هب أن شخصًا ما قد أصابه مرض شديد له أعراض كثيرة، وتم تشخيص مرضه ووصف الدواء المناسب له بواسطة طبيب من الأطباء، وعندما سأل عن الدواء اكتشف بأنه (الأسبرين) فقط والذي تمتلئ به الأدراج في بيته.
أليس من المفترض أن يبدأ في تناول الدواء؟!
ولكن إن لم يفعل ذلك، وأصر على الذهاب، لطبيب آخر .. فبماذا تبرر هذا التصرف؟!
أليس هو استخفافه بهذا الدواء، وعدم إيمانه بأن يكون الأسبرين سببًا في التخلص من مرضه الشديد، وذهاب أعراضه المؤلمة.
إن أمر القرآن معنا أشد من أمر الأسبرين مع هذا المريض.
_________________
(١) .. لم نذكر في نماذج تأثر الأعاجم بالقرآن، أولئك الذين لا يفهمون العربية، ومع ذلك فعندما استمعوا إلى القرآن - وهم لا يفهمونه - حدثت عندهم تغيرات وتأثر بشكل ما .. لم نتحدث عنهم لأن هذا الأثر الذي أحدثه فيهم القرآن ليس هو مقصدنا الحقيقي، لأنهم يتأثرون بجرس القرآن وجماله التوقيعي ونغمه أو كما يسميه الشيخ محمد عبد الله دراز - ﵀ - يتأثرون بالقشرة الخارجية للقرآن. وهذا ليس التأثر الإيماني الذي نريده، فالتأثر الإيماني هو فهم المعنى والانفعال معه لينشأ الإيمان به في القلب، ومما يساعد على نجاح هذه العملية هو ترتيل القرآن بصوت حزين، ويتأكد هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ - فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨، ١٩٩] فكيف يؤمنون بشيء لا يفهمونه ولا يعرفون كنهه؟!
(٢) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٢٠٧.
(٣) لكنة: أي عيّ (مثل الأعجمي الذي لا ينطق كل حروف اللغة بطريقة صحيحة).
(٤) فضائل القرآن لابن الضريس برقم (١) و(٣).
[ ٦٤ ]
فالمرض موجود، وأعراضه بادية لكل ذي عينين، والتشخيص واضح، والدواء موجود .. أنزله رب العالمين ليحدث بإذنه شفاءً تامًا لا يغادر سقما، ولكننا لا نريد تناوله على الرغم من معاناتنا الشديدة من المرض ..
لماذا؟!
لأننا باختصار لا نثق في أن القرآن الموجود بين أيدينا، وفي بيوتنا يستطيع أن يحل مشكلاتنا، ويعيد لنا مجدنا.
نعم أخي، إن السبب الأساسي لعدم انتفاعنا بالقرآن هو:
ضعف الثقة والإيمان به كدواء كافٍ شاف وكوسيلة تقويم وتغيير فذة.
أما كيف وصلنا لهذا المستوى من ضعف الإيمان والثقة بالقرآن، فبلا شك أن هذا لم يحدث في يوم وليلة، بل حدث عبر قرون طويلة، بسبب عوامل كثيرة ساهمت مجتمعة أو متفرقة في انزواء القرآن في ركن صغير في نفوسنا، ويمكن إجمال هذه العوامل والأسباب في الآتي: