فإن قلت: إن الجيل الأول تأثر هذا التأثر البالغ بالقرآن لأن العرب كانوا يتذوقون اللغة بالسليقة ويدركون معانيها ومراميها، أما نحن فلسنا مثلهم، لذلك يصعب علينا فهم القرآن ومن ثمَّ التأثر والانتفاع الحقيقي به.
بلا شك أن (من يتذوق العربية يدرك معاني قد تخفى على غير أهل اللغة) (٢) ولكن هذا الأمر ليس شرطًا للانتفاع بالقرآن كهداية وشفاء.
فالذي أنزل القرآن وجعله للعالمين نذيرًا يعلم أن الناس جميعًا ليسوا من أهل اللغة المتذوقين لها ..
_________________
(١) مجلة الأخوان المسلمين العدد (٢١) السنة الأولى ١٨ رمضان ١٣٦٢هـ، ١٨ سبتمبر ١٩٤٣م.
(٢) التعبير القرآني ص ٥٦٨.
[ ٥٩ ]
وفي نفس الوقت فلأنه لا يمكن لأحد أن يهتدي بهدى القرآن ويتأثر به، ويكون له بمثابة البشير، والنذير، والهادي، والنور، والروح، والتذكرة، والتبصرة .. إلا إذا تعلم اللغة العربية كلغة تخاطب يفهم خطابها وألفاظها فهما عاما؛ كان تعلم هذا القدر من اللغة ضروري للأعجمي لفهم خطاب القرآن المباشر له، ولو فهما إجماليًا ..
يقول الإمام ابن تيمية: إن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهمان إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (١).
ومما لا شك فيه أن عاقل مهما كان مستوى علمه وإدراكه محدودًا يستطيع - إذا ما أعمل عقله فيما يقرأ أو يسمع من آيات - أن يفهم الخطاب القرآني بدرجة ما ..
هذه الدرجة تمكنه - بعون الله - من بلوغ الهداية القرآنية، وهذا من صور
إعجاز القرآن، أن يسر الله فهمه للجميع، كلٌ على قدره مستواه +وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ" [القمر: ١٧].
لذلك فإن بلوغ الهداية من القرآن، والتأثر بمعانيه، ومن ثم الانتفاع الحقيقي به، في وسع وطاقة أي عاقل مهما كان مستوى إدراكه.
يقول الإمام محمد عبده: يجب على كل واحد من الناس أن يفهم آيات الكتاب بقدر طاقته، لا فرق بين عالم وجاهل. يكفي العامي من فهم قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢] ما يعطيه الظاهر من الآيات، وأن الذين جُمعت أوصافهم في الآيات الكريمة لهم الفوز والفلاح عند الله تعالى (٢).
ويقول: ومن الممكن أن يتناول كل أحد من القرآن بقدر ما يجذب نفسه إلى الخير، ويصرفها عن الشر، فإن الله تعالى أنزله لهدايتنا وهو يعلم منا كل أنواع الضعف الذي نحن فيه (٣).