ومما يؤكد هذا المعنى ما قاله ابن عباس ﵁:
تفسير القرآن على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى (٤).
فالوجه الأول: كما يقول د. يوسف القرضاوي، والذي تعرفه العرب من كلامها: أن القرآن نزل بلسان العرب، وهو ما جاء على معهود كلامهم من الحقيقة والمجاز، والصريح والكناية .. فالعرب تعرف القرآن من خلال معرفتها بأسلوب كلامها وطرائقه.
الوجه الثاني: (لا يعذر أحد بجهالته): هو ما كان واضحًا بحيث يتبادر إلى الأذهان معرفته، دون حاجة إلى كد الذهن، وإجهاد العقل.
الوجه الثالث: (تفسير يعلمه العلماء): ما لا يعرفه إلا أهل العلم، مما يحتاج إلى استنباط وتدقيق ومعرفة بعلوم أخرى، حتى يحمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص ..
الوجه الرابع: ما لا يعلمه إلا الله: مثل شؤون الغيب، التي لا يعلم حقائقها إلا الله سبحانه، كأحوال البرزخ، وأمور الآخرة، وموعد قيام الساعة (٥)
وعلق الإمام الزركشي في كتابه (البرهان في علوم القرآن) على قول ابن عباس في تقسيم التفسير إلى أربعة أنواع فقال:
هذا تقسيم صحيح.
فأما الذي تعرفه العرب فهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم، وذلك اللغة والإعراب.
فأما اللغة فعلى المفسر معرفة معانيها، ومسميات أسمائها، ولا يلزم ذلك القارئ.
وأما الإعراب فما كان اختلافه محيلا للمعنى وجب على المفسر والقارئ تعلمه، ليتوصل المفسر إلى معرفة الحكم، ويسلم القارئ من اللحن (٦) ..
_________________
(١) مباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص ٣٢٠.
(٢) مقدمة تفسير سورة الفاتحة ص ١١.
(٣) المصدر السابق ص ١٢.
(٤) ذكره الطبري في مقدمة تفسيره.
(٥) كيف نتعامل مع القرآن العظيم ص ٢٠٢.
(٦) قال الحليمي فيما نقله عنه البيهقي في الشعب (٥/ ٢٤٣، ٢٤٤): ومعنى إعراب القرآن شيئان: أحدهما أن يحافظ على الحركات التي بها يتميز لسان العرب عن لسان العجم، لأن أكثر كلام العجم مبني على السكون وصلا وقطعا، ولا يتميز الفاعل من المفعول، والماضي من المستقبل باختلاف حركات المطالع .. والآخر: أن يحافظ على أعيان الحركات، ولا يُبدَّل شيئًا منه بغيره، لأن ذلك ربما أوقع في اللحن أو غير المعنى. أ. هـ. وبفضل الله يتم تعليم النطق السليم للكلمات مع تعلم أحكام التجويد في حلقات القرآن المنتشرة في كل مكان.
[ ٦٠ ]
وأما ما لا يعذر أحد بجهله، فهو ما تتبادر الأفهام إلى معرفة معناه من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام ودلائل التوحيد، وكل لفظ أفاد معنى واحدًا جليًا يُعلم أنه مراد الله تعالى.
فهذا القسم لا يلتبس تأويله، إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ﴾ [محمد: ١٩]، وأنه لا شريك له في إلهيته، وإن لم يعلم أن (لا) موضوعة في اللغة للنفي، و(إلا) للإثبات، وأن مقتضى هذه الكلمة الحصر.
فما كان من هذا القسم لا يُعذر أحد يدعي الجهل بمعاني ألفاظه، لأنها معلومة لكل أحد بالضرورة (١).