إنه يوم نهايتك فيه مع أهلك وأحبابك؛ إذ أهالوا عليك التراب! فيسلمونك بعدها إلى ضيق اللحود.
فيا الله! ما أشدها من لحظات عليك أيها المسكين.
فبينما أنت مشغول بكربات القبر وشدائده .. إذا بأهلك مشغولون باقتسام ميراثك،
جفت الدموع بعد البكاء وتقادم العهد بعد التذكر! وسلام الحبيب بعد الجزع!
قال معاوية بن أبي سفيان ﵄ يومًا لعبيد بن شرية الجرهمي: أخبرني بأعجب شيء رأيته؟ ! قال: إني نزلت بحي من قضاعة، فخرجوا بجنازة رجل من بني عذرة، يقال: حريث، وخرجت معهم، حتى واروه في حفرته؛ تنحيت جانبًا عن القوم، وعيناي تذرفان بالبكاء، ثم تمثلت بأبيات من الشعر كنت أرويها قبل ذلك بزمان طويل:
استقدر الله خيرًا وارضينَّ بِهِ فبينما العسر إذ دارت مياسير
[ ١٣ ]
وبينما المرء في دنياه مغتبطًا
إذا صار في الرمس تَغْفُوه الأعاصير يبكي الغريب عليه ليس يعرفه
وذو قرابته في الحي مسرور
قال: وإلى جانبي رجل يسمع ما أقول، فقال لي: يا عبد الله، هل لك علم بقائل هذه الأبيات؟ ! قلت: لا، والله، إلا أني أرويها منذ زمان. فقال: والذي يحلف به، إن قائلها لصاحبنا الذي دفناه آنفًا الساعة! وهذا الذي تراه ذو قرابته، أسر الناس بموته، وأنت الغريب تبكي عليه كما وصفتَ.
فعجبت لما ذكر في شعره، والذي صار إليه من قوله، كأنه ينظر إلى مكانه من جنازته، فقلت: إن البلاء موكل بالمنطق. فذهبت مثلا!