ـ حُبُّها سبب لنيل محبة الله: عَنْ عَائِشَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: "سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ ". فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ" (^١).
قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون سبب محبة الله له؛ محبته لهذه السورة، ويحتمل أن يكون لما دل عليه كلامه، لأن محبته لذكر صفات الرب دالة على صحة اعتقاده" (^٢).
ـ سبب لدخول الجنة: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ
_________________
(١) رواه البخاري (٧٣٧٥) ومسلم (٨١٣).
(٢) فتح الباري (٧٣٧٥).
[ ٧٤ ]
مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ، افْتَتَحَ بِـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَإِمَّا تَقْرَأُ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: "يَا فُلَانُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ؟ وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟ " فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا. فَقَالَ: "حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ" (^١).
_________________
(١) رواه البخاري تعليقًا (٧٧٤). ووصله الترمذي (٢٩٠١). وقال الألباني في أصل صفة الصلاة (١/ ٤٠٠): هو على شرط مسلم.
[ ٧٥ ]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَجَبَتْ". قُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: "الْجَنَّةُ" (^١).
قال أبو الوليد الباجي ﵀: قوله: فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ يحتمل أن يكون في غير صلاة، وقوله ﷺ: "وَجَبَتْ". يحتمل أن يريد بذلك تنبيه أبي هريرة ومن كان معه على فضلها وكثرة الثواب لقارئها" (^٢).
وعن مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ صَاحِبِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ حَتَّى يَخْتِمَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ". فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁:
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٨٩٧) والنسائي (٩٩٤). وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٢٨٩٧). وحسنه الوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (١٤٢٦).
(٢) المنتقى شرح موطأ مالك، حديث رقم (٥٥٨).
[ ٧٦ ]
إِذَنْ نَسْتَكْثِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّهُ أَكْثَرُ وَأَطْيَبُ" (^١).
ـ تعدل ثلث القرآن: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ" (^٢).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "احْشُدُوا؛ فَإِنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ"، فَحَشَدَ مَنْ حَشَدَ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، فَقَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: إِنِّي أُرَى هَذَا خَبَرٌ جَاءَهُ مِنَ السَّمَاءِ، فَذَاكَ الَّذِي أَدْخَلَهُ، ثُمَّ
_________________
(١) رواه أحمد (١٥٦١٠)، والطبراني في الأوسط (٢٨١). وحسنه لغيره الألباني في الصحيحة (٥٨٩).
(٢) رواه البخاري (٧٣٧٤).
[ ٧٧ ]
خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ: سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، أَلَا إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ" (^١).
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهَا عَدَلَتْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ لِأَجْلِ هَذَا الِاسْمِ، الَّذِي هُوَ (الصَّمَدُ) فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ، وَكَذَلِكَ (أَحَدٌ). وَقِيلَ: إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ أَثْلَاثًا؛ ثُلُثًا مِنْهُ أَحْكَامٌ، وَثُلُثًا مِنْهُ وَعْدٌ وَوَعِيدٌ، وَثُلُثًا مِنْهُ أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ، وَقَدْ جَمَعَتْ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أَحَدَ الْأَثْلَاثِ، وَهُوَ الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ. وَدَلَّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. "إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ جَزَّأَ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ" (^٢). وَهَذَا نَصٌّ؛ وَبِهَذَا الْمَعْنَى سُمِّيَتْ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (^٣).
_________________
(١) رواه مسلم (٨١٢).
(٢) رواه مسلم (٢٦٠).
(٣) تفسير القرطبي (٢٠/ ٢٢١) [سورة الإخلاص].
[ ٧٨ ]
وعن أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ جَزَّأَ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ" (^١).
قال المازري ﵀: قيل: معناه: أن القرآن على ثلاثة أنحاء؛ قصص، وأحكام، وصفات لله تعالى، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ متمحضة، فهي ثلث، وجزء من ثلاثة أجزاء، وقيل: معناه: أن ثواب قراءتها يضاعف بقدر ثواب قراءة ثلث القرآن بغير تضعيف" (^٢).