عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ" (^١).
وعنه بلفظ: كَانَ يُعْلَمُ انْقِضَاءُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ" (^٢). قال المباركفوري: أي: بعد الصلاة، وفي الرواية الآتية "بالذكر" وهو أعم من التكبير والتكبير أخص وهذا مفسر للأعم" (^٣).
وسُئلت اللجنة الدائمة: ما حكم رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة (صلاة
_________________
(١) رواه البخاري (٨٤١) ومسلم (٥٨٣).
(٢) سنن أبي داود (١٠٠٢) وصححه الألباني في صحح أبي داود (١٠٠٢).
(٣) عون المعبود شرح سنن أبي داود حديث رقم (١٠٠٢).
[ ١٠٨ ]
الفريضة)، وهل يعم جميع الصلوات أم في صلوات معينة، وهل يكره إذا كانت هنالك جماعة أخرى أو أفراد يصلون؟
ج: يشرع رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة المكتوبة، لما ثبت من حديث ابن عباس ﵄ قال: إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ. وأنه قال أيضا: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته (^١)، ولو وجد أناس يقضون الصلاة سواء كانوا أفرادًا أو جماعات وذلك في جميع الصلوات الخمس المفروضة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (^٢).
وورد في ضمن سؤال آخر: وما حكم جهر الصوت بالدعاء وقراءة القرآن؟ فأجابت اللجنة: أما رفع الصوت بالدعاء وقراءة القرآن بصفة جماعية فهذا لم يرد عنه ﷺ ولا عن صحابته، وفعله بدعة، أمَّا إذا دعا الإنسان لنفسه أو قرأ لنفسه جهرًا فلا شيء فيه، إذا لم يتأذ به غيره، وهكذا الدعاء الذي يؤمن عليه كدعاء القنوت.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٤١) ومسلم (٥٨٣) وأبو داود (١٠٠٣).
(٢) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء> الرئيس/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، (٧/ ١١٥).
[ ١٠٩ ]
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (^١).
وسُئل ابن باز ﵀: ما حكم الذكر الجماعي بعد الصلاة على وتيرة واحدة كما يفعله البعض وهل السنة الجهر بالذكر أو الإسرار؟
ج: السنة الجهر بالذكر عقب الصلوات الخمس وعقب صلاة الجمعة بعد التسليم لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ، قال ابن عباس ﵄: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته" (^٢). أما كونه جماعيًا بحيث يتحرى كل واحد نطق الآخر من أوله إلى آخره وتقليده في ذلك فهذا لا أصل له بل هو بدعة، وإنما المشروع أن يذكروا الله جميعًا بغير قصد لتلاقي الأصوات بدءًا ونهاية" (^٣).
وسُئل ابن عثيمين ﵀: هذا مستمع للبرنامج يقول: إنه إمام في أحد المساجد، وبعد التسليم أقوم بالورد أو أسبح بالطريقة المشروعة بصوتٍ مرتفع، فأنكر عليَّ بعض العامة ذلك بقولهم: إنك قد تشوش على الذين
_________________
(١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء> الرئيس/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، (٧/ ١١٥).
(٢) رواه البخاري (٨٤١) ومسلم (٥٨٣).
(٣) الدرر الثرية من الفتاوى البازية (ص/ ١٨٠).
[ ١١٠ ]
فاتتهم الصلاة فما حكم هذا مأجورين؟
فأجاب الشيخ: رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة المكتوبة مشروع، لما صح في البخاري عن ابن عباس ﵄، قال: كان رفع الصوت بالذكر حين يفرغ الناس المكتوبة على عهد النبي ﷺ؛ لكن إذا كان يصلي إلى جنبك شخص، وخفت أن تشوش عليه برفع الصوت، فالأفضل ألا تفعل؛ لأن النبي ﷺ خرج إلى أصحابه وهم يصلون ويجهرون بالقراءة، فقال: "لا يجهر بعضكم على بعضٍ في القراءة، أو قال في القرآن" (^١)؛ ولكن هذا إذا كان إلى جنبك، أما إذا كان بعيدًا عنك، فالغالب أنك لا تشوش عليه، لا سيما إذا كانت الأصوات متداخلة كلهم يرفعون أصواتهم، فإنها إذا كانت متداخلة لا يحصل فيها تشويش، التشويش إنما يحصل إذا كان إلى جنبك مباشرة، أو إذا كان هناك أصواتًا متميزة جهورية، وأما إذا تداخلت الأصوات؛ فلا تشويش" (^٢).
وسُئل أيضًا: فضيلة الشيخ - حفظك الله ـ: جاءت السنة بمشروعية رفع الذكر بعد الصلاة، فهل المقصود هو الذكر المباشر لانقضاء الصلاة، مثل:
_________________
(١) رواه الطبراني في المعجم الأوسط (٣/ ٢٧) وصححه الألباني في إصلاح المساجد (٢٦٤) ورقم (٧٤)، وذكر له شاهدًا قويًا في السلسلة الصحيحة (١٦٠٣).
(٢) المصدر: سلسلة فتاوى نور على الدرب > الشريط رقم [١٩٦].
[ ١١١ ]
(اللهم أنت السلام)، ونحوه، أو أنه يعم جميع الذكر من التسبيح، والتهليل، والتكبير؟
ج: يعم الجميع، يعم كل ذكر مشروع بعد الصلاة: الاستغفار، وقول: (اللهم أنت السلام) والتسبيح، والتهليل، وقد ألف - أظنه الشيخ/ سليمان بن سحمان ﵀ - رسالة، وقال: من فرق بين التهليل والتسبيح فقد ابتدع، وأنه لا فرق بين هذا وهذا. وهذا هو الصحيح، لكن إذا كان هناك شخص يصلي إلى جانبك، وقد فاته شيء من الصلاة، وخفت إذا رفعت صوتك أن تشوش عليه، فلا ترفع صوتك؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - خرج على الصحابة، وهم يصلون، ويجهرون بالقراءة، ويشوش بعضهم على بعض، فنهاهم أن يرفع الرجل صوته فيشوش على أخيه. وأما إذا لم يكن هناك تشويش، فالمشروع هو رفع الصوت. السائل: ألا يحصل تشويش إذا رفعوا أصواتهم؟
الشيخ: إذا كانوا كلهم ما فاتهم شيء من الصلاة، وكانوا يذكرون الله جميعًا لا يحصل تشويش أبدًا، كما أنهم يقرءون القرآن قبل الصلاة، كلهم يرفع صوته فلا يحصل تشويش.
السائل: والإمام عندما يرفع صوته؟
الشيخ: نقول: إذا رفع صوته، وهم يسمعون، ليرفعوا أصواتهم مثله،
[ ١١٢ ]
وسبب التشويش أن بعض الناس يكره هذا بقلبه، تعرف أن القلب إذا اشتغل يتشوش، لكن لو كانوا مطمئنين بهذا، وقد قبلته نفوسهم قبولًا تامًا لم يحصل تشويش إطلاقًا.
السائل: لكن السنة أن يجهر به!
الشيخ: السنة أن يجهر، ولكن إذا كان إمامًا فينبغي أن يبلغ المأمومين قبل ذلك، ويقول: يا إخوان: السنة هي الجهر" (^١).
فائدة/
قال النووي ﵀ عند شرح حديث ابن عباس: كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ" (^٢). قال: هذا دليل لما قاله بعض السلف أنه يستحب رفع الصوت بالتكبير والذكر عقب المكتوبة، وممن استحبه من المتأخرين ابن حزم الظاهري. ونقل ابن بطال وآخرون أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير، وحمل الشافعي رحمه الله تعالى هذا الحديث على أنه جهر وقتًا يسيرًا حتى يعلمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا دائمًا، قال:
_________________
(١) المصدر: سلسلة لقاءات الباب المفتوح > لقاء الباب المفتوح
(٢) رواه البخاري (٨٤٢) ومسلم (٥٨٣).
[ ١١٣ ]
فاختار للإمام والمأموم أن يذكرا الله تعالى بعد الفراغ من الصلاة ويخفيان ذلك، إلا أن يكون إمامًا يريد أن يتعلم منه فيجهر حتى يعلم أنه قد تعلم منه، ثم يسر، وحمل الحديث على هذا" (^١). نقلت قول النووي من باب الفائدة، وليُعلم أنه يوجد قول آخر في المسألة.