أوصى رسول الله ﷺ صحابته بتبليغ السنة إلى من وراءهم «نضَّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فحفظها، ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (٢).
وشدد عليهم في التثبت فيما يرون «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» (٣).
فلم يكن بدٌ من أن يصدع الصحابة بالأمر ويبلغوا أمانة الرسول ﷺ إلى المسلمين، وخصوصا وقد تفرقوا في الأمصار، وأصبحوا محل عناية التابعين والرحلة إليهم، فكان التابعون يتتبعون أخبارهم ومواطنهم فيرحل إليهم من يرحل على بُعد المشقة وعناء الأسفار.
هذا كله كان عاملا في انتشار الحديث وانتقاله بين المسلمين (٤).
(ومهما يكن من إكثار بعض الصحابة التحديث عن رسول الله، فقد كان ذلك قليلا في عصري الشيخين أبي بكر وعمر، إذ كانت خطتها حمل المسلمين على التثبت من الحديث من جهة، وحمل المسلمين على العناية بالقرآن أولًا (٥) ..
فقد كانت رغبة عمر ﵁ ألا يكثروا من التحديث عن الرسول ﵊ كي لا ينشغل الناس بالحديث عن القرآن، والقرآن غض طرى. فما أحوج المسلمين إلى حفظه وتناقله، والتثبت فيه، والوقوف على دراسته!!
روى الشعبي عن قرظة بن كعب قال: خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر إلى (صرار)، فتوضأ فغسل اثنتين ثم قال: أتدرون لِمَ مشيت معكم؟
قالوا: نعم نحن أصحاب رسول الله ﷺ مشيت معنا.
فقال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوىٌّ بالقرآن كدوى النحل، فلا تصدوهم بالحديث فتشغلوهم، جردوا القرآن وأقِلُّوا الرواية عن رسول الله ﷺ، وامضوا وأنا شريككم، فلما قدم قرظة بن كعب قالوا: حَدَّثنا، قال: نهانا عمر بن الخطاب (٦).
ويعلق الشيخ محمد الغزالي - ﵀ - على هذا الأمر فيقول:
فعمر وغيره من الأئمة لا يجحدون السنة، ولكنهم يريدون إعطاء القرآن حظه الأوفر من الحفاوة والإقبال، وذلك هو الترتيب الطبيعي، فلا بد من معرفة القانون كله معرفة سليمة قبل الخوض في شروح وتفاصيل لبعض أجزائه (٧).