والسيرة مليئة بالأحداث التي تؤكد هذا المعنى وكيف أن الأثر الذي كان يُحدثه القرآن في نفس مستمعه هو السبب المباشر في إسلام الأنصار، ومن قبلهم المهاجرين.
فهذا هو أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، وكانا سيدي (الأوس)، قد عزما على إخراج مصعب بن عمير من يثرب بعد أن تزايد عدد من أسلم من أهلها على يديه، وكان مصعب في بستان من بساتين بنى (عبد الأشهل) يدعو الناس إلى الإسلام، ويقرأ عليهم القرآن.
فبدأ أُسيد بأن أخذ حربته، ومضى نحو البستان، فلما رآه أسعد بن زرارة مقبلًا قال لمصعب: ويحك يا مصعب، هذا سيد قومه، وأرجحهم عقلا: أسيد بن حضير، فإن يسلم يتبعه في إسلامه خلق كثير، فاصدق الله فيه ..
وقف أسيد بن حضير على الجمع، والتفت إلى مصعب وصاحبه أسعد، وقال: ما جاء بكما إلى ديارنا، وأغراكما بضعفائنا؟! اعتزلا هذا الحي إن كانت لكما بنفسيكما حاجة.
فالتفت مصعب إلى أسيد قائلا: يا سيد قومه، هل لك في خير من ذلك؟ قال: وما هو؟!
قال: تجلس إلينا، وتسمع منا، فإن رضيت ما قلناه قبلته، وإن لم ترضه تحولنا عنكم ولم نعد إليكم.
فقال أسيد: لقد أنصفت، وركز رمحه في الأرض وجلس، فأقبل عليه مصعب فكلمه عن الإسلام، وقرأ عليه شيئا من آيات القرآن، فانبسطت أساريره، وأشرق وجهه، وقال: ما أحسن هذا الذي تقول، ما أجلّ ذلك الذي تتلو!! كيف تصنعون إذا أردتم الدخول في الإسلام؟
قال مصعب: تغتسل وتطهر ثيابك، وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتصلي ركعتين، ففعل (٥).
وهكذا نجد الأثر السريع للقرآن .. (لقد تلقوه مسحورين، يستوى في ذلك المؤمنون والكافرون: هؤلاء يُسحرون فيؤمنون، وهؤلاء يُسحرون فيهربون، ثم يتحدث هؤلاء وهؤلاء عما مسَّهم، فإذا هو حديث غامض لا يعطيك أكثر من صورة المسحور المبهور، الذي لا يعلم موضع السحر فيما يسمع من هذا النظم العجيب، وإن كان ليُحس منه في أعماقه هذا التأثير الغريب) (٦).
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٢٣٩.
(٢) رواه البخاري ومسلم.
(٣) السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٢٠٧.
(٤) المصدر السابق.
(٥) السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٢٧٤، ٢٧٥.
(٦) التصوير الفني في القرآن لسيد قطب /٢٥.
[ ٢٩ ]