ومما ساعد الإنسان على جحوده لربه وبعده عنه: عدو الله إبليس.
فإبليس كان يعبد الله مع الملائكة، وعندما خلق الله آدم واختصه لنفسه ونفخ فيه من روحه طلب سبحانه من الملائكة السجود له، فرفض إبليس السجود متعللا بأنه كيف يسجد لمن هو أقل منه؟! ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] وبدلا من أن يعترف إبليس بخطئه، نجده يصر على ادعائه، فكان ذلك سببًا في طرده من رحمة الله، والحكم عليه بالحبس في النار: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣].
ولأن إبليس يرى أن سبب هذه العقوبة هو آدم، ويرى كذلك أنه مُحق في رفضه السجود، لذلك فقد طلب من الله ﷿ مهلة قبل تنفيذ العقوبة، لا ليرتاح، بل لينتقم لنفسه من آدم وبنيه جميعًا، ويثُبت أنه أفضل منهم. ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ - قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ - إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [ص: ٧٩ - ٨١].
وبعد أن أعطاه الله المهلة التي طلبها، أقسم بعزة الله سبحانه أن يجتهد في غواية الناس أجمعين وسوقهم معه إلى النار فيحقق مراده، ويُرضى نفسه، ويُنفس عن حقده وحسده، ويُظهر للجميع أن هذا المخلوق الذي اختصه الله لنفسه وكرمه، وأسجد له الملائكة لا يستحق هذا كله بدليل أنه وقع فريسة سهلة في حبائله، وانخدع بغوايته: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢].
﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ - ثُمَّ لآَتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧]
معنى ذلك أن كل من يعصى إبليس ويخالفه من أبناء آدم، ويعبد الله بالغيب، وينجح في امتحان العبودية فيدخل الجنة؛ يعد بمثابة مصيبة، وكارثة على إبليس، لأن ذلك معناه إثبات عكس ما يدعيه، ومن ثمَّ يتأكد خطؤه برفضه السجود لآدم، ويتأكد كذلك استحقاق آدم لكل مظاهر التكريم والعناية التي نالها.