عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي صلى الله عليه سلم: "أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ " قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ" (^١).
قال أبو الوليد الباجي ﵀: وأما انتظار الصلاة بعد الصلاة فهو أن يصلي في جماعة ثم يجلس في مصلاه ينتظر الصلاة التي تليها. وقوله ﷺ: "فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ" يعني أنه من الرباط المُرَغَّب فيه؛ لأنه قد ربط نفسه على هذا العمل وحبس نفسه عليه، ويحتمل قوله ﷺ:
_________________
(١) رواه مسلم (٦٤٩).
[ ٣٠ ]
"فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ" التفضيل لهذا الرباط على غيره من الرباط في الثغور، ولذلك قال ﷺ: "فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ" يريد أنه أفضل أنواعه، ولذلك يقول القائل: جهاد النفس هو الجهاد، يريد أنه أفضل. ويحتمل أن يريد أنه الرباط الممكن المتيسر. وقد قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: إن ذلك من ألفاظ الحصر وإنما تكرر قوله: "فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ" على معنى التعظيم لشأنه. ويحتمل أن يكون كرر ذلك على عادته ﷺ في تكرار كلامه ثلاثًا إلا أنه لا يخلو في ذلك من فائدة التعظيم والإفهام أو غيرهما (^١).
وعن أنس ﵁ قال: نَظَرْنَا النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ، فَجَاءَ فَصَلَّى لَنَا، ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: "أَلَا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ". قَالَ الْحَسَنُ البصري ﵀: وَإِنَّ الْقَوْمَ لَا يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا انْتَظَرُوا الْخَيْرَ" (^٢).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ حَتَّى يَنْصَرِفَ، أَوْ يُحْدِثَ". قُلْتُ: مَا يُحْدِثُ؟ قَالَ:
_________________
(١) المنتقى شرح موطأ مالك، عند حديث رقم (٤٤٥).
(٢) رواه البخاري (٦٠٠) ومسلم (٦٤٠)، وقول الحسن في البخاري وليس في مسلم.
[ ٣١ ]
يَفْسُو أَوْ يَضْرِطُ" (^١).
قال المباركفوري ﵀: قوله: "لا يزال أحدكم في صلاة" أي: في ثواب صلاة لا في حكمها؛ لأنه يحل له الكلام وغيره مما منع في الصلاة" (^٢).
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَال: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَغْرِبَ فَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ وَعَقَّبَ مَنْ عَقَّبَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْرِعًا قَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، وَقَدْ حَسَرَ عَنْ رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: "أَبْشِرُوا، هَذَا رَبُّكُمْ قَدْ فَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ، يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي قَدْ قَضَوْا فَرِيضَةً وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أُخْرَى" (^٣).
قوله: "وَعَقَّبَ مَنْ عَقَّبَ" في الصحاح: التعقيب في الصلاة: الجلوس بعد أن يقضيها لدعاء أو مسألة، وفي الحديث: "من عقب في الصلاة فهو في الصلاة" (^٤).
_________________
(١) رواه مسلم (٢١٥).
(٢) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي حديث (٣٣٠).
(٣) رواه ابن ماجه (٨٠١) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٦).
(٤) مختار الصحاح (ص/ ٢١٣) مادة: >عقب<.
[ ٣٢ ]
وقال السيوطي: التعقيب في المساجد: انتظار الصلوات بعد الصلاة" (^١).
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "صَلَاةٌ فِي إِثْرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلِّيِّينَ" (^٢).
قال المباركفوري ﵀: قوله: "صلاة في إثر صلاة" أي: صلاة تتبع صلاة وتتصل بها فرضًا أو سنةً أو نفلًا. "لا لغو بينهما" أي: ليس بينهما كلام باطل، ولا لغط. واللغو: اختلاط الكلام. "كتاب في عليين" أي: مكتوب ومقبول تصعد به الملائكة المقربون إلى عليين لكرامة المؤمن وعمله الصالح. قاله المُناوي" (^٣).
وعن أبي هريرة ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مُنْتَظِرُ الصَّلَاةِ مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ كَفَارِسٍ اشْتَدَّ بِهِ فَرَسُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى كَشْحِهِ، تُصَلِّي عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ أَوْ يَقُومَ، وَهُوَ
_________________
(١) حاشية السندي على ابن ماجه رقم (٨٠١). وفيها معنى (قَدْ حَفَزَهُ) أي: أعجله النفَس. (قد حَسَرَ) أي: كشف.
(٢) رواه أبو داود (١٢٨٨) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٨٣٧).
(٣) عون المعبود شرح سنن أبي داود حديث رقم (١٢٨٨). والحديث غير واضح في انتظار الصلاة ولكن يُفهم منه فضل تتابع أداء الصلاة وأن انتظار الصلاة في مكانها سبب لتحقيق شرط اجتناب اللغو.
[ ٣٣ ]
فِي الرِّبَاطِ الْأَكْبَرِ" (^١).
فائدة/ قال ابن رجب -﵀-: ويدخل في "الجلوس في المساجد بعد الصلوات": الجلوس للذكر والقراءة وسماع العلم وتعليمه ونحو ذلك، لا سيما بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس؛ فإن النصوص قد وردت بفضل ذلك، وهو شبيهٌ بمن جلس ينتظر صلاة أخرى، لأنه قد قضى ما جاء المسجد لأجله من الصلاة وجلس ينتظر طاعة أخرى" (^٢).