أن يبادر شبابه وأوقات عمره إلى التحصيل ولا يغتر بخدع التسويف والتأميل؛ فإن كل ساعة تمضي من عمره لا بدَلَ لها ولا عوض عنها، ويقطع ما يقدر عليه من العلائق الشاغلة والعوائق المانعة عن تمام الطلب وبذل الاجتهاد وقوة الجد في التحصيل فإنها كقواطع الطريق، ولذلك استحب السلف التغرب عن الأهل والبعد عن
[ ٧٠ ]
الوطن؛ لأن الفكرة إذا توزعت قصرت عن درك الحقائق وغموض الدقائق وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وكذلك يقال: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلّك.
ونقل الخطيب البغدادي في الجامع عن بعضهم قال: لا ينال هذا العلم إلا من عطّل دكانه، وخرب بستانه، وهجر إخوانه، ومات أقرب أهله فلم يشهد جنازته، وهذا كله وإن كانت فيه مبالغة فالمقصود به أنه لابد فيه من جمع القلب واجتماع الفكر.
وقيل: أمر بعض المشايخ طالبًا له بنحو ما رواه الخطيب فكان آخر ما أمره به أن قال: اصبغ ثوبك كيلا يشغلك فكر غسله. ومما يقال عن الشافعي أنه قال: لو كُلِّفتُ شراء بصلة لما فهمت مسألة.