الترهيب من الغفلة عن ذكر الله -﷿-
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٧].
وقال الله -﷿-: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾ [الجن: ١٧].
عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ لَهُمْ
[ ١٨ ]
حَسْرَةً" (^١).
وفي لفظ عند الترمذي: "مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ".
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: "أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ، وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ" (^٢).
وعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ورضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ، لَا لَهُ، إِلَّا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ" (^٣).
وقال ابن عباس ﵄: الشيطانُ جاثِمٌ على قلبِ ابنِ آدمَ؛ فإذا
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٨٥٥) والترمذي (٣٣٨٠). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٥٠٨)، وقال الوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (١٣٢٨): حسن على شرط مسلم.
(٢) رواه الترمذي (٢٣٢٢) وابن ماجه (٤١١٢)، وحسنه ابن القيم في عدة الصابرين (١/ ٢٦٠) والألباني في الصحيحة رقم (٢٧٩٧).
(٣) رواه الترمذي (٢٤١٢) وابن ماجه (٣٩٧٤)، وحسنه المناوي في تخريج أحاديث المصابيح (٢/ ٢٦٩).
[ ١٩ ]
ذَكَر اللهَ خَنَسَ، وإذا غَفَل وَسْوَسَ" (^١).
وقال ابن القيم ﵀: ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، فإذا تُرِك الذِّكرُ صَدِئ، فإذا ذُكِرَ جلاه.
وصدأُ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر؛ فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبًا على قلبه، وصداؤه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه، فيرى الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل؛ لأنه لما تراكم عليه الصدأ أَظْلَم، فلم تظهر فيه صور الحقائق كما هي عليه.
فإذا تراكم عليه الصدأ واسْوَدَّ، ورَكِبَهُ الرَّانُ، فسَدَ تصوُّره وإدراكه، فلا يقبل حقًا ولا ينكر باطلًا؛ وهذا أعظم عقوبات القلب.
_________________
(١) أخرجه البخاري معلقًا في آخر كتاب التفسير، بصيغة التمريض قبل حديث (٤٩٧٧) بنحوه، وأخرجه موصولًا أبو داود في الزهد (٣٣٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٩١٩) واللفظ لهما. وصححه الألباني في تخرجي مشكاة المصابيح (٢٢٢١).
[ ٢٠ ]
وأصلُ ذلك من الغفلة، واتباع الهوى، فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصره، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨] " (^١).
_________________
(١) الوابل الصيب (ص/ ٩٢).
[ ٢١ ]