لقد كان حبه ﷺ للقرآن، واهتمامه به لا يُوصف، فقد سيطر القرآن على عقله، واستحوذ على مشاعره، وبلغت قوة تأثيره عليه أن شيَّب شعره، فقد دخل عليه يوما أبو بكر ﵁ فقال له: شبت يا رسول الله قبل المشيب. فقال له مبينًا السبب: «شيبتني هود وأخواتها قبل المشيب» (٥).
وفي يوم من الأيام قال لعبد الله بن مسعود ﵁ «اقرأ علىَّ القرآن»، فقال: أقرأ عليك، وعليك أُنزل؟!، قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري».
قال: فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] قال: «حسبك»، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان (٦).
لقد تشبع ﷺ بالقرآن تشبعًا تامًا، وتأثر به تأثرًا بالغًا لدرجة أن الإمام الشافعي - ﵀- يعتبر أن كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن (٧).
_________________
(١) جامع العلوم والحكم لابن رجب ص ٦٦.
(٢) تلبيس إبليس لابن الجوزي ص ٢٩١، طبعة المنيرية.
(٣) رواه الدارمي (٣٣٥٤).
(٤) رواه الدارمي (٣٣٥٩).
(٥) صحيح، أخرجه ابن مردويه وصححه الألباني في صحيح الجامع، ح (٣٧٢١).
(٦) رواه البخاري (٥٠٥٠)، ومسلم (١٨٦٤).
(٧) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/ ٤.
[ ٣٣ ]
لقد اختلطت معاني القرآن بشخصية الرسول ﷺ، وامتزجت بها، فصارت تتمثل واقعًا حيا في شخصه، وكأن القرآن أصبح رسول الله ﷺ ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا - رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ [الطلاق: ١٠، ١١] لقد كان بحق: قرآنا يمشي على الأرض، لذلك عندما سئلت السيدة عائشة - ﵂ عن خلقه ﷺ قالت: كان خلقه القرآن، يرضي لرضاه، ويسخط لسخطه (١).