فإن كان القرآن كذلك فهل أدرك المسلمون قيمته، وهل أحسنوا الانتفاع به؟!
هل تعاملوا معه على حقيقته كمصدر متفرد لزيادة الإيمان ومن ثمَّ التغيير؟!
للأسف لم يحدث هذا، بل حدث العكس، فلقد انصب اهتمام الغالبية منهم - إلا من رحم ربي - على الناحية الشكلية للقرآن، ولم يواكب ذلك اهتمام بتدبره والتأثر به، والاغتراف من منابع الإيمان التي تتفجر من كل آية من آياته، لتستمر الأمة في ضعفها وعجزها عن النهوض من كبوتها، وكيف لا وقد هُجر أهم وأعظم مصدر للإمداد الإيماني.
ومما يزيد الأمر صعوبة أن الكثيرين لا يعترفون بذلك، بل يعتبرون أن الاهتمام بالقرآن يعني الإكثار من قراءته بفهم أو بدون فهم، ويعني كذلك تخريج أكبر قدر من حُفَّاظ ألفاظه في أقل وقت ممكن .. فازداد القرآن يُتما، وأصبح حاضرًا وغائبًا .. موجودًا ومهجورًا.
صار حاضرًا بلفظه على ألسنة الُقَّراء والحفاظ، لكنه غائب بروحه وأنواره عن القلوب، وأثره الإيجابي في السلوك.
صار موجودا بشكله من خلال المطابع والإذاعات والمدارس والكليات والمسابقات، لكنه مهجور في حقيقته وتأثيره على القلوب، وتغييره للأخلاق والسلوك.
فإن قلت هلموا إلى القرآن ننتفع به، قيل لك: وماذا علينا أن نفعل مع القرآن أكثر مما نفعل، فأغلب بيوت المسلمين - إن لم تكن كلها - تحتوي على نسخة أو عدة نسخ من المصحف، والكثير من الأسر تجد فيها من يحفظ قدرًا من القرآن، والإذاعات التي تبث آياته ليل نهار في ازدياد مستمر!!.
من هنا تكمن صعوبة الأمر، فمع تَيسُّر القرآن للجميع إلا أن الشعور بالاحتياج إليه كمصدر لا غنى عنه لتوليد الإيمان وبث الروح إلى القلب يكاد يكون غير موجود.
إن حالنا ينطبق مع حال من يحتاج احتياجًا ماسًا إلى الماء ليروى ظمأه، فيبحث عنه لاهثًا في كل مكان على الرغم من كونه موجودًا بين أمتعته وفي متناول يده، لكنه لا يصدق ذلك.
وانطبق حالنا مع قول الشاعر:
ومن العجائب والعجائب جمة قرب الدليل وما إليه وصول
كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول