أراد عمر بن الخطاب ﵁ أن يكتب السنن، فاستشار أصحابه، فأشاروا عليه بذلك، ثم استخار الله شهرًا، ثم قال: إني ذكرت قومًا كانوا قبلكم كتبوا كتبًا، فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله ﷿، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدًا (٥).
وخطب على بن أبي طالب ﵁ في الناس وقال: أعزم على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حيث تتبعوا أحاديث علمائهم، وتركوا كتاب ربهم (٦).
وبلغ عبد الله بن مسعود أن عند ناس كتابًا يعجبون به، فلم يزل بهم حتى أتوه فمحاه، ثم قال: إنما هلك أهل الكتاب قبلكم أنهم أقبلوا على كتب علمائهم وتركوا كتاب ربهم (٧).
وعن ابن سيرين أن زيد بن ثابت قال:
أرادني مروان بن الحكم وهو أمير على المدينة أن أكَتُبَه شيئًا، قال: فلم أفعل، قال: فجعل سترًا بين مجلسه وبين بقية داره، وكان أصحابه يدخلون عليه ويتحدثون في ذلك الموضع، فأقبل مروان على أصحابه فقال: ما أرانا إلا قد خُنَّاه، ثم أقبل علىَّ، قلت: وما ذاك؟ ما أرانا إلا قد خناك، قلت: وما ذاك؟ قال: إنا أمرنا رجلا يقعد خلف هذا الستر فيكتب ما تفتى هؤلاء وما تقول (٨).
وقال عمرو بن قيس: وفدت مع أبي إلى يزيد بن معاوية (بحوارين) حين توفى معاوية نُعزَّيِّه، ونُهنيه بالخلافة فإذا رجل في مسجدها يقول: ألا إن من أشراط الساعة أن تُرفع الأشرار وتوضع الأخيار، ألا إن من أشراط الساعة أن يظهر القول، ويُخزن العمل، ألا إن من أشراط الساعة أن تُتلى المثُناة فلا يوجد من يغيرها.
قيل له: وما المثناه؟
قال: ما استُكتب من كتاب غير القرآن، فعليكم بالقرآن فبه هُديتم، وبه تجزون وعنه تسألون.
فحدثت بهذا الحديث بعد ذلك بحمص، فقال لي رجل من القوم: أو ما تعرفه؟
قلت: لا. قال: ذاك عبد الله بن عمرو (٩).
وقال عبد الله بن مسعود: إن ناسا يسمعون كلامي ثم ينطلقون فيكتبونه، وإني لا أُحِل لأحد أن يكتب إلا كتاب الله (١٠).
_________________
(١) مختصر قيام الليل لمحمد بن نصر ص ١٧٩.
(٢) شعب الإيمان للبيهقي ٢/ ٣٥٥، والزهد لابن المبارك ح (٧٥٢).
(٣) سنن الدارمي (٣٣٤٧).
(٤) منهج السلف ص ١٢٣.
(٥) جامع بيان العلم وفضله برقم (٣٤٣).
(٦) جامع بيان العلم وفضله برقم (٣٣٧).
(٧) رواه الدارمي (٤٧٣).
(٨) رواه الدارمي (٤٧٨).
(٩) رواه الدارمي (٤٨٠).
(١٠) رواه الدارمي (٤٨٥).
[ ٥٢ ]
وأراد عمر بن الخطاب أن يكتب السُّنة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار: «من كان عنده شيء فليمحه» (١).
وعن الأسود بن حلال قال: أُتى عبد الله (ابن مسعود) بصحيفة فيها حديث فدعا بماء فمحاها، ثم أمر بها فأخرجت، ثم قال: أُذكِّر بالله رجلا يعلمها عند أحد إلا أعلمني به، والله لو أعلم أنها بدار الهند لبلغتها، بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم حين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (٢).
وعن أبي نضرة قال: قلت لأبي سعيد الخدري: ألا نكتب ما نسمع منك؟
قال: «أتريدون أن تجعلوها مصاحف؟ إن نبيكم ﷺ كان يُحدَّثنا فنحفظ، فاحفظوا كما كنا نحفظ (٣).
هذه الأخبار وغيرها تعكس تخوف الصحابة الشديد من انشغال الناس بغير القرآن، فيحرموا أنفسهم من نوره العظيم، وأثره المبارك والذي لا يوجد له مثيل ولا بديل.
هذا التخوف جعلهم يتشددون في موضوع كتابة العلم وتقييده.
وهنا أمران لا بد من التنويه عليهما في هذا المقام: الأول خاص بالسنة ومكانتها، والثاني خاص بتقييد العلم وكتابته.