إن وجود الشمس، وشروقها وغروبها كل يوم آيات عظيمة تدل على القدرة المطلقة للخالق - ﷾- وعلى قيوميته على جميع خلقه، وأنه لا تأخذه سنة ولا نوم ..
هذه الآيات التي نشاهدها كل يوم: صباحًا ومساءً لماذا لا تؤثر فينا؟!
الجواب هو: لأننا ألفنا وجودها منذ الصغر.
(فطبيعة النفس البشرية إذا ألِفت الشيء خفى عليها أسراره، وصرفها هذا الإِلف عن التفكر فيه ثم اكتشاف ما فيه) (٣).
فإذا ما انتقلنا للقرآن الكريم فإننا نجد أن (طول الإلف) له دور كبير في عدم انتفاعنا به ..
فمنذ الصغر ونحن قد ألفنا القرآن يُتلى بنغمة وتراتيل معينة، لا تظهر هذه النغمة في كلام آخرم سواء كان شعرا أو نثرا أو أغانٍ.
وباستمرار سماع هذه النغمة تعودت الأُذن عليها، وألِفتها دون محاولة الإصغاء إلى معنى الكلام الذي يصاحبها.
_________________
(١) مقدمة تفسير الفاتحة ص ١٩، ٢٠، باختصار.
(٢) روائع إقبال ص ٣٧، ٣٨.
(٣) التعبير القرآني ص١٣٦.
[ ٦٧ ]
ومما ساعد على عدم الإصغاء للخطاب القرآني أن المستمع في الغالب يكتفي بجو الروحانية، والشعور بالارتياح الذي ينشأ عند سماع أصوات المقرئين ينساب في المكان وكما أسلفنا فإن هذا الارتياح ناشئ عن جرس القرآن وجماله التوقيعي الذي لا نظير له، ولكنه للأسف لا ينُشئ إيمانًا، فالإيمان يحتاج إلى يقظة العقل وإدراكه للمعنى، مع استثارة العاطفة مع هذا المعنى ليستقر مدلوله في القلب فينشأ بذلك الإيمان.
القراءة بالألحان المحدثة:
ومما ساعد على إلف القرآن، وعدم الانصراف إلى المعنى هو القراءة بالألحان المحدثة التي ابتدعها بعض المقرئين.
يقول ابن رجب: هذه الألحان تهيج الطباع، وتلهي عن تدبر ما يحصل له من الاستماع، حتى يصير الالتذاذ بمجرد سماع النغمات الموزونة، والأصوات المطربة، وذلك يمنع المقصود من تدبر معاني القرآن.
وإنما وردت السنة بتحسين الصوت بالقرآن، لا بقراءة الألحان، وبينهما بون بعيد (١).
(فالقارئ يتفنن في النغم والتلحين، ويخرج عن سنن الترتيل، وقواعد التجويد، ويعيد الآية عند استحسان السامعين للنغمة وطلبهم الإعادة، والسامع يستخفه الطرب لا من معاني القرآن، بل من حسن التوقيع، وأفانين الألحان، فيصيح في نهاية الآيات بكلمات الاستحسان، والثناء على القارئ، والدعاء له، وطلب الإعادة منه (٢).
ولطالما طرقت أَذاننا ونحن نسير في الشوارع والطرقات أصوات بعض المقرئين وهم يقرؤون بهذه الألحان المحُدثة، والقراءات المختلفة لنفس الآية، ولطالما سمعنا كلمات الاستحسان التي تلقى إليهم والآهات التي تخرج من أفواه السامعين ..
سمعنا هذا ولا نزال نسمعه حتى ألفناه، وانصرفت عقولنا عن إدراك المعاني ..
* * *