أن يلزم حلقة شيخه في التدريس والإقراء بل وجميع مجالسه إذا أمكن فإنه لا يزيده إلا خيرًا وتحصيلًا وأدبًا وتفضيلًا، كما قال علي ﵁ في حديثه المتقدم. ولا تشبع من طول صحبته فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء، ويجتهد على مواظبته في خدمته والمسارعة إليها فإن ذلك يكسبه شرفًا وتبجيلًا.
ولا يقتصر في الحلقة على سماع درسه فقط إذا أمكنه فإن ذلك علامة قصور الهمة وعدم الفلاح وبطء التنبه بل يعتني بسائر الدروس المشروحة ضبطًا وتعليقًا ونقلًا، وإن احتمل ذهنه ذلك ويشارك
[ ١٤٢ ]
أصحابها حتى كأن كل درس منها له ولعمري أن الأمر كذلك للحريص فإن عجز عن ضبط جمعها اعتنى بالأهم فالأهم منها.
وينبغي أن يتذاكر مواظبو مجلس الشيخ ما وقع فيه من الفوائد والضوابط والقواعد وغير ذلك، وأن يعيدوا كلام الشيخ فيما بينهم فإن في المذاكرة نفعًا عظيمًا، وينبغي المذاكرة في ذلك عند القيام من مجلسه قبل تفرق أذهانهم وتشتت خواطرهم وشذوذ بعض ما سمعوه عن أفهامهم ثم يتذاكرونه في بعض الأوقات.
[ ١٤٣ ]
قال الخطيب: وأفضل المذاكرة مذاكرة الليل، وكان جماعة من السلف يبدؤون في المذاكرة من العشاء فربما لم يقوموا حتى يسمعوا أذان الصبح.
[ ١٤٤ ]
فإن لم يجد الطالب من يذاكره ذاكر نفسه بنفسه، وكرر معنى ما سمعه ولفظه على قلبه ليعلق ذلك على خاطره فإن تكرار المعنى على القلب كتكرار اللفظ على اللسان سواء بسواء، وقل أن يفلح من يقتصر على الفكر والتعقل بحضرة الشيخ خاصة ثم يتركه ويقوم ولا يعاوده.
[ ١٤٥ ]