تروى لنا كتب السيرة: أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل - عمرو بن هشام - والأخنس بن شريق، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعرف بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فتلاوموا قائلين: فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئًا، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية، عاد كل رجل إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثالثة، أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود، فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا» (٣).
فما الذي دفعهم لذلك؟!
إنه التأثير القوي للقرآن على قلوبهم، والذي لم يجعلهم يستطيعون (السيطرة على أنفسهم التواقة للاستماع إليه، فعادوا رغم تعاهدهم على عدم العودة إلى سماعه) (٤).
ولهذا خشوا من هذا التأثير على عبيدهم وسائر الناس «فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئًا».