فإذا ما عدنا للعصر الأول لنزول القرآن نجد نماذج -لها علم بالعربية لكنها ليست لسانها- قد تأثرت تأثرًا عظيمًا بالقرآن كالنجاشي الذي تأثر بسماعه آيات من سورة مريم، وبكى حتى أخضلت دموعُهُ لحيته، ثم قال: إن هذا والذي جاء به عيسى - ﵇- ليخرج من مشكاة واحدة (٢). وأسلم ﵀.
وليس معنى هذا هو التقليل من شأن أهل اللغة العربية أصحاب التذوق الصحيح لها، بل العكس؛ فهم الأئمة الذين ينبغي أن ينتشروا بين المسلمين فيبينوا لهم ما أشكل عليهم فهمه من القرآن فيزدادوا به هداية.
كل ما نقصده أن تعلم العربية من كل جوانبها ليس شرطًا أساسيًا للانتفاع بالقرآن.
أخرج ابن الضريس في فضائل القرآن أن الحارث بن قيس قال: كنت رجلًا في لساني لكنة (٣)، فقيل لي: لا تَعَلَّم القرآن حتى تَعَلَّم العربية، فأتيت عبد الله فذكرت ذلك له، فقلت: إنهم يضحكون مني، ويقولون: تعلم العربية قبل أن تعلم القرآن، فقال: لا تفعل، فإنك في زمان تحفظ فيه حدود القرآن، ولا يبالون حفظ كثير من حروفه، وإن بعدك زمان تحفظ فيه الحروف وتُضيَّع فيه الحدود (٤).
من هنا يتضح لنا أن عدم انتفاعنا بالقرآن في تحقيق الهداية والشفاء والربانية ليس بسبب ضعف تذوقنا للغة العربية ..