كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يحذرون من بعدهم، ويخوفونهم من زمن يُرفع فيه القرآن، فعن شدَّاد بن معقل عن عبد الله بن مسعود قال: إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وإن آخر ما يبقى منها الصلاة، وليصلين أقوام لا دين لهم، وإن هذا القرآن الذي بين ظهرانيكم سينُتزع منكم، قال: قلت: كيف ينتزع منا وقد أثبته الله في قلوبنا، وأثبتناه في مصاحفنا؟ فقال: يسرى عليه في ليلة واحدة، فينتزع ما في القلوب، ويذهب ما في المصاحف، ثم قرأ عبد الله ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] (١١).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث نزل، له دوىٌّ كدوى النحل، فيقول الرب: مالك؟ فيقول: يا رب أُتلى ولا يعمل بي، أُتلى ولا يُعمل بي، ثلاث مرات.
_________________
(١) مختصر قيام الليل ص ١٤٨.
(٢) إحياء علوم الدين ١/ ٤٢٦.
(٣) مختصر قيام الليل ص ١٣٥.
(٤) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ٧٧.
(٥) المصدر السابق ص ٧٢.
(٦) المصدر السابق ص ٧١.
(٧) سنن الدارمي (٣٣٢٠).
(٨) لمحات الأنوار ٣/ ١٢٠٢، ومعنى راجز: أي يقرؤه كقراءة الشعر بالسجع والرجز فتتوالى فيه الحركة والسكون حتى تنتهي أجزاؤه.
(٩) المرشد الوجيز ص ١٩٧.
(١٠) أخرجه مسلم. .
(١١) رواه عبد الرزاق ٣/ ٣٦٣، وابن أبي شيبة ٧/ ٢٥٦، ٥٠٥، والحاكم ٤/ ٥٤٩، والبيهقي في السنن ٦/ ٢٨٩.
[ ٥١ ]
قال الليث بن سعد: إنما يُرفع القرآن حين يقبل الناس على الكتب، ويكبون عليها، ويتركون القرآن (١).
وعن عبد الله بن مسعود قال: اقرؤوا القرآن قبل أن يرفع، فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع، قالوا: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور الناس؟ قال: يسرى عليه ليلا، فيرفع من صدورهم، فيصبحون فيقولون: كأنا لم نعلم شيئًا، ثم يفيضون في الشعر (٢).
وعن معاذ بن جبل قال: سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فَيَتَهافت، يقرؤونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف، إن قَصَّروا قالوا: سنبلغ، وإن أساؤا قالوا: سيغفر لنا، إنا لا نشرك بالله شيئًا (٣).
وكان الإمام المقرئ خلف بن هشام البزار يعتب على أهل زمانه عدم العناية بفهم القرآن والعمل به، فيقول ﵀:
ما أظن القرآن إلا عارية في أيدينا، وذلك أنا روينا أن عمر بن الخطاب ﵁ حفظ البقرة في بضع عشرة سنة، فلما حفظها نحر جزورا شكرًا لله، وإن الغلام في دهرنا هذا يجلس بين يدي فيقرأ ثلث القرآن لا يُسقط منه حرفا، فما أحسب القرآن إلا عارية في أيدينا (٤).