أن يطهر باطنه وظاهره من الأخلاق الرديئة ويعمره بالأخلاق المرضية فمن الأخلاق الرديئة الغل والحسد والبغي والغضب
[ ٢٣ ]
لغير الله تعالى والغش والكبر والرئاء والعجب والسمعة والبخل، والخبث والبطر والطمع والفخر والخيلاء والتنافس في الدنيا والمباهاة بها والمداهنة والتزين للناس، وحب المدح بما لم يفعل، والعمى عن عيوب النفس والاشتغال عنها بعيوب الخلق، والحمية والعصبية لغير الله، والرغبة والرهبة لغير الله، والغيبة والنميمة والبهتان والكذب والفحش في القول، واحتقار الناس، ولو كانوا دونه فالحذر الحذر من هذه الصفات الخبيثة والأخلاق الرذيلة، فإنها باب كل شر، بل هي الشر كله.
وقد بُليَ بعض أصحاب النفوس الخبيثة من فقهاء الزمان بكثير من هذه الصفات إلا من عصم الله تعالى ولاسيما الحسد والعجب والرئاء واحتقار الناس وأدوية هذه البلية مستوفى في كتب الرقائق فمن أراد تطهير نفسه منها فعليه بتلك الكتب ومن أنفعها كتاب الرعاية للمحاسبي ﵀.
[ ٢٤ ]
يقال: ومن أدوية الحسد الفكر بأنه اعتراض على الله ﷾ في حكمته المقتضية تخصيص المحسود بالنعمة كما قال الشاعر العربي:
فإن تغضبوا من قسمة الله بيننا فلله إذ لم يرضكم كان أبصرا
ومن أدوية العجب يذكر أن علمه وفهمه وجودة ذهنه وفصاحته وغير ذلك من النعم فضل من الله عليه وأمانة عنده ليرعاها حق رعايتها، وأن مُعْطِيه إياها قادر على سلبها منه في طرفة عين كما سلب بلعام ما علمه في طرفة عين وما ذلك على الله بعزيز ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩].
ومن أدوية الرئاء الفكر بأن الخلق كلهم لا يقدرون على نفعه بما يقضه الله له ولا على ضيره بما لم يقدره الله تعالى عليه فَلِمَ يُحْبِطُ عمله ويضير دينه ويُشْغِلُ نفسه بمراعاة من لا يملك له في الحقيقة نفعًا
[ ٢٥ ]
ولا ضرًا مع أن الله تعالى يطلعهم على نيته وقبح سريرته كما صح في الحديث: "من سمّع سمّع الله به ومن راءى راءى الله به".
ومن أدوية احتقار الناس تدبر قوله تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١١]، ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]، وربما كان المحتقر أطهر عند الله قلبًا وأزكى عملًا وأخلص نية كما قيل: إن الله تعالى أخفى ثلاثة في ثلاثة؛ وليه في عباده، ورضاه في طاعاته، وغضبه في معاصيه.
ومن الأخلاق المرضية دوام التوبة، والإخلاص، واليقين، والتقوى، والصبر، والرضا، والقناعة، والزهد، والتوكل، والتفويض، وسلامة الباطن، وحسن الظن، والتجاوز، وحسن الخلق، ورؤية الإحسان، وشكر النعمة، والشفقة على خلق الله تعالى، والحياء من الله تعالى ومن الناس، ومحبة الله تعالى هي الخصلة الجامعة لمحاسن الصفات كلها وإنما تتحقق بمتابعة الرسول - ﷺ - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].