمل حتى قيام الساعة، فإن حالت الحُجب بيننا وبينها، وإن أصبحت تلك الحُجب بعضها فوق بعض، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يكون مدعاة للاستسلام للأمر الواقع، والظن بأن هذا هو الوضع الطبيعي للقرآن، بل علينا أن نجتهد ونجتهد في الوصول إلى دائرة التأثير المباشر لتلك المعجزة.
ومما يدعو للأسف أن طول أمد بعدنا عنها، مع إلفنا لذلك الوضع، جعلنا نكاد لا نصدق بكونها مصدرًا متفردًا فذًا للتأثير الدائم، والتغيير الحقيقي.
من هنا تظهر الحاجة للتذكير بأهمية هذه المعجزة والسر الأعظم فيها، ومظاهر تأثيرها ليكون ذلك دافعًا يدفعنا للبحث الجاد عن كيفية الوصول إليها والانتفاع بها.