أن يسعى في مصالح الطلبة وجمع قلوبهم ومساعدتهم بما تيسر عليه من جاه ومال عند قدرته على ذلك وسلامة دينه وعدم ضرورته فإن الله تعالى في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله تعالى في حاجته، ومن يسر على معسر يسر الله عليه حسابه يوم القيامة ولاسيما إذا كان ذلك إعانة على طلب العلم الذي هو من أفضل القربات.
وإذا غاب بعض الطلبة أو ملازمي الحلقة زائدًا عن العادة سأل عنه
[ ٦١ ]
وعن أحواله وعن من يتعلق به، فإن لم يخبر عنه بشيء أرسل إليه أو قصد منزله بنفسه وهو أفضل.
فإن كان مريضًا عاده وإن كان في غم خفض عليه، وإن كان
[ ٦٢ ]
مسافرًا تفقد أهله ومن يتعلق به وسأل عنهم وتعرض لحوائجهم ووصلهم بما أمكن، وإن كان فيما يحتاج إليه فيه أعانه، وإن لم يكن شيء من ذلك تودد عليه ودعا له.
واعلم أن الطالب الصالح أعود على العالم بخير الدنيا والآخرة من أعز الناس عليه وأقرب أهله إليه.
ولذلك كان علماء السلف الناصحون لله ودينه يلقون شبك الاجتهاد لصيد طالب ينتفع الناس به في حياتهم ومن بعدهم، ولو لم يكن للعالم إلا طالب واحد ينتفع الناس بعلمه وعمله وهديه وإرشاده لكفاه ذلك الطالب عند الله تعالى، فإنه لا يتصل شيء من علمه إلى أحد فينتفع به إلا كان له نصيب من الأجر كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ - إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاثة؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.
وأنا أقول: إذا نظرت وجدت معاني الثلاثة موجودة في معلم
[ ٦٣ ]
العلم؛ أما الصدقة فاقراؤه إياه العلم وإفادته إياه، ألا ترى إلى قوله - ﷺ - في المصلي وحده: من يتصدق على هذا، أي بالصلاة معه لتحصل له فضيلة الجماعة، ومعلم العلم يحصل للطالب فضيلة العلم التي هي أفضل من صلاة في جماعة وينال بها شرف الدنيا والآخرة، وأما العلم المنتفع به فظاهر لأنه كان سببًا لإيصال ذلك العلم إلى كل من انتفع به.
وأما الدعاء الصالح له فالمعتاد المستقرأ على السنة أهل العلم والحديث قاطبة من الدعاء لمشايخهم وأئمتهم وبعض أهل العلم يدعون لكل من يذكر عنه شيء من العلم وربما يقرأ بعضهم الحديث بسنده فيدعو لجميع رجال السند فسبحان من اختص من شاء من عباده بما شاء من جزيل عطائه.