ومما أبعد طائفة كبيرة من الحفاظ عن تدبر القرآن والانتفاع الحقيقي به، هو حرصهم على عدم نسيان المحفوظ فقط، لذلك تراهم يقرأون الآيات قراءة سريعة بقصد المراجعة وكل همهم هو عدم النسيان أو الخطأ.
لذلك لو سألت الكثير من الحفاظ: كيف تقرأ القرآن؟ سيكون جوابه المتوقع: «أقرؤه بطريقة تحافظ على حفظي له»، وكأن الحفظ هو الغاية، مع أن الحفظ وسيلة مهمة لتيسير الانتفاع به واستدعائه في أي وقت.
إن المراجعة التي يراجعها الحافظ ما هي إلا آيات القرآن التي أُمِر بتدبرها، والعمل بما فيها، ولقد مر علينا أن عبد الله بن عباس كان يُقرئ عبد الرحمن بن عوف في خلافة عمر بن الخطاب، قال: فلم أرَ أحدًا يجد من القشعريرة ما يجد عبد الرحمن عند القراءة.
وللشيخ محمد الغزالي - ﵀ - تعليق على هذه المسألة من خلال تجربة شخصية مر بها فيقول: حفظت القرآن وعمري عشر سنين .. وبداهةً ما كنت أعى منه شيئًا .. والغريب أن هذه الطريقة في الحفظ لألفاظ القرآن صرفتني عن معانٍ كثيرة كنت أمر بها ولا أعرفها .. وأنا كبير، أقرأ، ولكن لأني حفظت الكلام دون فهم للمعنى أجد نفسي - في كثير من الأحيان - أمضي دون فهم للمعنى، لأن الحفظ كان يغلب على التدبر أو إحسان الوعي .. وما بدأت أفكر حتى أكرهت نفسي على أن أعود فأدقق النظر في كل ما أقرأ، وأحمل نفسي على ترك هذه العادة التي ورثناها مع الحفظ (٢).