التمهيد
ويشمل:
أ- أهمية القرآن في حياة المسلمين.
ب- اهتمام المملكة بالقرآن الكريم وعلومه وفيه مطالب:
المطلب الأول: عناية المملكة بمدارس تحفيظ القرآن الكريم.
المطلب الثاني: الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم.
المطلب الثالث: حلقات التحفيظ في السجون ودور الملاحظة.
[ ٤ ]
أ) أهمية القرآن في حياة المسلمين
القرآن كما قال رسول الله ﷺ في حديث علي الذي أخرجه الترمذي (كتاب الله ﵎، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله.
هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته إلا أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ (الجن: ١)
من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم) . (١)
هذا ويعد الاتصال بالقرآن الكريم من آكد الضروريات في حياة المسلم؛ وذلك أنَّ القرآن الكريم أمر المسلم بكل خير، ونهاه عن كل شر.
١- فعلمه كيف يعامل ربه ﷿، فقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (النساء:٣٦) .
٢- كما علمه كيف يعامل أهله فقال ﷿: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (النساء:٣٦) لوالديه، وقال في حق زوجته: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النساء:١٩)، وقال في حق ولده: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ (الأنعام: ١٥١) .
_________________
(١) صحيح الترمذي م/٢/١٤٩، والقرطبي ج١/٥.
[ ٥ ]
٣- وعلمه كيف يعامل أعداءه فقال ﷿: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: ٣٤) .
٤- وعلمه كيف يبيع ويشتري فقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ (البقرة: ٢٧٥) .
٥- وعلمه كيف ينفق فقال جلَّ من قائل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: ٦٧) .
٦- كما علمه كيف يأكل ويشرب فقال جل من قائل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ (الأعراف: ٣١) .
٧- كما علمه كيف يمشي في الطريق في قوله تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ (الإسراء: ٣٧) .
٨- كما علمه كيف تكون المحاورة والإقناع فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ (البقرة: ٢٣) .
كما علمه أمور دينه، كأداء الصلاة والزكاة، ومصاريف الزكاة، والصيام والحج، مما هو معروف لدى عامة المسلمين وخاصتهم.
هذا ويعد هو الكتاب الوحيد الشامل لجميع مصالح البشر، وتبيان ذلك أنَّ المصالح التي عليها مدار الشرائع ثلاث هي:
١- درء المفاسد المعروف عند الأصوليين بالضروريات (الدين، العقل، النفس، العرض، والنسب، والمال) فجعل القاتل يقتل، والسارق تقطع يده ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (المائدة: ٤٥.) .
[ ٦ ]
ولم يجد العرب أبلغ من هذا القرآن، ولا أجمل منه، حين عبر بقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (البقرة: ١٧٩) (١) .
٢- جلب المصالح ومثاله قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (الجمعة: ١٠) .
وقوله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (البقرة: ١٩٨) .
٣- الجري على مكارم الأخلاق:
ويظهر ذلك جليًا في الجمع بين الآية ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤) وقول عائشة: (كان خلقه القرآن) (٢) .
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إ﴾ (البقرة: ٢٣٧) .
هذا وكل ما ورد في السنة داخل في باب القرآن لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) .
ولقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم:٤) .
وبالإضافة إلى ما تقدم فقد أنار القرآن الكريم بصائر البشر، وحجب عنهم ظلمات الجهل والتقوقع على النفس.
وأمرهم بالتدبر في ملكوت هذا الكون الفسيح؛ إذ إنَّ الإنسان لا يمكن أن يقدر ربه حق قدره ما لم يتدبر في عظمة هذا الكون الدالة على خالقه المقتدر.
_________________
(١) انظر: علاج القرآن الكريم للجريمة د. محمد عبد الله ص٣٧٧.
(٢) تفسير القرطبي ج١٨ ص٢٢٧.
[ ٧ ]
زد على ذلك أنَّ التدبر في هذا الكون العظيم يعرف الإنسان من خلاله مدى كرمه على ربه حيث سخر جميع هذه الكائنات لخدمة الإنسان، ولو انساق المسلمون إلى توجيهات كتابهم الحكيم؛ لكانوا أسبق إلى غزو الفضاء من غيرهم، ولكن معنى الدين انكمش في نفوسهم فانكمشت همتهم عن ذلك (١) .
وأخيرا فإنَّ الإنسان في القرآن الكريم كائن مكرَّم مفضَّل محترم سخِّرت له الكائنات الموجودة من حوله كلها كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (لقمان:٢٠) .
ومن مظاهر تكريم المولى ﷿ للإنسان في القرآن الكريم، أمره الملائكة بالسجود له، وجعل الاستهانة بالإنسان عصيانًا وخيم العاقبة كما حدث مع إبليس.
والأدل من هذا وذاك كونه ﵎ يفرح بعودة عبده المؤمن التائب من ذنبه، وكونه غفورًا رحيمًا لمن أخلص له التوبة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (طه:٨٢) (٢) .
_________________
(١) علل وأدوية ص٣٤ محمد الغزالي.
(٢) انظر: علل وأدوية ص١٤ محمد الغزالي.
[ ٨ ]