النموذج العملي
والدفعة الأولى لمدرسة القرآن
[ ٤٢ ]
النموذج العملي
والدفعة الأولى لمدرسة القرآن
الدفعة الأولى:
ذاق صحابة رسول الله ﷺ حلاوة الإيمان من خلال القرآن، وأدركوا قيمته وقدرته الفذة على التغيير وبث الروح، فأقبلوا عليه، وانشغلوا به، وأعطوه الكثير من أوقاتهم، وانجذبت مشاعرهم نحوه عند لقائهم به لدرجة الاستغراق والهيمنة، حتى أصبحوا لا يملكون دمعهم حين يبدأون التلاوة، بل إن بعضهم كان يمرض من شدة أثر القرآن عليه، والبعض الآخر كانت الأنوار تشاهد في داره عند قراءته، والكثير منهم كان يعيش مع آية من الآيات ساعات طوالًا يقرؤها ويكررها ويبكي، ولا يملُّ من ذلك.
وإليك أخي بعضًا من الأخبار التي وردت عن مظاهر تأثر الصحابة رضوان الله عليهم بالقرآن:
* في أثناء مرض الرسول ﷺ قال لمن حوله: «مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس».
فقالت عائشة: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه (١).
* وعن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء - بنت أبي بكر - كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سمعوا القرآن؟ قالت: تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم كما نعتهم الله (٢).
* وكان عمر بن الخطاب يمر بالآية فتخنقه، فيبقى في بيته أيامًا يُعاد، يحسبونه مريضًا (٣).
* وفي يوم من الأيام قال بعض الصحابة لرسول الله ﷺ: ألم تر ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح؟! قال: «فلعله قرأ بسورة البقرة»، فسُئل ثابت، فقال: قرأت سورة البقرة (٤).
* وقال رجل من أهل مكة لمسروق - أحد التابعين-: هذا مقام أخيك تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو كاد أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله، يركع ويسجد ويبكي ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ فلم يزل يرددها حتى أصبح (٥).
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) الدر المنثور ٥/ ٦١٠.
(٣) صحابة رسول الله - ﷺ - وجهودهم في تعليم القرآن الكريم/ ١٥٦.
(٤) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ٦٦.، وابن كثير في فضائل القرآن، وقال: إسناده جيد.
(٥) المصدر السابق/ ١٤٥.
[ ٤٣ ]
* وهذا أسيد بن حضير يقول: لو أني أكون كما أكون محل حال من أحوال ثلاث لكنت من أهل الجنة وما شككت في ذلك: حين أقرأ القرآن أو أسمعه يُقرأ، وإذا سمعت خطبة رسول الله ﷺ، وإذا شهدت جنازة (١).
* وكان عباد بن بشر يقوم بحراسة المسلمين بعد أن عسكروا في مكان، وأخلدوا للنوم وهم في طريق عودتهم من غزوة ذات الرقاع، ولما وجد الجو هادئًا بدأ في الصلاة وقراءة القرآن، وفي أثناء ذلك لمحه أحد المشركين فأصابه بسهم فلم يتحرك من مكانه، بل نزعه وأكمل صلاته، ثم رماه بسهم ثان فنزعه وأكمل صلاته، ثم رماه بثالث فنزعه وركع وسجد وسلَّم وأيقظ صاحبه عمار بن ياسر، ولما سأله عمار لماذا لم توقظني منذ أول سهم؟ قال له: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها فلما تابع عليَّ الرمي ركعت فآذنتك، وأيم الله لولا أن أُضيَّع ثغرًا أمرني رسول الله ﷺ بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها (٢).
لقد كان شعوره ﵁ بلذة القراءة، أشد بكثير من شعوره بالألم!!
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لما نزلت +إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا" وأبو بكر الصديق قاعد فبكى حين أنزلت، فقال له رسول الله ﷺ: ما يبكيك يا أبا بكر؟ قال: يبكيني هذه السورة (٣).
وهذا أسيد بن حضير بينما كان يقرأ في الليل سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت. فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكنت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف وكان ابنه يحيى قريبا منها، فأشفق أن تصيبه، فلما اجتره رفع رأسه في السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي ﷺ، فقال له: «اقرأ يا ابن الحضير، اقرأ يا ابن الحضير» قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظُلَّة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال: «وتدري ما ذاك؟ «قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم» (٤).
وعن البراء قال: قرأ رجل الكهف، وفي الدار دابة، فجعلت تنفر، فنظر فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «اقرأ فلان! فإنها السكينة تنزلت عند القرآن، أو تنزلت للقرآن» (٥).
وعن أبي غزية الأنصاري قال: كان رجل من الأنصار قائمًا يقرأ، فجاءت كهيئة القبة السوداء، فيها كهيئة الصلاصل، حتى أظلته، ففزع، ونفر فرسه، فانصرفت على فرسه فارتفعت، فلما أصبح أتى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك، فقال له رسول الله ﷺ: «تلك السكينة أَذِنَتْ القرآن حين سمعته، أما إنك لو ثبت رأيت منها عجبا» (٦).
وروى الزهري أن عبد الله بن عباس كان يُقرئ عبد الرحمن بن عوف في خلافة عمر بن الخطاب .. قال عبد الله بن عباس: لم أر أحدًا يجد من القشعريرة ما يجد عبد الرحمن عند القراءة (٧).
ولما قدم أهل اليمن المدينة في زمن أبي بكر ﵁ فسمعوا القرآن، فجعلوا يبكون، فقال أبو بكر الصديق: هكذا كنا ثم قست القلوب (٨).
_________________
(١) مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر/ ١٤٨.
(٢) السيرة النبوية لابن هشام.
(٣) أورده ابن جرير الطبري في تفسيره ٢٤/ ٥٥٣، وانظر صحابة رسول الله وجهودهم في تعليم القرآن، ١٢٩.
(٤) رواه البخاري (٥٠١٨)، ومسلم (١٨٥٦).
(٥) رواه مسلم (١٨٥٤).
(٦) رواه أبو نعيم، وأورده المستغفري في فضائل القرآن برقم (٤٧٣).
(٧) الانتصار للقرآن للباقلاني ١/ ٢٠١، ومختصر قيام الليل لمحمد بن نصر / ١٤٥.
(٨) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١٣٥.
[ ٤٤ ]
عن عبيد بن عمير قال: صلى بنا عمر بن الخطاب ﵁ صلاة الفجر فافتتح سورة يوسف فقرأها حتى إذا بلغ ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤] بكى حتى انقطع فركع (١).
وهذا عبد الله بن مسعود يقول: إذا وقعت في (سور) آل حم وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن (٢).
ومعنى أتأنق فيهن: أي أعُجب بهن وأستلذ بقراءتهن، وأتتبع محاسنهن (٣).
وعن عبد الله بن أبي مليكة قال: صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة، فكان يصلي ركعتين، فإذا نزل قام شطر الليل، ويرتل القرآن حرفا حرفا، ويكثر في ذلك من التسبيح والنحيب (٤).