أن لا ينتصب للتدريس إذا لم يكن أهلًا له ولا يذكر الدرس مِنْ عِلْمٍ لا يعرفه، سواء أشرطه الواقف أو لم يشرطه فإن ذلك لعب في الدين وازدراء بين الناس.
قال النبي - ﷺ -: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور.
وعن الشبلي: من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه.
وعن أبي حنيفة: من طلب الرياسة في غير حينه لم يزل في ذلٍّ ما بقي، واللبيب من صان نفسه عن تعرضها لما يعد فيه ناقصًا وبتعاطيه
[ ٤٥ ]
ظالمًا وبإصراره عليه فاسقًا فإنه متى لم يكن أهلًا لما شرطه الواقف في وقفه أو لما يقتضيه عرفٌ مثله كان بإصراره على تناول ما لا يستحقه فاسقًا، فإن كان في الوقف أن يكون المدرس عاميًا أو جاهلًا لم يصح شرطه، وإن شرط جعل ناقص مخصوص مدرسًا سقط اسم الفسق وحظر الإثم، ويبقى التنقص به والاستهزاء به بحاله، ولا يرضى ذلك لنفسه أريب، ولا يتعاطاه مع الغنى عنه لبيب، ولا يَظْهَرُ مِنْ واقفٍ شَرَطَ قَصْدُ ذلك قصد الانتفاع ولا يؤول أمر وقفه إلا إلى ضياع، وأقل مفاسد ذلك أن الحاضرين يفقدون الإنصاف لعدم من يرجعون إليه عند الاختلاف لأن رب الصدر لا يعرف المصيب فينصره أو المخطئ فيزجره.
وقيل لأبي حنيفة ﵀: في المسجد حلقة ينظرون في الفقه، فقال: ألهم رأس؟ قالوا: لا، قال: لا يفقه هؤلاء أبدًا، ولبعضهم في تدريس من لا يصلح:
تصدر للتدريس كل مهوس جهول يسمى بالفقيه المدرس
فحق لأهل العلم أن يتمثلوا ببيت قديم شاع في كل مجلس
لقد هزلت حتى بدا من هزالها كلاها وحتى سامها كل مفلس