الحمد لله الذي أمرَ بالذِّكر كثيرًا، أحمده عدد خلقه صغيرًا أو كبيرًا. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وَعَدَ الذاكرين والذاكرات، بالمغفرة وعظيم الحسنات. وأشهد أن محمدًا عبدُه الشكور، ونبيُّه المُشَّفع في يوم النشور، الذاكرُ لربه في العشي والبكور. صلوات الله وسلامه عليه، عدد ما تحرَّكت بالذكر الشفاه، ونطقت به الأفواه.
أما بعد
فإنَّ في قراءة الأذكار بعد الصلاة أجرٌ كبير، وفضلٌ وفير، ومتابعةٌ للبشير النذير، واستجلابٌ لمرضاة العليِّ الكبير؛ ولذلك قال ابن القيم ﵀ في فضل الذكر عمومًا: إن العطاء والفضل الذي رُتِّب عليه لم يُرَتَّبْ على غيره من الأعمال" (^١).
بل إنَّ الجلوس وحده فيه فوائد، والذكر مع الجلوس له عوائد، وأيُّ عوائد؛ تستغفر لمن يجلس الملائكة، وتدعو له بالمغفرة والتوبة من الذنوب المهلكة.
وأكثر الناس لا يجلسون بعد الصلاة للأذكار، واعتادوا التَّعجُّل في
_________________
(١) الوابل الصيب (ص/ ١٠١). ط؛ الأوقاف القطريةـ ١٤٣٧ هـ ــ ٢٠١٦ م.
[ ٥ ]
الخروج باستمرار، فيتركون الصواب، ويفوتهم الثواب.
فلأجل نيل ذلك الثواب، والحرص على تلك الأسباب، التي توصل إلى مرضاة ربِّ الأرباب، رأيت أن أكتب في هذا الباب، ما يُبَشِّرُ أولي الألباب، ويدعو المُعرِضين إلى العودة والإناب، عن عادة السَّرَعَان (^١)، إلى عادة أهل الذكر والاطمئنان.
فجمعتُ من الأدلة والآثار، ما يبين فضل الأدعية والأذكار، التي تقال بعد الصلاة باستمرار، وتجعل أهل الفقر والإعسار، ينافسون أهل السعة واليسار. ونقلتُ بعض الفتاوى المهمة، المتعلقة بالذكر بعد الصلاة للمأمومين والأئمة.
وأرجو لمن قرأها أنْ يُغيِّرَ من نفسه، ويقرأَ منها على جلسائه وبني جنسه، في الدروس واللقاءات، والخطب والمحاضرات، وأن نتواصى بهذا الأمر في المنشورات والتغريدات، والوسائل المتنوعات، لنحظى بالفضائل المذكورة، في السطور المزبورة.
_________________
(١) قال النووي: "السَّرَعَان" هم المسرعون إلى الخروج. والسرعان - بفتح السين والراء - هذا هو الصواب الذي قاله الجمهور من أهل الحديث واللغة، وهكذا ضبطه المتقنون. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٥٧٣).
[ ٦ ]
وينبغي لكلِّ عاقل أنْ يحرص على العمل بالفضائل، وأن يكثر من القربات والنوافل، حتى يلتحقَ بركب الأبرار، ويرقى منازل الأخيار، لاسيما وباب الأذكار، أسهل في الأداء، وأعظم في الثواب والجزاء.
ويجدر بكل محب للسنة أنْ لا يُفوِّت العمل بما بلغه من فضائل الأعمال، وكريم الخصال، بل يعمل بقدر ما يستطيع منها، ولا يكون من الذين يهجرونها ويغفلون عنها.
قال النووي ﵀: اعلم: أنه ينبغي لمن بلغه شيءٌ من فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرَّة، ليكون من أهله، ولا ينبغي أنْ يتركه مطلقًا، بل يأتي بما يتيسر منه، لقوله ﷺ في الحديث المتَّفَق على صحته (^١): "وإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (^٢).
وقد سميت هذه الرسالة (تذكير الأخيار بفضائل المكث في مكان أداء الصلاة وقراءة الأذكار)، واحتوت الرسالة على مقدمة، وأربعة فصول، وخاتمة، وفهرست. فأسأل الله أن يجعلنا من الذاكرين المخبتين، وأن يثبتنا على الحق المبين، و-ﷺ- على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) رواه البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧).
(٢) كتاب الأذكار للنوي (ص/ ٣٥). ط ١ الأوقاف القطرية. ١٤٣٦ هـ/ ٢٠١٥ مـ.
[ ٧ ]