إن إبليس - الذي أقسم بعزة الله بأن يعمل على غواية البشر وسوقهم معه إلى النار - ما كان ليترك هذه الأمة ليلتقي أبناؤها بالقرآن فيتزودوا منه بالإيمان، وبالتالي يتحصنون من كيده، ويلتزمون صراط الله المستقيم، فيدخلون الجنة.
وكيف يتركهم وقد رأى التأثير العظيم الفذ للقرآن على جيل الصحابة، ومن ثَّم فإن استمرار وجود القرآن بين المسلمين من شأنه أن يُفسد مخططاته، ويغلق الأبواب أمامه.
وفي الوقت ذاته فإن الشيطان لا يمكنه تحريف القرآن لأن الله ﷿ قد تكفل بحفظه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
ولا يمكنه كذلك دعوة المسلمين لنبذ كتابهم وإبعاده من بينهم لأنه رسالة نبيهم.
فماذا فعل الشيطان مع القرآن؟!
استطاع الشيطان أن يستدرج المسلمين، ويبعدهم شيئًا فشيئًا عن الانتفاع الحقيقي بالقرآن، وفي الوقت ذاته تركهم يتصلون بالقرآن، ويتعاملون معه ولكن من الناحية الشكلية.
فيجتمع له بذلك أمران:
الأول: أن يصبح القرآن موجودًا بين المسلمين من الناحية الشكلية اللفظية.
الثاني: أن يكون غائبًا من الناحية الحقيقية الجوهرية.
فيخمد باجتماع هذين الأمرين أي تأنيب للضمير في نفوس المسلمين بهجر كتابهم، ومن ثمَّ لا يمكن لأحد أن يفكر بأن القرآن بات غائبًا مهجورًا.
فعندما تنتشر المصاحف في كل مكان، وتبث الإذاعات آياته ليل نهار، وتُخرِّج المدارس والحلقات والكليات عشرات الآلاف من حفاظه. وينكَبُّ المسلمون على قراءته في رمضان، ويتنافسون على ختمه مرات ومرات بُغية تحصيل أكبر قدر من الحسنات ..
عندما يكون هذا وغيره من مظاهر الاهتمام الشكلي بالقرآن هو السائد بيننا، فإن الدعوة إلى العودة الحقيقية إليه، والانتفاع بمعجزته، وقدرته الفذة على إنشاء الإيمان والتغيير لن تجد آذانا مصغية بين المسلمين، بل سيصبح من المتوقع أن يقال لصاحب هذه الدعوة: وماذا عسانا أن نفعل مع القرآن أكثر مما نفعل؟! ألا يكفي هذا الجهد المبذول معه؟!
تلبيس إبليس:
لقد نجح الشيطان نجاحًا كبيرًا في استدراج الأمة وإبعادها عن الانتفاع الحقيقي بالقرآن، وهذا لم يتم في يوم وليلة، بل كان استدراجًا هادئًا بطيئًا عبر القرون المتعاقبة حتى وصل إلى الحال الذي وصل إليه الآن.
وكانت أبوابه الرئيسة التي يدخل منها على المسلمين هي باب الجهل، وباب الهوى، ومن كل منهما تتفرع أبواب كثيرة تناسب كل الحالات، وتؤدي في النهاية إلى تحقيق هدفه.
والجدير بالذكر أن الشيطان ليس له سلطان مباشر على أحد من الناس، ولكن عندما تصادف وسوسته هوى في النفس، أو جهلا بالأمر فمن المتوقع أن تتم الاستجابة لها.
فالجهل بقيمة القرآن الحقيقية، والهدف من نزوله، كان له دور كبير في الاستجابة لوساوس الشيطان في هذا الباب.
_________________
(١) مجلة الزهور العدد ٧٨ السنة السابعة - ربيع الآخر ١٤٢٨ هـ مايو ٢٠٠٧م.
[ ٧٦ ]
أما الهوى فله أفرع كثيرة يمكن أن تُغذَّيه من خلال التعامل الشكلي مع القرآن منها: التقدم على الناس بحفظه، وتَصَدُّر المجالس لتعليم حروفه، والمباهاة بإتقانه، واتخاذه حِرفة و
فالأبواب المتفرعة من بابَيْ الجهل والهوى كثيرة ومتعددة وكلها تؤدي إلى عدم الانتفاع الحقيقي بالقرآن.
ليس وحده:
ومما تجدر الإشارة إليه أن العوامل والأسباب - السابق ذكرها - قد ساعدت الشيطان في الوصول لهدفه، وإبعاد غالبية الأمة عن الانتفاع الحقيقي بالقرآن.
فالصورة الموروثة، وطول الإلف، ونسيان الهدف من نزول القرآن، والانشغال بفروع العلم على حساب القرآن، وعدم ظهور آثار سلوكية إيجابية للكثير من المشتغلين بالقرآن ..
كل هذا سهل على الشيطان مهمته ..
الشيطان ملحاح بطئ اليأس:
إن هدف الشيطان هو إبعاد كل فرد في الأمة عن الانتفاع الحقيقي بالقرآن، لذلك فهو في البداية يجتهد في الحيلولة دون قراءة المسلم للقرآن، إما بالتسويف، أو بإشغاله بأمر آخر.
فإن قرأ بالفعل دخل عليه من مداخل متعددة:
مدخل التعب والنعاس.
مدخل تحصيل أكبر قدر من الحسنات ليدفع القارئ للقراءة السريعة غير المتدبرة.
مدخل شرود الذهن مع بعض الكلمات.
مدخل تذكيره بأمر من أمور الدنيا التي ينبغي عليه القيام بها ليترك القراءة.
مدخل الاهتمام الشديد بمخارج الحروف وإتقان التلاوة.
مدخل تخويفه من تدبر القرآن ..
يقول ابن هبيرة: ومن مكايد الشيطان تنفير عباد الله عن تدبر القرآن لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر، فيقول: هذه مخاطرة، حتى يقول الإنسان: أنا لا أتكلم في القرآن تورعًا (١).
ويقول أبو حامد الغزالي في حديثه عن موانع فهم القرآن:
أن يكون الهم منصرفًا إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، وهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله ﷿، فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف يُخَّيل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه، فهذا يكون تأملهم مقصورا على مخارج الحروف فأنى تنكشف له المعاني؟ وأعظم ضحكة للشيطان من كان مطيعًا لمثل هذا التلبيس (٢).
(ومن تأمل هدى رسول الله ﷺ، وإقراره كل لسان على قراءتهم تبين له أن التنطع، والتشدق، والوسوسة في إخراج الحروف ليس من سنته (٣).
المعركة الحاسمة:
بهذه المداخل السابقة وغيرها، استطاع الشيطان أن يحقق مراده، ويُبعد الأمة عن جوهر القرآن، وعن وظيفته المتفردة في إحداث التغيير المتكامل للشخصية المسلمة.
فمنذ أن نزل القرآن من السماء، أصبحت أهم معركة للشيطان مع المسلمين هي إبعادهم عن دائرة تأثير هذا الكتاب ليسهل عليه إضلالهم وإبعادهم عن الصراط المستقيم.
ومن العجيب أن العبادة الوحيدة التي أمرنا الله ﷿ أن نستعيذ به، ونطلب حمايته لنا من الشيطان، قبل القيام بها: هي قراءة القرآن ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
فمن المعلوم أنه قبل أن يشرع المرء في الذكر أو الصيام أو إخراج الصدقة، فإنه غير مأمور بأن يستعيذ بالله من الشيطان.
فلماذا قراءة القرآن دون غيرها من العبادات؟!
أليس في هذا الأمر دلالة على أن الشيطان يجتهد ويجتهد في إبعاد الناس عنه، والحيلولة دون انتفاعهم به، وذلك لأنه يعلم بقيمة القرآن، وقدرته الفذة على التغيير والشفاء!!
من هنا يتبين لنا حكمة الاستعاذة بالله وطلب حمايته قبل بدء القراءة، فالشيطان لن يترك أحدًا ينتفع بالقرآن، ولا أمل أمامنا إلا بالاستعانة بالله عليه.
_________________
(١) تدبر القرآن للسنيدي ص ٤٨، نقلًا عن ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٣/ ٢٧٣).
(٢) إحياء علوم الدين ١/ ٤٣٩، ٤٤٠.
(٣) إغاثة اللهفان ١/ ٢٥٤.
[ ٧٧ ]
ويؤكد على هذا المعنى ابن القيم بقوله:
إن الشيطان يُجْلِب على قارئه بخيله ورَجْله، حتى يشغله عن المقصود بالقرآن، وهو تدبره وتفهمه، ومعرفة ما أراد به المتكلم -سبحانه- فيحرص بجهده على أن يحول بين قلبه وبين مقصود القرآن، فلا يكمل انتفاع القارئ به، فأُمر عند الشروع أن يستعيذ بالله منه (١).
ولعلنا بذلك نُدرك سر شكوى الكثيرين من أنهم حين يشرعون في قراءة القرآن يفاجأون بخواطر وأفكار لم تكن تأتيهم من قبل، فيشرد ذهنهم معها، ويستَغرقون فيها استغراقًا تامًا.
ونُدرك كذلك سر شكوى البعض من أن الرغبة في النوم تسيطر عليه، بل ويغلبه النعاس كلما شرع في قراءة القرآن.
* * *