في بعض المساجد يُلْقِي الإمامُ أو غيرُه درسًا أو موعظة بعد الصلاة، وهذا من نعم الله العظيمة على المتكلم والسامع، فينبغي للمسلم حضورها والحرص عليها، وقد وردت أدلة كثيرة تبيّن فضل الجلوس في هذه
_________________
(١) رواه أحمد (٨٦٢٥) والطبراني في الأوسط (٨١٤٤) وحسنة شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند (٨٦٢٥). وفي مختار الصحاح (ص/ ٢٧٠): الكشح: بوزن الفَلْس، ما بين الخاصرة إلى الضِّلَعِ الخلفي. مادة (ك ش ح).
(٢) تفسير ابن رجب (٢/ ١٦٩)، عند الحديث عن سورة [ص].
[ ٣٤ ]
المجالس، وسأكتفي بذكر شيء يسير منها للتذكير بفضلها والحث على ملازمتها، فمن تلك الأدلة:
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي صلى الله عليه سلم قال: "لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ ﷿ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ" (^١).
وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ، يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ". قَالَ: "فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا". قَالَ: "فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ - مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ" قَالَ: "فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ ". قَالَ: "فَيَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ، مَا رَأَوْكَ". قَالَ: "فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ ". قَالَ: "يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا". قَالَ: "يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ " قَالَ: "يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ". قَالَ: "يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ ". قَالَ: "يَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ يَا
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧٠٠).
[ ٣٥ ]
رَبِّ مَا رَأَوْهَا". قَالَ: "يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ ". قَالَ: "يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً". قَالَ: "فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ ". قَالَ: "يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ". قَالَ: "يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ ". قَالَ: "يَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ مَا رَأَوْهَا". قَالَ: "يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ ". قَالَ: "يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً". قَالَ: "فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ". قَالَ: "يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. قَالَ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ" (^١).
وفي آخر لفظ مسلم: "فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا. قَالَ: فَيَقُولُونَ: رَبِّ، فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ، إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ. قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ؛ هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ" (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤٠٨) ومسلم (٢٦٨٩).
(٢) صحيح مسلم (٢٦٨٩).
[ ٣٦ ]
قال العلماء: معناه على جميع الروايات: أنهم ملائكة زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق، فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم، إنما مقصودهم حلق الذكر (^١).
وقال النووي ﵀: في هذا الحديث فضيلةُ الذكر، وفضيلة مَجَالِسِهِ، والجلوسِ مع أهله، وإن لم يشاركهم، وفضلُ مجالسة الصالحين وبركتهم، والله أعلم (^٢).
وعن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا لَمْ يَأْتِهِ إِلَّا لِخَيْرٍ يَتَعَلَّمُهُ أَوْ يُعَلِّمُهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ" (^٣).
_________________
(١) المنهاج شرح مسلم بن الحجاج، عند حديث رقم (٢٦٨٩).
(٢) المصدر السابق.
(٣) رواه ابن ماجه (٢٢٧) وأحمد (٨٦٠٣) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦١٨٤).
[ ٣٧ ]
قال السندي ﵀: قوله: "مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا" أراد مسجده، وتخصيصه بالذكر إما لخصوص هذا الحكم به، أو لأنه كان محلا للكلام حينئذ وحكم سائر المساجد كحكمه، قوله: "بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ" وجه مشابهة طلب العلم بالمجاهد في سبيل الله أنه إحياء للدين وإذلال للشيطان وإتعاب النفس وكسر ذرى اللذة، كيف وقد أُبيح له التخلف عن الجهاد فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢]. قوله: "وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ" أي: ممن لم يأت الصلاة كما تقدم، قوله: "فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ" أي: بمنزلة من دخل السوق لا يبيع ولا يشتري، بل لينظر إلى أمتعة الناس فهل يحصل له بذلك فائدة؟ فكذلك هذا، وفيه: أن مسجده ﷺ سوق العلم فينبغي للناس شراء العلم بالتعلم والتعليم" (^١).
_________________
(١) حاشية السندي على ابن ماجه، حديث رقم (٢٢٧).
[ ٣٨ ]
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن القرشي المخزومي المدني التابعي، أحد الفقهاء السبعة: مَنْ غَدَا أَوْ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ، لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ؛ لِيَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ لِيُعَلِّمَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ، كَانَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَجَعَ غَانِمًا (^١).
وعن شَهْر بْن حَوْشَبٍ قال: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، لَا تَعَلَّمِ الْعِلْمَ لِتُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَتُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، وَتُرَائِيَ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ، وَلَا تَتْرُكِ الْعِلْمَ زَهَادَةً فِيهِ، وَرَغْبَةً فِي الْجَهَالَةِ. وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَاجْلِسْ مَعَهُمْ، إِنْ تَكُ عَالِمًا يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُ جَاهِلًا عَلَّمُوكَ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ فَيُصِيبَكَ بِهَا مَعَهُمْ. وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمْ، إِنْ تَكُ عَالِمًا لَمْ يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُ جَاهِلًا زَادُوكَ غَيًّا - أَوْ: عِيًّا - وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِسَخَطٍ فَيُصِيبَكَ بِهِ مَعَهُمْ. (^٢).
_________________
(١) موطأ مالك (٤٤٣).
(٢) سنن الدارمي (٣٩٣).
[ ٣٩ ]