بعد أن ذاق الصحابة - رضوان الله عليهم - حلاوة القرآن، وأدركوا قيمته الحقيقية، والسر الأعظم لمعجزته، ووظيفته المتفردة في إنشاء الإيمان، وبناء اليقين الصحيح، ومن ثمَّ التقويم والتغيير .. بعد أن تأكدوا من هذا كله، ورأوا بأعينهم ثمار التعامل الصحيح مع هذا الكتاب في شتى الدوائر والمجالات، كان من أهم ما يشغل بالهم هو توصيل هذه الرسالة لمن بعدهم من الأجيال حتى لا يتحول القرآن من وسيلة عظيمة للتغيير إلى مجرد كتاب مقدس يُقرأ للتبرك والثواب فقط ..
لذلك كانوا حريصين على متابعة من بعدهم في كيفية تعاملهم مع القرآن، فالسيدة عائشة تسمع رجلا يقرأ القرآن قراءة سريعة، فقالت: ما قرأ هذا وما سكت (٤).
* وجاء رجل يقال له: نُهيك بن سنان إلى عبد الله بن مسعود فقال له: يا أبا عبد الرحمن: كيف تقرأ هذا الحرف، ألفا تجده أم ياء «من ماء غير آسن» أو «من ماء غير ياسن» فقال عبد الله: وكل القرآن قد أحصيت غير هذا؟
قال نُهيك: إني لأقرأ المفصل في ركعة. فقال عبد الله: هذًّا كهذِّ الشعر؟ إن أقواما يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه، نفع (٥) ..
* وقيل لعبد الله بن عمرو بن العاص: الرجل يقرأ في ليلة؟ فقال: أقد فعلتموها؟ لو شاء الله أنزله جملة واحدة، إنما فُصل ليعطي كل سورة حظها من الركوع والسجود (٦).
* ورأى عبد الله بن مسعود مصحفًا مزينًا بالذهب فقال: إن أحسن ما زُينت به المصحف تلاوته ليلًا ونهارًا في الخلوة (٧).
وكان أبو الدرداء يقول: إذا حليتم مصاحفكم، وزوقتم مساجدكم، فالدمار عليكم (٨).