هذه المعاملة الودودة من الله ﷿ للإنسان لم يقابلها نفس المعاملة من الإنسان لربه سبحانه، بل ولا عُشر معشارها، والعجيب أننا لو نظرنا لجوانب رعاية الله، ودوام إمداده، وتربيته، ولطفه، ووده لأي إنسان، واستمرار ذلك، وعدم توقفه ولو للحظة واحدة لشعرنا وكأن هذا الإنسان هو العبد الوحيد لله!! .. وإذا ما نظرنا إلى رد فعل هذا الإنسان تجاه تلك المعاملة، ومدى تفاعل مشاعره وسلوكه معها لظننا أن لهذا الإنسان ربًا آخر غير الله لما نرى من جحوده وإعراضه عنه سبحانه، ويُجَسِّد هذا الحال الشاذ ما جاء في الأثر عن رب العزة: «إني والجن والإنس في نبأ عظيم؛ أخلق ويُعبد غيري، وأرزق ويُشكر سواي، خيري إلى العباد نازل وشرهم إلىَّ صاعد. أتحبب إليهم بنعمى وأنا الغنى عنهم، ويتبغضون إلىَّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إلىَّ
من أقبل إلىَّ تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني ناديته من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد. ومن أراد رضاي أردت ما يريد. ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد.
أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أُقنَّطهم من رحمتي، فإن تابوا فأنا حبيبهم، فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب، لأطهرهم من المعايب.
من آثرني على سواي آثرته على سواه.
الحسنة عندي بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، والسيئة عندي بواحدة، فإن ندم عليها واستغفرني غفرتها له.
أشكر اليسير من العمل، وأغفر الكثير من الزلل.
رحمتي سبقت غضبي، وحلمي سبق مؤاخذتي، وعفوي سبق عقوبتي .. أنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها (٣).
_________________
(١) فيض القدير للمناوي ٥/ ٣٢١.
(٢) حسن، رواه الترمذي وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ح (٤٣٣٨) ..
(٣) مدارج السالكين لابن القيم ١/ ٢١٥، ٢١٦.
[ ١٦ ]